إبراهيم شعبان يكتب: جنازة سيف الإسلام القذافي.. دلالات الحاضر والقادم

على مدى ثلاثة أيام، شاع الحزن الشديد وسط ملايين الليبيين وخارج ليبيا بسبب العملية الغادرة التي لم تتكشف أبعادها بعد، وأدت لاستشهاد المترشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي، ثم جاءت جنازته في بني وليد، والتي اعتُبرت بحق جنازة القرن في ليبيا، وشارك فيها عشرات الآلاف من الليبيين من كافة المدن الليبية، لتؤكد أن حادث اغتيال سيف القذافي كان وسيظل حدثًا جللًا وزلزالًا هز ليبيا بأكملها.
والحاصل أن إزاحة سيف الإسلام القذافي بهذه الطريقة الغادرة من المشهد الليبي، ووفق أي قراءة سياسية، ستظل علامة فارقة في حاضر ليبيا اليوم وما هو قادم الأيام. فمن أخذ قرار قتل سيف الإسلام وإزاحته من الساحة السياسية بهذه الوحشية والخسّة، دفع بليبيا مجددًا لأتون من نار مستعرة، كما أن اعتماد منهج الاغتيال في حد ذاته ينسف كل دعاوى المصالحة الوطنية التي كانت قد تصدرت المشهد طوال الأعوام الأخيرة، حتى وإن كانت هشة واجتماعاتها متباعدة.

وبالنظر إلى جنازة الشهيد سيف الإسلام القذافي ومن شاركوا فيها، فإن لها دلالات كثيرة يمكن إجمالها كالتالي:
-مدى الحب والتقدير والتعلق بشخص سيف الإسلام رحمه الله، ومدى ما يمثله لملايين الليبيين بعدما راحت السكّرة وحلت النشوة بخصوص أحداث ليبيا 2011. وتبين أن ما حدث لم يكن فقط موجة سوداء للربيع العربي أخذت ليبيا من دولة نفطية غنية، يعيش أهلها وفق تقديرات البنك الدولي ومختلف مؤسسات التنمية آنذاك حتى 2010 عيشة مرفهة، وتتمتع بمستوى صحي وتعليمي ممتاز مقارنة بدول شمال أفريقيا آنذاك، وغير مدينة لأحد، إلى دولة اقتتال وميليشيات وعدم أمن واستقرار، وهجرة غير شرعية، وتفتت وتمزق حقيقي.
-الجنازة المهيبة لسيف الإسلام القذافي أثبتت بما لم يدع مجالًا للشك حجم شعبيته، ولكل من هاجموه طوال حياته وشككوا في التيار الجماهيري المناصر له، وبأن سيف الإسلام كان الرقم الصعب في المعادلة الليبية. كما أن قراره بالبقاء في ليبيا رغم كل دعوات الرحيل والخروج وتمسكه بالعيش في وطنه، أثبت نفاذ بصيرته، فملايين الليبيين بعد فبراير 2011 تيقنوا تمامًا أن ما قاده حلف الناتو والصهيوني برنارد ليفي والرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، لم يكن ثورة في ليبيا لا من قريب ولا من بعيد. وليبيا لم تشهد ثورة حتى الآن، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا حتى على المستوى المعيشي، فمن سىء إلى أسوأ، وزحام ملايين الليبيين أمام المصارف طوال شهور مضت وحتى اللحظة، وتردي البنية التحتية، ووجود ليبيا طوال سنوات ما بعد فبراير 2011 في قائمة الدول العشر الأكثر فسادًا في العالم، صفعة مدوية لفبراير ومن ناصروها، وأدت آنذاك لسقوط حكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

-جنازة سيف الإسلام والحضور المهيب فيها سيكون بلا شك محركًا للأحداث في ليبيا خلال الأعوام العشرة القادمة، فملايين الليبيين المناصرين للتيار الجماهيري، كما هو واضح مع كل ما صاحب عملية تشييع الجثمان، لن يقبلوا بهزيمة تيارهم أو إخراجهم من المعادلة السياسية هكذا، أوالتعويل على انسحابهم برحيل سيف القذافي، بل العكس تمامًا، فإن اغتياله على يد مجموعة مارقة مأجورة، ومن أعطى هؤلاء قرار تصفيته، حوله بالفعل إلى “أيقونة ليبية” لمن كانوا يحبونه أو حتى من كانوا يختلفون معه.
-وعلى خلاف كثير من الليبيين، فأنا لا أعوّل على تحقيقيات حقيقية شفافة ستؤدي إلى كشف من تورطوا في قتل سيف القذافي ومن تأمروا عليه، وأرجح تمامًا من جاء على لسان البعض، أن قرار اغتياله جاء من الخارج، وهو أكبر من أن يُتخذ في ليبيا.
-إن حشود الليبيين في جنازة سيف الإسلام القذافي، وهو ما لم يتحقق في جنازة والده الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لظروف الحرب وتواجد حلف الناتو آنذاك على الأرض الليبية، أكد للجميع أن الشعب الليبي يراهن على السيادة والكرامة واستعادة دولته وطرد القواعد الأجنبية التي استوطنتها بعد فبراير 2011، وكانت قد أحصتها المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز في تصريح شهير بأنها 10 قواعد عسكرية أجنبية على أرض ليبيا، علاوة على عشرات الآلاف من المرتزقة.
-إن أي قراءة اليوم لما هو قادم في ليبيا بعد استشهاد سيف الإسلام القذافي قد تكون متعجلة، لأنه حدث جلل بكل معاني الكلمة ولن تمر هكذا. وتعليقات آلاف الليبيين من البسطاء والسياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي عن القادم بعد اغتيال سيف الإسلام تنبئ بأن القادم خطر على ليبيا، وأنه ما لم تحدث انفراجة سياسية حقيقية، ويكون هناك قرار سريع بالذهاب للانتخابات والرضوخ لرغبة الشعب الليبي في اختيار من يمثله، فإن الأمور قد تتعقد وتذهب إلى مآلات لا يعلمها إلا الله.
رحم الله سيف الإسلام القذافي، التي ستظل جنازته عالقة في أذهان ملايين الليبيين وغيرهم، لتؤكد أن القادة الحقيقيين هم من ترفعهم الجماهير فوق رؤوسها، وهم من يبكي الجميع لرحيلهم.





