أ. د. ربيع عبد العزيز يكتب طاهر عوض سلام في روايته: فلتشرق من جديد
طاهر عوض سلام أديب سعودي من جيل الرواد، قدم إلى قراء العربية أربع روايات ؛ وهي: الصندوق المدفون، وفلتشرق من جديد، وقبو الأفاعي(1) ، وعواطف محترقة. وهذه الروايات الأربع تشترك في مبدأ عام ، هو نقد الواقع المعيش بكل ما فيه من عيوب اجتماعية، وتشوهات أخلاقية تتخفى في أردية عديدة وتفعل فعلها في حياة الإنسان فتوجه سلوكه، وتتحكم في مصيره.
ولا تقتصر وظيفة الرواية عند طاهر عوض سلام على مجرد نقد عيوب الواقع ، بل تسعى فنيًّا إلى الإجهاز عليها والانتقام من حراسها؛ ولهذا نجد عالمه الروائي مترعا بالأفكار البائدة، والشخصيات المأزومة التي تؤمن بالحب، وتتطلع إلى التغلب على أزماتها، وتتعرض في سبيل ذلك لتحديات مركبة. إنه عالم يعكس في نهاية الأمر فلسفة الكاتب، ونظرته للحياة والحب والموت والقضاء والقدر.
ويعد الحب موضوعا بارزا في روايات طاهر عوض سلام، ولكن العين لا يخطئها ملاحظة أن الحب ليس سوى شكل من الأشكال التي اعتمدها – شأن الكثيرين من كتاب القصة والرواية- ليبث من خلاله مضامينه وآراءه في الواقع .
وفى عالمه الروائي يحلل طاهر عوض سلام تناقضات تهدد المجتمع ، وتحيل العلاقات الأسرية إلى قطيعة ونجاز. ولعل أقرب مثال على ذلك حياة أسماء في رواية فلتشرق من جديد؛ فكم نشعر بالتناقض الحاد حين نعلم أن يحيى الذي قام-ـ في البداية- بدور الأب لأسماء وكان مصدر سعادتها، هو بعينه الذي أورثها القهر بحيث لم تشرق حياتها من جديد إلا قبيل موته بقليل! وكم تقشعر منا الأبدان حين نتذكر أن سلمى في رواية الصندوق المدفون كادت تزوج ابنتها لابنها، لولا أن تدخل القدر واكتشفت أن خطيب ابنتها ليس سوى طفلها الذي وضعته سفاحا قبل نحو عشرين عاما أو أزيد قليلا.
أما رواية فلتشرق من جديد التي نحن بصدد الحديث عنها ؛ فتقع في نحو ثمان وتسعين ومائة صفحة من القطع الصغير، وهي مقسمة على عشرين قسما، لكل قسم رقم حسابي. وتتميز بالطابع الدرامي ذي الأشكال المتعددة؛ فهناك الحركة والتوتر والإثارة والمفارقة والمفاجأة.
وشخصيات الرواية لا تصارع قـوى غيبيــة ، بل تصــارع واقعــا تعيش معــه، وتصــارع مــواريث مفروضـــة
عليها فرضا، وهذا من شأنه أن يكسب الصراع معقوليته.
في مستهل الرواية يتمركز الصراع بين شخصيتين: يحيى وسالم ابن أخيه، وكل شخصية منهما تنتمي
إلى جيل مختلف عن الآخر ثقافة ووعيًا؛ فيحيى ينتمي إلى جيل الآباء، ويريد أن يفرض تقاليد جيله على ابن أخيه، غير مقدر أن ما قد يدين به جيل من تقاليد ليس بالضرورة أن يدين به جيل آخر. أما سالم فينتمي إلى جيل ناهض ، مسلح بالثقافة ، لديه من الوعي ما يعينه على تمييز صحيح التقاليد من زائفها. إنه جيل يرفض التسلط باسم أعراف لا قداسة لها.
وبحكم ما بين الجيلين من تفاوت في القيم والتقاليد يحتدم الصراع بين يحيى وسالم؛ فقد أراد يحيى أن يملي على ابن أخيه أن يتزوج من أسماء، أما ابن أخيه فلم يرفض الزواج من أسماء ولكنه يشترط أن يؤخذ رأيها؛ مما بعث عمه على أن يسخر منه بقوله: ” أبوك أيها المتعلم، عندما تزوج أمك ،لم يطلب منها والدها رأيها فيه، وأنا نفس الشيء، بل البلدة كلها يسير أهلها على هذا المنوال، فلماذا أنت وحدك الذي تريد أن تغير مفاهيمنا”.(2)
هكذا أشعل المؤلف فتيل الصراع ، وبعث في المتلقي الشوق لمعرفة إلام ينتهي ذلك الصراع ولا سيما أن دائرته اتسعت لتشمل ، إلى جانب يحيى وسالم كلا من: علياء زوجة يحيى، وأسماء ابنة علياء ، وقاسم زوج أسماء.
