أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

د. حسين عبد البصير يكتب المياه الدافئة كيف نضيع بهدوء دون أن نشعر

 

ليس من السهل أن يكتب الإنسان عن لحظات الالتباس في حياة البشر دون أن يقع في فخ الوعظ أو الشعارات الجاهزة. الأصعب من ذلك أن ينجح الكاتب في تحويل هذه اللحظات المربكة إلى أفكار واضحة، قابلة للفهم، دون أن يفقدها دفئها الإنساني. في كتاب «المياه الدافئة» ينجح المهندس أيمن حويرة في الاقتراب من هذه المنطقة الحساسة بهدوء العارف، لا بعجلة الواعظ، وكأنه يمشي على أرض يعرف تضاريسها لأنه مرّ بها من قبل.

هذا الكتاب لا يقدم نفسه باعتباره دليلًا للنجاح، ولا يعد القارئ بمفاتيح سحرية للإنجاز أو القفز السريع إلى القمة. هو كتاب عن التوقف المؤقت، عن اللحظة التي يقف فيها الإنسان بين ما كانه وما يمكن أن يكونه، دون يقين كامل، ودون حسم نهائي. تلك اللحظة التي لا تكون باردة بما يكفي لتمنح الطمأنينة، ولا ساخنة بما يكفي لفرض القرار، بل دافئة… ومخادعة.

تنبع قوة الكتاب الأساسية من قدرته على تسمية هذه الحالة. فالتسمية هنا ليست تفصيلًا لغويًا، بل فعل وعي. كثيرون مرّوا بهذه المرحلة دون أن يجدوا لها وصفًا دقيقًا، فاختلط عليهم الأمر بين الفشل والتقصير وفقدان الشغف. بينما يضعها أيمن حويرة في إطارها الصحيح: مرحلة إنسانية شائعة، لها أسبابها النفسية والمهنية، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل حين يطول البقاء فيها أكثر مما ينبغي.

يتوقف الكتاب عند واحدة من أكثر لحظات الحياة المهنية حساسية: حين يترك الإنسان ما يحب، أو ما يتقنه، متجهًا إلى مسار أكثر تعقيدًا، ليس بدافع الشغف الحقيقي، بل بدافع إثبات الذات. الرغبة في أن يُنظر إليه باعتباره أكثر جدية أو عمقًا أو قيمة. لا يدين الكاتب هذه المرحلة، ولا يمجدها، بل يعاملها بوصفها تجربة مفهومة، وربما ضرورية أحيانًا، لكنها لا تصلح أن تكون محطة أخيرة.

ما يميّز طرح أيمن حويرة أنه لا يفصل بين القرار المهني والبناء النفسي. فالاختيارات لا تُتخذ في فراغ، بل تتشكل في ظل ضغط المجتمع، وصور النجاح الجاهزة، والخوف من التصنيف أو التكرار. ومن هنا تتجلى بصيرة الكتاب؛ إذ لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تفكيك أسبابها، وتقديم طريقة أكثر وعيًا لفهم القرارات التي تنشأ داخل هذه المنطقة الرمادية.

استعارة المياه – الباردة والدافئة والساخنة – ليست مجرد حيلة لغوية، بل أداة تفسيرية ذكية. المياه الباردة تمثل البدايات الصافية، حيث يكون الشغف مباشرًا والاختيار فطريًا. والمياه الساخنة تمثل لحظات الحسم التي لا تحتمل التردد. أما المياه الدافئة فهي أخطر المناطق جميعًا: منطقة الراحة القلقة، حيث يختلط الرضا بالشك، والاستقرار بالجمود، والنجاح الظاهري بعدم الاكتمال الداخلي.

يلمح الكتاب، دون تصريح مباشر، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السقوط أو الفشل الواضح، بل في الإقامة الطويلة داخل هذه المنطقة الدافئة. هناك يتعلم الإنسان كيف يبرر بدلًا من أن يقرر، وكيف يتكيّف بدلًا من أن يتغير. ولهذا يشعر القارئ أن الكتاب لا يخاطبه من الخارج، بل يضعه بهدوء أمام مرآة صامتة.

غلاف العمل

يعتمد الكاتب على أمثلة من الواقع، بعضها رياضي وبعضها حياتي، قد لا يتواصل القارئ مع جميعها بنفس الدرجة، لكن الفكرة المركزية تظل واضحة وقابلة للإسقاط على تجارب إنسانية مختلفة. وربما لو كان الكتاب أطول قليلًا، لاحتوى على تنوع أكبر في الأمثلة وعمق أوسع في النقاش، خاصة في المجالات الإبداعية والفكرية، إلا أن تكثيفه يمنحه إيقاعًا متزنًا لا يثقل على القارئ.

في زمن ازدحمت فيه المكتبات بكتب التنمية الذاتية التي تُكثر من الوعود وتُقلّ من الفهم، يبدو «المياه الدافئة» كتابًا مختلفًا في نبرته ومقصده. لا وصفات جاهزة، ولا خطوات مرقّمة، ولا قصص نجاح مصقولة بعناية. هناك فقط تجربة إنسانية حقيقية، مكتوبة بلغة هادئة، صادرة عن شخص يعرف ما يقول لأنه عاشه قبل أن يكتبه.

«المياه الدافئة» ليس كتابًا عن الوصول، بل عن الوعي بالطريق. ليس عن الإجابات الجاهزة، بل عن طرح الأسئلة الصحيحة. كتاب صغير في حجمه، لكنه واسع في أثره، يذكّرنا بأن أخطر ما قد يواجه الإنسان في حياته المهنية ليس الفشل، بل الاستقرار المربك الذي يمنعه من رؤية نفسه بوضوح.

ننتظر ما يقدمه أيمن حويرة لاحقًا، لا بدافع الفضول فقط، بل لأن هذا النوع من الكتابة الهادئة، الصادقة، غير الادعائية، بات نادرًا، وبحاجة دائمة إلى من يذكّرنا بأن تسمية الأشياء كما هي قد تكون أول وأصدق خطوات التحرر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى