د. إسحاق بندري يكتب رسائل البحر مانيفستو التمرد والنجاة

ثمة سحر كامن في إعادة تأمل فيلم ما بعد مرور سنوات من مشاهدته لأول مرة؛ لكن الأمر في حالة سينما داوود عبد السيد يتحول إلى ما يشبه وصفة سحرية للتنقيب في طبقات الروح؛ لأنها سينما لا تتقادم، بل على العكس، فهي تكتسب أبعادًا جديدةً مع كل انكسار إنساني نتعرض إليه.
في فيلمه “رسائل البحر” (2010)، يقدم عبد السيد مانيفستو يمزج الزوايا الفلسفية مع الاستعارات البصرية للتدليل على الاغتراب، حيث لا يقتصر دور الإسكندرية على كونها مجرد حيز جغرافي ولكنها تصبح أيضًا فضاءً رمزيًّا يعكس ما يعانيه الأبطال من تصدعات وتمزقات. الفيلم الذي شارك في بطولته آسر ياسين، بسمة، سامية أسعد، محمد لطفي، صلاح عبد الله، مي كساب مع مصاحبة الموسيقى التصويرية للموسيقار راجح داوود لم يقدم سردية تقليدية، بل تجسدت فيه رحلة مثيرة للتفكير عن سيكولوجيا الهامش، تدفعها رؤية إخراجية تختلط فيها هزائم الواقع مع رسائل الرجاء.

اللعثمة كاستعارة
مع افتتاحية الفيلم تظهر بوضوح أزمة “يحيى” (آسر ياسين)، الطبيب الذي يعاني من صعوبات النطق. على المستوى النقدي، يتعذر تفسير التلعثم كمجرد عارض فسيولوجي، بل من المنطقي أن يجري تأويله كمجاز يشير إلى العجز عن التواصل مع عالم يتجبر في فرض معاييره وقيمه. يمثل يحيى نموذج البطل الإشكالي الذي يجد نفسه محاصرًا بتوقعات الأسرة والمجتمع؛ إخفاقه في تلبية الكود المجتمعي للنجاح – رغم محاولاته الجادة للوفاء بذلك – ينعكس في تلعثم لسانه، تنعدم قدرته على التواصل مع عالم لا ينصت إليه ولا يتقبل اختلافه، بل يقصيه ويهمشه.
يكشف استخدام عبد السيد للمونولوج الداخلي الدائر في ذهن يحيى عن الهوة السحيقة التي تفصل بين رهافة العالم الداخلي لبطل الفيلم بالمقارنة مع تعسف القوالب الخارجية المحيطة به. كما أن مغادرة يحيى إلى الإسكندرية وانصرافه عن مزاولة الطب واتجاهه إلى احتراف الصيد هو فعل نفي طوعي؛ فمن خلاله يحاول الاستعاضة عن التواصل البشري بلغة الطبيعة المتجاوزة لحدود الكلمات، لأن البحر هو المتلقي الوحيد الذي لا يعنيه تلعثمه.
جدلية الحضور والغياب بين نورا وكارلا
لا تقل الشخصيات النسائية تعقيدًا عن يحيى؛ إذ تظهر نورا (بسمة) كنموذج للمرأة المأزومة. فهي ليست مجرد فتاة ليل بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بل هي امرأة تعاني من الاغتراب عن الذات والشعور بالدونية، لأنها تصاب بنوع من المازوخية النفسية بسبب وضعها كزوجة ثانية في الخفاء، فمن ثم تزدري حالتها وتمقت نفسها وتفترض أن العالم يراها بنفس المنظور، ومن ثم تتبنى هذا الآلية كحيلة دفاعية.
تجري العلاقة بين يحيى ونورا كمباراة سيكولوجية بامتياز. من ناحيته، فإن يحيى، المسكون بهاجس إحباطه العنيف بسبب “كارلا” (سامية أسعد) التي تمثل الرمز المفقود للإسكندرية الكوزموبوليتانية، يحاول إسقاط أحكامه الأخلاقية على نورا، وهي بدورها تشعر أن نظرته لها تؤكد احتقارها لذاتها.
لكن المفارقة تتكشف في أن “نورا” هي المصدر الحقيقي لموسيقى شوبان؛ ذلك العزف الكلاسيكي الراقي الذي ينبعث من خلف نافذة غامضة، كما أنه يأتي ليكسر الصورة النمطية التي يحاول يحيى أن يقيدها فيها، مما يقدم تجليًّا لرقة روحها. هذا الصراع بينهما في المقام الأول هو صراع تطهير؛ فكلاهما يوجع الآخر بكلمات قاسية لتمزيق سذاجة السطحية والأقنعة المثالية، لأننا لا نرفض الآخرين فحسب، بل نرفض أنفسنا فيهم. لكنهما ينتهيان إلى القبول غير المشروط للذات وللآخر، وهو ما يمثل مقصد النضج الشعوري في العمل. يبدأ الحب الحقيقي حينما نتصالح مع عيوبنا أولًا، ثم نقبل إبهام الآخر دون محاولة تفكيكه بالكامل.
قابيل وسؤال الذاكرة والهوية
على جانب آخر، فشخصية “قابيل” (محمد لطفي) تصور أزمة مغايرة وفريدة من نوعها؛ فبرغم ضخامة جسده وشراسة ملامحه مما يشي بالشر بالإضافة إلى عمله كحارس أو كبلطجي بمعنى أدق، إلا أنه يحمل هشاشة طفل وقلبًا يفيض بالبراءة. يرفض قابيل إجراء جراحة دماغية عاجلة لخشيته من فقدان الذاكرة.