هكذا صارع سالم- وهو المثقف الجامعي- جاهلية عمه يحيى، ولكنه آثر السلامة، وقرر الانسحاب من القرية، أما علياء فقد صارعت عنجهية زوجها يحيى وفظاظته، وكان عليها أن تدفع الثمن أيضا، غير أنها أبدت صلابة نفسية لم يبدها المثقف الجامعي سالم. لنقرأ الحوار التالي الذي يدور بينها وبين زوجها يحيى:
“- لست أدرى مـا الـذي حملك على طـرد ابن أخيـك ؟ كيف هــان عليـك ســالم وقـــد ربينـاه فينا
وليدا ؟ إنها لقسوة وعدم رحمة يا يحيى !!
– هذا شيء لا يعنيك أمره، فلم أطرده إلا لأنه قد استحق الطرد وكفى.
ونظرت إليه مليا مستنكرة ما يقول، ثم قالت:
– لقد عهدته أطوع لك من بنانك.
– وما أدراك بأنه لم يقدم على ما يغضبني ؟
– إذًا قل لي أي ذنب جناه حتى أبرر عملية طردك له ؟
وتطلع إليها غاضبا وهو يقول:
– تبررين عملية طردي له ؟ !! ولماذا ؟ وهل أنا بحاجة إلى ذلك ؟ أقلعي عن هذه الثرثرة يا امرأة . كفى سخافة فقد أوجعت رأسي..
وأجابت علياء متوجعة:
– لماذا أنت فظ غليظ القلب يا يحيى.؟ تذكر العشرة التي تربطنا وحبي وإخلاصي، فهل يهون عليك أن
تسخر مني ، وتقسو علي بهذا الشكل المزري ؟
فاندفع إليها وقد استشاط غضبا وقال:
– والآن ألا تودين أن تهدئي وتغربي عن وجهي ، كفى تدخلا فيما لا يعنيك.
فتأثرت المسكينة من لهجته الجافة وأجابت منفعلة :
-على رسلك أيها الطاغية. لسوف أغرب عن وجهك. لكم أنا خائفة عليك يا يحيى من كبريائك.. لا تنس أن الله موجود وسيأتيك اليوم الذي تحاسب فيه على شر أعمالك..
وقفز في اشتداد ثورته العارمة وقال :
– اخرسي أيتها الوقحة.
وهم بصفعها على وجهها الشاحب الحزين، فسرعان ما تعرضت له ابتتها وقد تحولت من إنسانة(3)وديعة إلى نمرة شرسة، فلم تمكنه من الوصول إلى أمها”.(4)
وإن من يصغي إلى قول يحيى: ” أقلعي عن هذه الثرثرة يا امرأة. كفى سخافة فقد أوجعت رأسي..” وقوله: ” اخرسي أيتها الوقحة” يدرك تضخم إحساس يحيى بالأنا، وكونه شخصية إقصائية متغطرسة، لا تسمح لمن حولها بأن يسائلها عما تفعل وإلا كان جزاؤه االسباب والطرد. وسيلاحظ المتلقي أن يحيى ليس بالرجل الذي يقيم وزنا للعشرة والحب والإخلاص، وأن الصراع غير متكافيء ولا بد أن يحسم لصالحه؛ بحيث تجد علياء نفسها مضطرة للانسحاب من بيت يحكمه طاغية.
