أخبار عاجلةساحة الإبداع

حكاية النور الذي لم ينطفئ… سيرة روائية لرحيل نور الشريف

بقلم لجين طه السميري

حكاية النور الذي لم ينطفئ… سيرة روائية لرحيل نور الشريف
في حي السيدة زينب، حيث تختلط أصوات المآذن بندقّة الحارات، وعبق الخبز الطازج بصوت باعة البليلة، وُلد صبي نحيل الملامح، واسع العينين، يحمل في عينيه أكثر مما يحتمله طفل في عمره. كان اسمه محمد جابر، لكنه لم يكن يعلم أن القدر سيمنحه اسمًا آخر سيخلّده في ذاكرة الملايين: نور الشريف.

كبر محمد وسط دفء العائلة البسيطة، لكن القدر انتزع منه والده مبكرًا، فتعلم أن الحياة لا تعطي بلا مقابل، وأن الاعتماد على النفس هو السبيل الوحيد للمضي. كان يحب كرة القدم كما يحب الصغار ألعابهم، حتى انضم إلى ناشئي نادي الزمالك. كان الملعب عالمه، والكرة صديقته، لكن في قلبه كان هناك شغف آخر لم يكتشفه بعد.

التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك تبدلت ملامح الحلم. صار المسرح ملعبه، والكاميرا مرماه، والنصوص التي يقرأها هي خططه الهجومية. كان طالبًا مجتهدًا، يقرأ خارج المناهج، يبحث عن المعنى في الكتب، وعن الحقيقة في عيون الناس.

الفرصة جاءت كما تأتي الأقدار الكبرى، صدفة مشبعة بالنية. رآه شكري سرحان، ذلك الفارس السينمائي النبيل، ورأى فيه خامة مختلفة، فأخذه إلى المخرج حسن الإمام. وفي عام 1966، قدّمه بدور “كمال عبد الجواد” في فيلم قصر الشوق. كان الدور أشبه ببطاقة عبور إلى عالم لم يغادره حتى وفاته.

منذ ذلك اليوم، صار النور اسمه وحقيقته. تنقل بين الأدوار كما يتنقل الرحّالة بين المدن. في الكرنك، كان وجع الحرية المسلوبة. في أهل القمة، كان صراع الطموح والفساد. في حدوتة مصرية، صار صوتًا داخليًا ليوسف شاهين. أما ليالي الحلمية، فقد كانت رواية كاملة نضجت معه أمام أعين المشاهدين: شاب يحلم، ينكسر، يقاوم، ويكبر.

كان يعرف أن التمثيل ليس ترديدًا للكلمات، بل حياة تُعاش بين السطور. كان يغوص في الشخصية حتى تلتصق بملامحه. لا يكتفي بالنص، بل يقرأ عن الزمن والمكان، عن السياسة والاقتصاد، عن الشوارع التي تمشي فيها شخصيته، وعن البيوت التي تسكنها. ولهذا حين كنا نشاهده، كنا نصدق أنه البطل العاشق، أو الثائر، أو حتى المجرم الذي يحمل عذرًا إنسانيًا.

 

ورغم النجومية، بقي إنسانًا بسيطًا. كان بيته مفتوحًا للأصدقاء، وكان يمد يده للوجوه الجديدة، يؤمن أن الفن لا يعيش إلا بالتواصل بين الأجيال. في حياته الشخصية، كانت بوسي رفيقة دربه، في الفن والحياة. حتى بعد الانفصال، ظل بينهما خيط من الود لم ينقطع، وكانت إلى جواره في أشد اللحظات ألمًا.

لكن الحياة، كعادتها، لا تمنح النجوم حصانة من المرض. بدأت المعركة حين علم بإصابته بسرطان الرئة. جسده بدأ يضعف، لكن عينيه ظلتا تلمعان. كان يواجه الألم بابتسامة، ويقول: “الفن هو ما يبقى”. لم يشأ أن يختبئ، ظهر أمام الجمهور في مقابلاته الأخيرة، نحيلًا، لكنه مرفوع الرأس.

ثم جاء ذلك اليوم، الحادي عشر من أغسطس 2015. القاهرة كانت حارة، لكن الحزن جعل حرّها أبطأ، كأن الزمن نفسه يثقل. في المستشفى، أغمض نور الشريف عينيه بهدوء، كمن يسلّم ودائعه للقدر. انتشر الخبر، فتوقفت البرامج، وتبدلت ملامح الشاشات، وامتلأت قلوب الناس بذلك الفراغ الذي لا يملؤه سوى الفن الصادق.

الجنازة كانت مشهدًا من أفلامه: وجوه من كل العصور، ممثلون كبار وشباب، جمهور جاء من الشوارع، نساء يحملن الدعاء، ورجال يبكون كأنهم فقدوا قريبًا. لم يكن الحزن لفنان فقط، بل لإنسان عاش بينهم بصدق، وعكس على الشاشة حياتهم، أحلامهم، وانكساراتهم.

رحل نور الشريف، لكن النور الذي تركه لا ينطفئ. في كل إعادة لـليالي الحلمية، يطل علينا بوجهه الصادق. في كل مشهد من ضربة شمس أو المطارد، نسمع نبضه. في كل جملة حوار قالها، نجد حكمة رجل عاش ليعطي.

لقد غاب الجسد، لكن الحكاية بقيت، والحكاية تروى هكذا:
“كان هناك رجل اسمه نور، جاء من حي السيدة زينب، أحب الفن كما يحب الطفل لعبته، وعاش له كما يعيش العاشق لمعشوقته. رحل يومًا، لكن ضوءه بقي يضيء الدروب لكل من آمن أن الفن حياة، وأن الحياة لا تُعاش إلا بصدق.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى