«إيڤا» لوداد أبو شنب: لوحة بانوراميَّة عن الأنثى في المجتمع العربي رؤية صفاء فارس الطحاينة

قبل الولوج إلى فضاء «إيڤا» – ذلك الاسم الَّذي تُحيل دلالته إلى حوَّاء/الأنثى/الأصل – يقف القارئ أمام عتبة مزدوجة: الأولى هي قول العماد الأصفهاني عن ندم الكاتب على ما كتب، وهو قول يضعه الكاتب في مقام التواضع الفنِّي. والثانية هي رسالة الكاتبة وداد أبو شنب إلى قرَّائها، حيث تجعل من قراءة المجموعة فعلًا مشتركًا: «كلّ قارئ يضيف لها لؤلؤة نظرته، ورقيّ توقّعه، وخلاصة تفرّده قارئًا محترفًا متواطئًا مع كاتبها». بهذه الدعوة المفتوحة تقدِّم «إيڤا» نفسها كفضاء للتأويل والمشاركة.
تُعدُّ المجموعة القصصية «إيڤا» للأديبة والناقدة وداد أبو شنب عملًا أدبيًّا متميزًا يقع في صلب التجربة النسائية العربية، حيث تقدِّم عبر أكثر من ستين نصًّا قصصيًّا رؤية متكاملة لهموم الأنثى وأوجاعها بكلِّ تعقيداتها، مستندة إلى رؤية نقدية ثاقبة وأسلوب سردي متقن. تتنوَّع النصوص بين الطول والقصر، وتتوزَّع بين الواقعي والرمزي، لتشكل لوحة بانوراميَّة متكاملة عن حياة المرأة في المجتمع العربي.
تميزت المجموعة ببنية سردية محكمة، اعتمدت فيها الكاتبة على تقنيات متعدِّدة أبرزها: تقنية تعدُّد الأصوات، فأظهرت قدرة فائقة على منح الشخصيَّات أصواتًا خاصَّة بها، حيث تتنوَّع وجهات النظر بين الرَّاوي العليم، والرَّاوي المشارك، والضمير «الأنا» الَّذي يهيمن على معظم النصوص، مما أضفى على السَّرد حميميَّة وشعورًا بالمباشرة. في فاتحة الكتاب (عبق ميلادي) مثلًا، نجد صوتًا سرديًّا متدفقًا يكشف عن عمق الوعي الذاتي: «ما زلت القديسة في محرابها، وما زلت الشيطانة بشغبها، وما زلت الطفلة بجدائلها، وما زلت أنا! لم أتغير إلا كثيرًا!»

نجحت الكاتبة في توظيف تقنيات من أجناس أدبية متعدِّدة، فنجد تداخل القصَّة مع المقالة الفلسفيَّة في نصوص مثل (بالعكس.. عابرة سبيل) ومع الخاطرة في (حالة صولو الحب)، ومع السيرة الذاتية في (عبق ميلادي)، ومع الحكاية الشعبية في (حكاية قبل النوم: قصة استثنائيَّة). هذا التداخل أضفى ثراءً على النصوص وجعلها أقرب إلى حكايات وحالات من التأمُّل الفلسفي منها إلى السَّرد التقليدي. وحققَّ هذا التنوع ثراء موضوعيًا، لكنَّه في الوقت نفسه يكشف عن هواجس الكاتبة الَّتي تبحث عن شكل تعبيري يناسب رؤيتها، دون الالتزام بقوالب جامدة.
استخدمت الكاتبة لغة شاعرية مكثفة، مع صور بلاغية مبتكرة تعكس عمق المشاعر. يظهر ذلك جليًّا في وصفها لحالة الانتظار في قصة (يقين): «من خلف أسوار الخيبات تطل غيمة حبلى بالآمال»، وفي تصويرها لحالة القلق الوجودي في قصة (صحوة): «تتنهد بقوة كأنما تطفئ نارًا يشتعل رمادها منذ سنين، وكلَّما اقترب من الخمود يتأجَّج مرَّة أخرى». وتجلَّت الرمزيَّة في (جورية هالفيتي السوداء) بامتياز، حيث تتحوَّل المرأة إلى جوريَّة سوداء لا تستطيع العيش في غير موطنها: «حافظت على غموضها عبر أربعين شوكة وشوكة». إنَّها استعارة للمرأة الَّتي ترفض الانصهار في قوالب جاهزة.
الشخصيات: من النموذج إلى التفُّرد
أبدعت الكاتبة في رسم شخصياتها الَّتي تتحرك بين النموذج الاجتماعي والتفرُّد الإنساني:
شخصية المرأة: تتعدد تجلِّيات المرأة في المجموعة بين الأم، الزوجة، الحبيبة، المطلقة، الأرملة، لكنَّها في كلِّ تجلِّياتها تلتقي في خضوعها لهيمنة ذكورية (أب، زوج، أخ، مجتمع). المرأة هنا ضحية سلبية، وفي صراع دائم: مع زوج لا يراها كما في قصة (الإناء الفخاري)، مع عقمها كما في (رحمة)، مع الاكتئاب كما في قصة (اكتئاب ما بعد الولادة)، مع العرف والعادات البالية كما في (تقاليد)، مع الخيانة الزوجية كما في (خيانة إلكترونية”). وتحتفظ بوعي عالٍ كما في قصة (أربعة أحياء وميت) إذ نرى أربع نسوة يكتشفن أنهن زوجات لرجل واحد، لتنقلب الموازين وتتحوَّل المأساة إلى لحظة وعي جماعي.

في قصة (أم علقم) تصل الصورة إلى ذروتها: امرأة تُستغل حياتيًّا ثم تُستغل في موتها. الزوج الَّذي لم ينفق عليها فلسًا أثناء حياتها، يقف بعد موتها يطالب بتعويض كبير: «تذكَّر أنَّ لديه زوجةً بعدما فارقت الحياة، مستغلًّا إيَّاها حتَّى بعد وفاتها، وبعدما نخر عظمها نخرًا وضيعًا في حياتها!». هذه القسوة في التصوير قد تبدو مبالغًا فيها، لكنَّها في سياق المجموعة تأتي كتعبير حقيقي عن تراكم القهر الَّذي تختزنه الذَّاكرة الأنثويَّة.
تتعامل الكاتبة مع الجسد الأنثوي بوصفه ساحة صراع. ففي (صحوة) نقرأ: «وقفت أمام المرآة تتأمَّل جسدها المترهِّل ووجهها المتعب في آخر العقد الرَّابع من العمر… إنَّها ذلك الرُّكن الَّذي ينهب منه الجميع». الجسد هنا مرآة للتعب والاستنزاف، لكنَّه أيضًا أداة للمقاومة والوعي، ففي (العازفة) تقدم الكاتبة نموذجًا مختلفًا: امرأة كفيفة تتحدَّى إعاقتها بالموسيقى، وتعيد تعريف الجمال: «تعلَّمت من التحرُّرِ، التحرُّرَ من علَّتي، ومن نقصي أتكامل روحًا وذكرى على هذه الأرض… ثمَّ ترفع رأسها وتقول: لأنَّني لست كفيفة كغيري!».
هذه القصة تمثل نقلة نوعيَّة في المجموعة، حيث تتحوَّل الأنثى من موضوع للمعاناة إلى مبدعة، ومن «مقهورة» إلى «قاهرة» لإعاقتها. وفي قصة (زوجة في الظلِّ) نرى المرأة الَّتي تقرِّر الخروج من قيد الزواج العرفي: «أنا حرَّة، فلا تأت إلى البيت. تـمَّت التسوية. لم أعد في الظلِّ!». هذه الحرِّية ليست مجرَّد خروج عن المألوف، إنَّما وعي نقديٌّ بالأنماط الاجتماعيَّة.
شخصية الرجل: تتراوح شخصيات الرجل في المجموعة بين المتسلط والضعيف، المهمش والمتمرد، ولا تكتفي الكاتبة بتقديم صورة نمطية عنه، حيث تتوزع الشخصيات الذكورية بين:
– أنماط سلبية أحادية البعد: الزوج المتسلط، الأب القاسي، الأخ المهيمن.
– نماذج معقدة: في (زوج الست) نقرأ عن نموذج نادر: «زوج كلاسيكي رائع: حاضر يا علياء، في الرواح والمجيء… كان سعيدًا جدًا بمهمته، وسعيدًا أكثر عند ختام كل شهر عندما كان يسلمها راتبه الشهري». وفي قصة (أبو مصالح) نرى رجلًا يدرك فشله في العلاقات الإنسانية: «هل رافقت شخصًا ما يومًا ما حبًا في الله أو على أقل تقدير حبًا له؟».
وهذا التنوع في التصوير يثبت أن الكاتبة قادرة على تجاوز النمطية، لكنها في قصص كثيرة تختزل الرجل في وظيفته السردية كقوة معارضة. وهنا نطرح سؤالًا نقديًا: هل يمكن اعتبار هذا الاختيار الأسلوبي «سلبيًا» في مجموعة تكتب من منظور أنثوي خالص؟ الإجابة ليست أحادية. فمن منظور نقدي أنثوي، حضور الشخصية الذكورية كسلطة مطلقة دون تعقيدات نفسية قد يكون معبرًا عن تجربة القهر كما تعيشها الأنثى، وليس عن الرجل كذات مستقلة، لكن من منظور فني، العمق النفسي للشخصية المضادة (حتى لو كانت قاسية) يرفع من مستوى الصراع الدرامي، ويجعل النص أكثر إقناعًا.
إيڤا متعددة الوجوه
«إيڤا» ليست مجموعة قصصية بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي فضاء سردي مفتوح على تأملات كاتبتها في المرأة، والحياة، والقدر، والعلاقات الإنسانية. إنها «حواء» بأوجهها المتعددة: المقهورة، المتمردة، الصامتة، الصارخة، العاشقة، الثائرة.
وداد أبو شنب كاتبة تمتلك صوتًا خاصًا، ورؤية نقدية جريئة، وقدرة على التوغل في أعماق النفس البشرية. وتعد هذه المجموعة إضافة نوعية للأدب النسوي العربي، وإسهامًا في توثيق معاناة المرأة العربية وتحوُّلاتها.
ربما يكون أفضل ما في «إيڤا» هو أنها تترك القارئ في حالة تأمل مستمر، لا تقدم له إجابات جاهزة، إنَّما تفتح أمامه أسئلة مصيرية عن الجسد، والسلطة، والحب، والموت، والكتابة نفسها.
«إيڤا» مجموعة لكاتبة واعية بأدواتها، قادرة على تجاوز نمطية الأدب النسوي التقليدي نحو آفاق أكثر تعقيدًا وإنسانيَّة. ورغم تفاوت مستوياتها الفنية، فإنها تبقى تجربة قراءة غنية، تليق بقارئ يبحث عن أدب يلامس همِّ الأنثى بعمق وجرأة.