ولقد وجدت أسماء نفسها طرفا في الصراع؛ لا لشيء إلا لأنها تلقت صفعات يحيى بدلا من أمها؛ مما عدَّه زوج الأم تحديا له وانتقاصا من رجولته، ومن ثم أعد العدة للانتقام منها؛ إذ أغراها بالزواج من عامل فقير – قاسم – يعمل في مزرعته، ولا يملك تكاليف الزواج. ولكي ينفذ خطته في الانتقام من أسماء أقرض “قاسم” بعض المال ليعينه على نفقات الزواج ، وفي الوقت نفسه سعى إلى استنزاف جهد قاسم في المزرعة، وتعمد الإيقاع بينه وبين أسماء وأمها علياء، غير أن “قاسم” كان من الوعي بحيث لم تخفَ عليه نوايا يحيى؛ ولهذا أخذ يدافع عن علياء ويُسْمِعُ يحيى ما يكره؛ إذ يقول: ” أتريد مني أن أصدق أقوالك الكاذبة الملفقة.. وقد بلوت هذه المرأة كأنبل وأكرم إنسانة، لماذا تحاول تشويه صورتها الغراء النقية في نظري، وتوهمني في أصالتها وطيبة قلبها ؟ حرام عليك يا رجل أن توصمها بما ليس فيها .. لقد اكتشفت لعبتك القذرة ، ولا داعي بعد الآن أن تلجأ لمثل هذه الأكاذيب”(5)
عند هذا الحد تفاقم الصراع بين يحيى وقاسم، فكان من أثر هذا أن اتهمه يحيى بالخيانة وبيع محاصيل المزرعة خلسة(6)، وتعمد أن يشتري ذمة شاهدين: بخيت وسعيد ليشهدا أمـــام القــاضي أن قاسم اختلــس
محاصيل المزرعة. هكذا كان الصراع ينذر قاسم بأوخم العواقب.
غير أن ثمة مفاجأة ظهرت لتعطي الصراع مذاقًا آخر. بطلة هذه المفاجأة هي خديجة؛ التي كانت لقاسم بمنزلة الأم، والتي لم تتخل عنه إبان محنته مع يحيى، بل استعانت بالشيخ مرعي بوصفه أحد فضلاء القرية؛ لكي يرد شاهدي الزور: “بخيت وسعيد” إلى صوابهما، ويقنعهما بالعدول عن الزور إلى الحق، وقد استطاع أن يحصل منهما على اعتراف كامل ببراءة قاسم من الاتهامات التي نسبها إليه يحيى.
ويأخذ الصراع في الانحسار لينتهي نهاية ميلودرامية؛ إذ تتعرض سيارة يحيى لحادث ينقل على إثره إلى المستشفى حيث يستيقظ ضميره ، وتفيض عيناه بالدموع، فيبعث رسولا إلى سالم وقاسم وعلياء وأسماء، ويطلب منهم العفو ، ويهب كل أملاكه لأسماء وسالم وعلياء.(7)
والواقع أن أفعال يحيى تتسق مع تضخم إحساسه بالأنا وميوله السيكوباتية التي تجعله يسعد بإشقاء قاسم وإذلال أسماء، أما أفعال سالم فإنها تناقض مع كونه جامعيا يحمل درجة البكالوريوس في علوم الزراعة، وهذا التناقض يجعل المتلقي الذي يتعاطف معه حال طرده من بيت عمه، يمتعض منه حين يضن بخبراته الزراعية على فلاحي صبياء بحجة أنهم خاملون، وها هو يربط عودته إلى صبياء بشرط بَرَّاق فيه من التواء المقاصد أكثر مما فيه من صدق النية: ” … وإذا حان للفلاح في بلادنا أن يتخلى عن خموله وركوده، حينها سأعود إلى بلدي ، وأساهم في رفع مستواها الزراعــــي.”(8) هذا هو كـــــلام سالم، وهو عندي كاف للدلالة على كونه مثقفا سلبيا.
تأتينا أحداث الرواية من منظور سارد يراقب من الخارج؛ فهو يقدم الشخصيات، ويصف الأمكنة، ويعلق على الأحداث، بل إنه سارد عالم بكل شيء Omniescient Narrator ، حتى إنه يتسلل إلى عقول الشخصيات ويعرف ما يدور فيها؛ ففي السطر الأول من الرواية يتسلل إلى عقل أسماء- قبل أن يعرف المتلقي اسمها- لينقل جانبا مما فيه؛ يقول: ” كانت أحداث تلك الليلة ما تزال عالقة بذهنها “. (9) وهو قادر على اختراق جدران المنازل ونقل ما يدور خلفها من وقائع؛ وها هو ينقل تفاصيل لقاء يجمع بين قاسم وزوجته أسماء؛ يقول:” وما إن رأته يقف أمامها مذهولا حتى أشرق ثغرها الأقحواني ببسمة حلوة ، رقيقة، مشرقة، شعر فيها بالدفء والسعادة ، وأزالت عنه كل متاعبه، بل أعادت إليه حيويته ونشاطه، وغمرته موجة من الراحة القلبية. وعندما اقترب منها التفتت إليه، ورشقته من مقلتيها الناعستين بنظرة كلها نداء وإغراء ودلال … “.(10)
غير أن كلية علم السارد تستفز المتلقي؛ إذ تفرض عليه أن يصادق على كلام السارد ولا يسأل عن المصادر التي يستمد منها معرفته سواء بما يدور في عقل أسماء، أو بما يدور بينها وبين زوجها مما لا يمكن لأحد أن يعرفه سواهما، وهذا من شأنه أن يجعل التلقي فعلا سلبيا.
