الأديبة فاتن متولي حسانين تكتب القلب

في القلبِ تسكنني غصّةٌ لا تهدأ، كأنها حجرٌ ثقيلٌ أُلقي في بئر الروح، فلا صوتَ له إلا الصدى، ولا أثرَ له إلا ارتجاف داخلي لا يراه أحد. شعورٌ مخيفٌ يتسلل على مهل؛ إحباطٌ يكسو الملامح، خذلانٌ ينسج خيوطه حول الذاكرة، خوفٌ يتربص في الزوايا، ارتيابٌ يشكّك في كل يقين، وقلقٌ كريحٍ عاتيةٍ لا تعرف السكون.
هل هذه المشاعر طبيعية؟
ربما… بل نعم، حين تتزعزع الثوابت التي كنا نظنها جبالًا لا تميل، وحين يصغر الكبير في أعيننا، لا لأنه تغيّر فقط، بل لأننا رأيناه على حقيقته دون زينةٍ أو وهْم. حين تتبدل المكانات، وتتغير القلوب، وتُقدَّم المصالح على كل ما عداها، حتى على النقاء نفسه.
نعيش زمنًا تتكسر فيه المعاني كما تتكسر المرايا، فلا نرى وجوهنا واضحة، ولا نثق في انعكاس الأشياء. على المستوى العالمي، يبدو المشهد كـتسونامي هائل من الفناء، يجرف في طريقه القيم قبل البشر، ويغرق ما تبقى من إنسانيةٍ تحت أمواج الصراع والأنانية. وعلى المستوى القريب، الأقرب من نبضنا، نجد أن الجميع يدوس على الجميع، كأن الأرض لم تعد تتسع إلا لمن يُجيد السحق.
آلة القتل لم تعد فقط تُريق الدماء، بل أصبحت أكثر خُبثًا… تقتل المعنى، تذبح الكرامة، تُهشم الروح ببطءٍ بارد. استفحلت الجرائم حتى تجاوزت الفجور، وأصبحت الخصومة بلا شرف، كأن النزاع لم يعد خلافًا بل افتراسًا.
أما المحبة… فقد صارت محل شك، كأنها كلمة قديمة لا تُستخدم إلا في القصائد، لا في الحياة. والإخلاص؟ صار حيّةً رقطاء، تتلوى في الظلال، تنتظر اللحظة المناسبة لتلدغ من وثق بها.
الصداقة لم تعد دفئًا يُستند إليه، بل صارت صفقةً خفية، تُدار بحسابات الربح والخسارة. وحتى الشرفاء… أولئك الذين كنا نظنهم السند الأخير، تراجعوا، صمتوا، أو اكتفوا بدور المتفرج، كأنهم أدركوا أن الساحة لم تعد لهم، أو ربما أُقصوا عنها دون أن نشعر.
وسط كل هذا، يقف القلب حائرًا، مثقلًا، يسأل دون إجابة:
كيف ننجو؟
وكيف نحتفظ بإنسانيتنا في زمنٍ يبتلعها؟
ربما لا نملك تغيير العالم، ولا إيقاف هذا الانحدار المخيف، لكننا نملك شيئًا واحدًا… أن نحافظ على ما تبقى فينا، أن نتمسك بما لم يتلوث بعد، أن نكون صادقين ولو في صمتنا، أوفياء ولو خذلنا الجميع، أن نُحب رغم الشك، ونُخلص رغم الخوف.
ففي زمنٍ كهذا، لا يكون النقاء ضعفًا… بل مقاومة. ولا يكون الحزن عجزًا… بل وعيًا مؤلمًا بحقيقة ما يحدث.
وهذه الغصّة التي تسكن القلب…
ليست مجرد وجع،
بل شهادة حية
أن فينا شيئًا ما زال حيًّا… يرفض أن يموت.






