محمد رضوان يكتب ابن عطاء الله السكندري: معمار الحكمة ومنارة السالكين

في قلب القرن السابع الهجري، وتحديداً في مدينة الإسكندرية التي كانت تموج حينها بحراك علمي وفكري فريد، ولد تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري، ليُصاغ منه واحد من أخلد الرموز في تاريخ التصوف الإسلامي والمنزع الأخلاقي. نشأ هذا الإمام في كنف أسرة عريقة في العلم، حيث كان جده فقيراً مالكياً يشار إليه بالبنان، وهو ما طبع بدايات الشاب “ابن عطاء الله” بطابع الفقه المتين واللغة الرصينة، حتى إنه كان في مقتبل أمره يقف موقف الناقد والمنكر على أهل التصوف، معتزاً بما حصله من علوم الشريعة والظاهر، قبل أن تضع الأقدار في طريقه الشيخ أبا العباس المرسي، تلميذ القطب أبي الحسن الشاذلي، ليحدث هذا اللقاء زلزالاً في قناعاته، ويحول مساره من ناقد للمسلك الروحي إلى واحد من أعظم منظري الطريقة الشاذلية وقطب رحاها الذي نقلها من حيز التلقين الشفاهي إلى فضاء التدوين الفلسفي والأدبي البديع.

لم يكن السكندري مجرد عابد منقطع في زاوية، بل كان عالماً فاعلاً في مجتمعه، حيث انتقل إلى القاهرة واستقر بها، واعتلى كراسي التدريس في الجامع الأزهر والمدرسة المنصورية، فكان يجمع في دروسه بين دقة الفقيه وإشراق العارف، مما جذب إليه آلاف المريدين وطلاب العلم من شتى البقاع. وفي تلك الحقبة التي شهدت اضطرابات سياسية وفكرية، تجلت شخصية ابن عطاء الله كصوت للحكمة والاعتدال، حتى في مناظراته التاريخية مع معاصريه من أصحاب المدارس النقدية، حيث كان يمثل تيار التصوف الذي لا ينفك عن ضوابط الكتاب والسنة، وهو ما أكسبه احترام خصومه قبل مريديه. لقد برع في تحويل المفاهيم الروحية المعقدة إلى جمل قصيرة، بليغة، ومكثفة، تجسدت في كتابه الأشهر “الحكم العطائية” الذي صار بمرور الزمن دستوراً نفسياً يقرؤه العامي والمثقف، ويجد فيه كل منهما ضالته لتجاوز عثرات الروح وضيق الدنيا.
ولم يكتفِ السكندري بـ “الحكم”، بل أغنى المكتبة الإسلامية بمؤلفات اتسمت بعمق التحليل النفسي والجمال اللغوي، مثل “لطائف المنن” الذي أرخ فيه لرجالات طريقته بأسلوب أدبي رفيع، و”تنوير القلوب” و”تاج العروس”، وكلها مؤلفات تعكس عقلاً استثنائياً استطاع أن يزاوج بين العقل والقلب في سبيكة واحدة. وفي عام 709 هـ، أسدل الستار على حياة هذا الإمام في القاهرة، ليوارى ثرى المقطم، تاركاً خلفه إرثاً لا يزال حياً، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويؤكد أن السكندري لم يكن مجرد مؤلف كتب، بل كان مهندس أرواح، استطاع بمداده أن يرسم خارطة طريق لكل باحث عن السكينة في عالم مضطرب، ليبقى ذكره باقياً ما بقيت كلماته التي تنبض بالحياة والإيمان.