وقد وظف الكاتب العلم الكلي للسارد في اختزال الزمن وطي السنين؛ ففي أول القسم الثاني من الرواية يشير السارد إلى انتقال ســـالم- بعد وفــاة والده- إلى منزل عمه يحيى، وإلى أن سالم كان وقتذاك في الخامسة من عمره.(11)وبعد أربعة أسطر من إشارته تلك ينبئنا أن سالما “بلغ الثانية والعشرين”.(12) وهكذا اختزل أحداث سبعة عشر عاما في أقل من ثمانية أسطر.
وتدل تعليقاته على أنه لا يقف محايدًا من الشخصيات والأحداث، بل يتعاطف مع شخصية ويمتعض من أخرى؛ ففي واحد من تقاريره يصف أسماء وقد تولاها الخوف من مكائد زوج أمها” يحيى” فيقول: “وأطرقت المسكينة متألمة تفكر فيما يقدم عليه زوج أمها من مكائد جديدة لها ولهذا الإنسان الوفي البريء”.(13) وواضح أنه لم يقتصر على وصف إطراقة أسماء وألمها البادي على وجهها، بل يصر على وصفها بكونها “المسكينة”، وفي الوقت نفسه يصف زوجها بكونه” الوفي البريء”. ومثل هذه الأوصاف تشف لا عن تعاطف السارد مع أسماء وقاسم فحسب، بل تشف- أيضا-عن نزوعه إلى بعث المتلقي على التعاطف مع أسماء وقاسم .
أما لغة الرواية ففي أحشائها ينقل المؤلف رؤيته للعلاقات الأسرية في بيئته المحلية؛ فالشخصيات تحمل أيديولوجيا مبدعها وتعبر عن وجهة نظره، وهي تتحول باللغة من مجرد كائنات بكماء تسبح في خيال المؤلف، إلى كائنات تحمل هموما وأشواقا، تملك أن تمنح وتمنع، وأن تعدل وتظلم، وأن تنتصر لرأيها حينا، وتنتصر على ذاتها حينا آخر. وبمثل هذه القدرات تنفذ إلى وجدان المتلقي وتترك أثرها في نفسه.
وباللغة يطيح طاهر عوض سلام بالحواجز التي تفصل بين الأزمنة؛ بحيث يتحرك الزمن من الحاضر إلى الماضي ويستيقظ الماضي في ذاكرة أسماء؛ ليلقي الضوء على تصرفات وأفعال لم تكن مفهومة.
وتنقل اللغة أحلاما لا تستطيع الشخصية أن تبوج بها؛ فأسماء تتذكر الفتى الذي كان يزورها في الحلم، وتصفه بقولها: “شاب طويل في العشرين من عمره ، رشيق القوام، تطل عيناه السوداوان الواسعتان من تحت جبين عريض ناصع البياض. وجه جميل هادئ ممتلئ صحة وحيوية يزينه اخضرار شارب خفيف”.(14)
تتميز لغة الاقتباس السابق بالوضوح والقدرة على تحقيق اتصال أدبي فعال؛ وهي تبعث في المتلقي إحساسا بالمفارقة بين مــا كانت تتطلع إليه أسمـــاء في فتى أحلامهـا، وبين مـا آل إليـــه مصيرهـــا إثـــر زواجها
من قاسم؛ وهو الشاب الفقير الذي لا يشاكل أحلامها، والذي ينهكه العمل في مزرعة يحيى.
ومع أن الفصحى هي اللغة السائدة على ألسنة يحيى وعلياء وأسماء وسالم وقاسم وخديجة وغيرهم من شخصيات الرواية، إلا أن هناك ألفاظًا تفوق بكثير وعي المتكلم بها والمخاطب ؛ كما في قول علياء تخاطب زوجها يحيى: “على رسلك أيها الطاغية . لسوف أغرب عن وجهك …”(15) ، ومن ذلك ما جاء في قول خديجة: “على رسلك يا أختاه …”. (16) ومنه ما جاء في قول أسماء: ” تبا له ما أقساه …”(17)
إن تعبيرات مثل” على رسلك” و” سوف أغرب عن وجهك” و” تبا له ” من بقايا قراءات طاهر عوض سلام التي لم يتمكن من إذابتها في اللاوعي الثقافي، وهي تحمل صوت المؤلف وتعبر عنه لا عن المتحاورين بها، كما تمنح المتلقي شعورا بأن المؤلف يغتصب ألسنة الشخصيات لينطقها بلسانه، ولا سيما أن الرواية ليس فيها ما يدل على أن أسماء وعلياء وخديجة لهن حظوظ من التعليم تؤهلهن لتعاطي مثل تلك التعبيرات؛ مما يعني في الأخير اختلال بنائهن الفني.
