صفاء الطحاينة تكتب حريَّة مؤجَّلة

لم أحبَّ هذا البيت. لم أشعر أنَّه لي، ولم أشعر أنَّني أنتمي إليه يومًا. كلُّ شيء فيه يخنقني: الجدران، الأبواب المغلقة، الأصوات الَّتي لا أطيق سماعها، الوجوه الَّتي أراها كلَّ يوم ولا أجد فيها ما يجعلني أبقى، لكنَّني بقيت، رغمًا عنِّي، رغمًا عن مشاعري، مكبَّلة بظروف لم أخترها، وبحبال وهميَّة لا أحد يراها، لكنَّها تشدُّني كلَّما حاولت التَّحرُّر.
أنا لا أحبُّهم. أعرف أنَّني يجب أن أفعل، أنَّني مطالبة بذلك، لكنَّني لا أستطيع. نظراتهم، كلماتهم، وجودهم ذاته يثقل على صدري وكأنَّني محاصرة في قفص متناهي الصِّغر. فكَّرت بالهرب مرَّات لا تحصى، تخيَّلت نفسي أركض بعيدًا، أترك كلَّ شيء خلفي، أستعيد حرِّيَّتي الَّتي ضاعت هنا، بين هذه الجدران. والآن… أرى الباب مفتوحًا أمامي!
لا أعرف من تركه هكذا، ولا يهمُّني. الرِّيح تتسلَّل من الخارج، تداعب وجهي، تناديني، تذكِّرني بأنَّ العالم ما زال موجودًا، بأنَّ هناك حياة أخرى تنتظرني خارج هذا المكان البائس.
قدماي تحرَّكتا دون إرادة. تقدَّمت ببطء، خطوة ثمَّ أخرى، حتَّى وقفت عند العتبة. هذه هي… اللَّحظة الَّتي انتظرتها طويلًا. الحرِّيَّة على بُعد خطوة واحدة فقط.
لكنَّ شيئًا ما استوقفني! استدرتُ… لأراهم!
خمسة وجوه صغيرة، خمسة أزواج من العيون البريئة، خمسة قلوب لا تعرف من الدُّنيا سوى هذا البيت، وهذه الأمُّ الَّتي تقف الآن على عتبة الباب حائرةً، متردِّدةً بين الرَّحيل والبقاء.
هل سيتفهَّمون؟ هل سيغفرون لي؟ هل سأنساهم إن خرجتُ ولم أعد؟ أم أحملهم معي؟ بثقلِهم، بأنوفهم الَّتي تبحث عنِّي في كلِّ زاوية.
أنفاسي تهدأ. أعود إلى الدَّاخل. ربَّما أختار يومًا آخر… يومًا لا يعودون فيه بحاجة إليَّ، كما هم الآن. أتمدَّد بينهم، أتركهم يلتصقون بي أكثر. بينما أرخي جسدي المنهك، يرضعون منِّي… بلا وعي، بلا إدراك. لا أحد منهم يعلم أنَّني كنت على وشك المغادرة، أنَّني كدت أتركهم وحدهم في هذا العالم الكبير، القاسي، لكنَّني بقيت.
يلتفُّون حولي، يدفعون بأجسادهم الصَّغيرة نحوي، يبحثون عنِّي، عن الدِّفء، عن الأمان. يتزاحمون في حضني كما يفعلون دائمًا، وأنا… أستسلم.
ربَّما لأنني لا أستطيع الرَّحيل، ربَّما لأنَّ حبَّهم رغم كلِّ شيء يسري في دمي، ربَّما لأنَّني مجرَّد قطَّة… أمٌّ ما زالت بغريزتها عاجزة عن ترك صغارها الخمسة خلفها، وقد علا مواءهم الحادُّ في الأرجاء.