من معضلة قابيل مع العملية الجراحية يبرز السؤال الجوهري إزاء الهوية والذاكرة. لأن الذاكرة في “رسائل البحر” هي الحصن والملاذ ضد التداعي الأخلاقي. يتخوف قابيل أن ينسى وعده لنفسه ألا يلحق الأذى بأحد، يتوجس أن يخون عهده لو تبددت ذاكرته، يجزع من أن ينقطع ذلك الرابط الذي يبقيه إنسانًا وسط غابة من الوحوش البشرية.
يتبين ذلك القلق المصيري في حالة الخوف من المحو: ماذا يتبقى من الإنسان إذا تلاشت ذكرياته؟ على كل حال يتعمق خوف قابيل إلى هروب من المواجهة، إلى تفضيل تحمل الإصابة بالورم الدماغي حتى لو كانت حياته هي الثمن المدفوع لقاء ذلك، في تناقض صارخ مع عالم طافح بنسيان المبادئ وافتراس الآخرين بحجة الحفاظ على البقاء.
الإسكندرية كمرثية بصرية
لا يتوقف دور المكان في “رسائل البحر” باعتباره مجرد خلفية جغرافية، بل يكاد يشبه كائنًا حيًّا يكابد لحظات الاحتضار. الإسكندرية التي صورتها كاميرا أحمد المرسي هي مدينة مرسومة ببالته ألوان شاحبة؛ تكسوها الرمادية، تغلفها أجواء الشتاء، تغرق في الشجن.
تتحدث المفردات البصرية عن الانهيار: يتآكل المعمار الأنيق أمام زحف القيم الاستهلاكية، تتهدم الفيلات والقصور، وتحل محلها عمارات قبيحة. تتفاقم الرأسمالية المشوهة التي لا تهتم إلا بالنفعية والربح. وإلى جوار ذلك، تودع المدينة تاريخها الكوزموبوليتاني؛ يتوالى رحيل الأجانب بأطيافهم المتنوعة، تنطفئ ألوان المدينة وتستحيل إلى نوستالجيا أليمة بعد أن انتشرت الطبقات الطفيلية وتفشت التحولات المجتمعية المشوهة.
يتحرك الأبطال وسط المعمار القديم، وبين جدران الحانات القديمة، وكأنهم يبحثون عن أنفسهم في بقايا زمن غربت شمسه. هذا التغير في المكان يشي بتبدل المفاهيم الإنسانية؛ ما تمثله عائلة يحيى من قيم راسخة لم تعد صالحة للبقاء في زمن الحاج هاشم (صلاح عبد الله)، الذي يمثل الازدواجية ما بين التدين الظاهري والاستغلال الفعلي. يرسل المكان العديد من الرسائل الصامتة؛ وفحواها أن الثبات وهم لا مجال له، بينما التغير هو الحقيقة الظاهرة مهما بدت عصية على الفهم.
الموسيقى التصويرية الراوي الخفي
لا يمكن قراءة هذا الفيلم بمعزل عن موسيقاه التصويرية؛ الراوي الخفي للأحداث. وضع الموسيقار راجح داوود بصمته المميزة، حيث تضافرت الوتريات مع آلات النفخ في تلاحم مستمر يبوح بالصراع الداخلي في نفس يحيى. هذه الموسيقى التصويرية تصاحبها مقطوعات شوبان بسمتها الأوروبي الكلاسيكي وأغاني أم كلثوم التي تنبعث من الراديو في الأتيليه أو البار بطابعها المصري الأصيل، تخلق حالة من الهارموني الذي يجسد تعددية عوالم الأبطال وملامح المدينة.
البحر كقوة ميتافيزيقية
استغلت كادرات الفيلم الأجواء الشتوية لخلق ما يشبه اللوحات الانطباعية. كمثال على ذلك، يبرز المشهد المحوري في وقوف يحيى أمام البحر، بكل أزليته وشموخه. البحر في الفيلم هو صاحب القرار؛ هو الذي يمنح الرزق (السمك) في وقت لا يحتاجه الصياد، ويمنعه حينما تتعسر الظروف، تماماً كالحياة التي لا تعطينا ما نريد وقتما نرغب. يرسل البحر رسائله الغريبة في زجاجات مغلقة، قد تبدو عبثية أو قدرية، قد لا يتمكن أحد من فك شفرتها، لكن وجودها في حد ذاته يعد تأكيدًا على استمرار الحياة رغم تبدل البشر والأحوال.
يصل الفيلم إلى ذروته الفكرية في مشهد السمك الميت الذي يطفو على سطح البحر؛ ندرك أن الموت الحقيقي ليس في التوقف عن التنفس، بل في انعدام القدرة على المقاومة أو التكيف مع قبح العالم. ينجو يحيى ونورا لأنهما قررا أن يقبلا نفسيهما بكل ما فيهما من لعثمة بدنية أو ندوب نفسية، يظل المرء حيًّا متى امتلك شجاعة أن يكون نفسه ويتصالح مع آلامه.
قصيدة “رسائل البحر”
فيلم “رسائل البحر” هو قصيدة بصرية عن الإنسان الذي يبحث عن المرفأ وسط بحر هائج من التحولات الكونية، عن الإنسان الذي يجتهد في قراءة رسالة حياته بصدق مهما بدا معناها عجيبًا، عن الإنسان الذي يتحلى بالمرونة في وجه خيباته الشخصية ومآزق الحياة. وهذا الفيلم في مسيرة داوود عبد السيد يثبت أنه لم يكن مجرد مخرج موهوب، بل كان فيلسوفًا يقدم صياغة لأفكاره ومفاهيمه عبر الكادرات والمَشاهِد التي تستحق من المشاهدين التمعن في تفحصها وفهمها، بقدر ما تحثهم أيضًا على استيعاب ما يرسله البحر إليهم من رسائل جديرة بالتأمل.