ومع أن الكاتب يطعم لغة الحوار باقتباسات دينية إلا أن بعض الاقتباسات ترتبط بملابسات أغنى بكثير من الموقف الروائي الذي تحل فيه؛ فعلياء تحاور زوج ابنتها فستدعي قوله تعالى: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”(18)، ومثل هذا الاقتباس يستدعي بالضرورة ملابساته: غزوة بدر، وقبضة التراب التي رمى النبي بها وجوه المشركين فأصابت أعينهم ومناخرهم وأفواههم فولوا مدبرين. صحيح أن علياء تقصد أن الله تعالى سخر الأسباب التي تحسم الصراع لصالح الطرف الضعيف”قاسم”، ولكن البون يظل بعيدا بين طبيعة وأبعاد الصراع كما يعبر عنه الاقتباس القرآني، وبين طبيعة صراع يحيى وقاسم ومحدودية أبعاده.
كما يطعم الكاتب لغة الحوار بتضمينات شعرية؛ كما جاء على لسان الشيخ مرعي: (9 )
دخول المرء في الشبكات سهل لكــن التفكــر في الخــــــروج
فهذا التضمين يأتي في إطار تحذير “سعيد وبخيت ” من مغبة تورطهما في شهادة الزور، غير أن ما يؤخذ على الكاتب أنه لم يشر لا إلى ثقافة الشيخ مرعي التي تؤهله لاستدعاء هذا البيت، ولا إلى ثقافة سعيد وبخيت التي تؤهلهما لفهم المغزى من استدعاء البيت.
وبرغم ما تتسم به لغة الحوار من السلاسة والنزوع إلى التكثيف؛ فإنها تنزلق أحيانا إلى مستوى الثرثرة؛ كما في قول يوسف يحذر سالما من مغبة هجرته من صبياء :” وهل يهون عليك أن تهجر أهلك وأحباءك رفاق صباك ؟ وأصحابك. مدينتك الفيحاء. عروسة المخلاف السليماني صبياء الجميلة .. الهادئة الوادعة. عروجها الخضراء الوارفة. حقولها الزمردية المترامية الأطراف. ثم قل لي: هل ستجد هناك ما سيملأ عليك حياتك بهجة وغبطة : كالمناظر الخلابة التي تطالعك في فيفا الشامخة ذات الحلة الخضراء الزاهية، عييان وجوراء الخصيب، بني مالك ومنجد ، والحشر، ووادي قصبى وهروب، أو بيش ذات البساط السندسي، ضمد والعارضة والمخلاف ووادي جازان، والمجص والبيض والخضراء ، وحاكمة أبى عريش ، أولية سامطة الغراء : وادى خلب وتعشر وخميعة التي يضرب المثل بخصوبتها وجودتها في كل أنحاء المنطقة. لكم ستحن إلى هذه البقاع الحبيبة: جبالها وسهولها ووديانها. لكم ستشتاق إلى نزهة واحدة من نزهاتك الحلوة الرائعة على ضفتي الوادي الفسيح .. ما بين روابي نخلان، صبيا الجديدة والحسيني والظبية والعريش، وتلك الليالي المقمرة التي قضيناها في أبي عريش الساحرة. عندما كنا نقوم من حين لآخر بزيارة أقاربنا وأصدقائنا فيها . ونشترك معهم في الرحلات إلى سد وادي جازان: صدقني يا أخي إنك لن تجد مثل سهول وحقول ووديان أرضك المليئة بالحياة والاخضرار أو في مثل سحر جمال طبيعتها الضاحكة التي تبعث إلى القلوب بدفء المحبة وفيض الحنان . أرضك الخصبة المعطاءة التي تجود على الفلاح بخيراتها … ثلاث مرات في الفصل الواحد. وماذا لو قدر لسد وادي جازان الضخم أن يقذف ببحيرته الكبيرة عبر شبكته المتفرعة إلى الأراضي الشاسعة. حتما وقتها ستكون هذه الأرض بحاجة إلى خبرات وكفاءات وأيدي أبنائها الفتية، يخلقوا ” كذا ” منها جنات تخلب الألباب بمعجزات العلم والتقنية…”(0 )
ففي النص السابق يُخْرِجُ الكاتبُ لغة الحوار عن وظيفتها الفنية، ويأبى إلا أن يحيل الحوار خطبة منبرية تجمع بين الوعظ ذي النغمة الخطابية، ووصف الأمكنة وصفا تزيينيا؛ مما يضع المخاطب بالنص “سالم” في موقف سلبي، ويورث المتلقي الملل، ويخل بتوازن الإيقاع الروائي.
وإلى لغة الحوار تسربت بعض العيوب النحوية؛ فمن ذلك تعطيل حرف الجزم عن وظيفته في قول يحيى ينهى ابن أخيه:” … لا تريني وجهك…”(21)؛ فالفعل ترى معتل الآخر، وقد وقع بعد لا الناهية، فكان لزاما جزمه بحذف حرف العلة؛ ولهذا فالصواب هو ” لا ترني وجهك”.
ومن ذلك تعطيل عمل حتى في المضارع الواقع بعدها؛ نحو: “وما فائدتهما حتى يكذبان عليك ؟”(22)، والصواب أن ينصب المضارع بأداة النصب “حتى” وأن تحذف نونه بوصفه فعلا من الأفعال الخمسة: ” وما فائدتهما حتى يكذبا عليك؟”.
ومن ذلك بناء الأمر المسند إلى ياء المخاطبة على حذف حرف العلة؛ كما في قول علياء تخاطب ابنتها: “ابق حيث أنت”(23)؛ ومرد الخطأ إلى أن الأم لا تخاطب رجلا بفعل الأمر ، بل تخاطب ابنتها، وأنه لا مفر من أن تسند الفعل إلى ياء المخاطبة “ابقي”. ولما كان الأمر يُبْنى على ما يجزم مضارعه. وكان المضارع” يبقى” إذا أُسْنِدَ إلى ياء المخاطبة فإنه يجزم بحذف النون بوصفه فعلا من الأفعال الخمسة، أما الأمر منه فإنه يبنى على حذف النون حال إسناده إلى ياء المخاطبة؛ ولهذا فمن الخطأ أن تخاطب علياء ابنتها بقولها : “ابق حيث أنت”، إنما الصواب أن تخاطب ابنتها بقولها: ” ابقي حيث أنت”.
ومن أخطاء لغة الحوار ما جاء في قول قاسم:”…وقد بلوت هذه المرأة كأنبل وأكرم إنسانة…”(24)؛ فكلمة “إنسانة” ليست من فصيح كلام العرب؛ يدل على هذا قول الرازي: “ويقال للمرأة إنسان، ولا يقال إنسانة”(25)ِش
الهوامش:
1- نشرتُ عن قبو الأفاعي، مقالة منشورة بملحق جريدة المدينة السعودية ، العدد 256 ، في 18 رمضان 1408 هـ ـ ص 12 .
2- طاهر عوض سلام: فلتشرق من جديد، ص23، ط: دار المعارف، القاهرة.
3-كذا في الأصل، والصواب: إنسان.
4- فلتشرق من جديد، ص 31 : 33.
5- السابق، ص104.
6- نفسه، ص 104.
7- نفسه، ص 116.
8- نفسه، ص 202 .
9- نفسه ، ص 28 : 29 .
10- نفسه ، ص 15 .
11- نفسه ، ص 69 .
12- نفسه ، ص 15 .
13- نفسه ، ص 15 .
14- نفسه ، ص 10 .
15- نفسه ، ص 33 .
16- نفسه ، ص 175 .
17- نفسه ، ص 57 .
18- الأنفال، آية 17. فلتشرق من جديد ، ص 127 .
9 – فلتشرق من جديدـ ص118.
20- السابق ، ص136.
21- نفسه ، ص 24. وقد تكرر رفع المجزوم في السطر الرابع ص 33، والسطر الأول ص 148.
22- نفسه ، ص 182 .
23- نفسه، ص 109.
24- نفسه، ص 154 .
25- الرازي، مختار الصحاح، مادة ” أنس”، ط: دار الجيل، بيروت 1407هـ- 1987م.
دكتور ربيع عبد العزيز
أستاذ النقد الأدبي والبلاغة
كلية دار العلوم- جامعة الفيوم





