زكريا صبح يكتب قراءة فى رواية (العلبة) يحي الذى رأى للكاتبة شادن دياب
لستُ أشك أن كل كاتب يعشق التصوير، وليتنى أستطيع الجزم بأن كل كاتب يقتنى كاميرا، ولن أكون مبالغًا إذا قلت إن كل كاتب جرب أن ينظر من خلال كاميرته كى يلتقط مشهدًا أثاره.
الحقيقة أنه قد لا يكون الكاتب حريصًا على أن يحمل كاميرته سائرًا بها فى شوارع مدينته، راصدًا بها مشاهد لا يراها سواه؛ ببساطة لأن رأسه هى الكاميرا، وعينيه هما العدسة المجلوة ذات الحساسية المفرطة لكل لحظة من شأنها أن تكون حاسمة من وجهة نظره.
ربما كانت هذه مقدمة تأتى تمهيدًا للدخول إلى رواية جعلت فيها الكاتبة الكاميرا هى البطل (العلبة)، ولأن الكاميرا لا تعمل بغير مصور، فقد جاء العنوان الفرعى (يحي الذى رأى) مكملاً للعنوان الرئيس.
ولعل العنوان على هذا النحو يستثير القارئ، فيضطره للسؤال: ما هى العلبة؟ ومن هو يحي؟
وتأتى الإجابة فى متن النص الروائى، الذى امتد إلى بضع وعشرين صفحة بعد المئة، لنرى من خلال النص كيف أن الكاتبة حملت كاميرتها الخاصة لتصور لنا ما فعله يحي أثناء عمله؛ إذن فلن يكون غريبًا أن نقول إن هذه الرواية هى رواية الإطار، حيث نرى نصًا داخل النص: النص المكتوب تصويرًا، والنص المصور كتابة، كأننا أمام كاتبة كانت تتابع عن كثب عمل هذا الصحفى المصور (يحي)، فأجادت نقل المشهد مكتوبًا كأنه مصور بكاميرا عالية الجودة.
**ولأن الكاتب مثل حامل الكاميرا، الذى يكون فى حالة سعى دائمة من أجل الفوز بلقطة مدهشة، أو على الأقل الفوز بزاوية مختلفة لمشهد معتاد، فكذلك الكاتب هو دائم السعى للبحث عن موضوع مختلف، أو على الأقل لم يقترب منه كثير من الكتاب؛ ولذا جاء موضوع الرواية طازجًا، حيث اختارت الكاتبة موضوعًا مجردًا (اللاجئين). وأنا إذ أقول إنه موضوع مجرد، إنما أعنى أنه غير محدد الجنسية؛ فربما كان هذا اللاجئ عربيًا أو إفريقيًا أو من أى قارة، وربما كان فلسطينيًا أو سوريًا أو من أى دولة، ولذا سنلاحظ أن الكاتبة لم تحدد جنسيات المعذبين لجوءًا، الضائعين فى أشتات الأرض، المطرودين عنوة من بلادهم، المقهورين على الرحيل تحت وطأة الحرب أو تحت رغبة الطغاة فى استبعادهم. وحسنًا فعلت أنها لم تحدد هويتهم فى مخيمات الإيواء.
وهو موضوع مجرد، ليس لأن الكاتبة لم تحدد جنسيات المضطهدين فقط، ولكن لأنها أيضًا لم تحدد مكان اللجوء بدقة. صحيح أننا فهمنا أن هذا المخيم كان فى منطقة بين ألمانيا وهولندا فى ص ٣٦، حيث قالت إيلين: هززت كتفى وقلت: ذاهبة إلى …. فى المنطقة الحدودية بين ألمانيا وهولندا، إلى مخيم.
وكأن الكاتبة تراجعت فى اللحظة الأخيرة – عن عمد – عن ذكر المنطقة تحديدًا، وعن ذكر اسم المخيم أيضًا.
ألم أقل إنه موضوع مجرد؟ وكأنها أرادت أن تقول: هو موضوع يشمل كل أصحاب تجربة النفى إلى مخيمات اللجوء.
ومن الأسباب التى دفعتنى إلى تأكيد أنه موضوع مجرد عدم تحديد زمن محدد؛ فأنت لا تستطيع أن تقول: وقعت أحداث هذه الرواية فى الفترة بين كذا وكذا، وكأن الكاتبة أرادت أن تقول: ليس مهمًا معرفة جنسية المطرودين، ولا مكان إيوائهم، ولا زمن نفيهم، ولا المدة التى قضوها فى هذا العذاب المهين.

أسمعك قارئى العزيز تقول: فما هو المهم إذن؟
وأنا أسارع فى الإجابة قائلًا: المهم ما حدث لهم من امتهان وضياع إنسانيتهم، وهذا ما حرصت عليه الكاتبة منذ اللحظة الأولى؛ حتى إن البعض من الممكن وصف هذه الرواية بأنها رواية توثيقية، وثقت فيها الكاتبة جانبًا من جوانب الإنسانية المهدرة. ألم أقل منذ قليل إن الكاتب يبحث عن موضوع قلما تطرق إليه أحد؟
**لن تجد فى هذه الرواية (حدوتة) تصلح للحكى، ولكنك واجد فيها موضوعًا يستحق المتابعة. الرواية ليست إلا رحلة الصحفى يحيى، الذى لا يستطيع الكتابة بالقلم، ولكنه يستطيع الكتابة بالكاميرا؛ رحلة ذهب فيها راصد أحوال المهجرين بعد أن رصد ذويهم تحت نيران القصف فى بلدانهم.
**ولأن البطل الرئيس فى هذا العمل هو الكاميرا، فقد جاءت فصول الرواية كأنها لقطات حية بهذه الكاميرا؛ كأن الكاتبة أطلقت (الدرون) كى تصور بعض ما كان فى المخيم – وهذا البعض كثير – كأنها أطلقت الدرون وجعلتها فى علو مناسب تستطيع من خلاله الرصد والتسجيل.
**ولست أدرى لماذا تصورت عشًا للدبابير، وتخيلت يد الكاتبة وقد أدخلتها إلى هذا العش. أقول هذا لأن الكاتبة لم تصور لنا فقط الصور المفجعة فى الحروب والنزوح، وما يعانيه البشر فى هذه الأجواء، ولكنها صورت لنا المؤامرة الشيطانية التى تحاك ضد هؤلاء الضعفاء؛ فرأيناها – أى الكاتبة – تعالج قضية إجراء التجارب العلاجية على أصحاب المخيم: عقاقير وأدوية تجريبية تخص تقوية المناعة، وليس مهمًا من يعيش منهم ومن يموت.
حدثتنا عن مستر ×، وانظر كيف أسعفتها المخيلة لاختيار هذا الاسم الدال، الذى ما إن يُذكر حتى نتخيل رجلًا له ميول شيطانية، وله طبيعة زئبقية، فلا يستطيع أحد الإحاطة به أو بما يفعل.
**كما قلت إن كل كاتب لا شك أنه يعشق التصوير ويهوى اقتناء الكاميرات، فإننى أقول إن كل كاتب فيه شاعر بدرجة من درجات الشعر.
وقد وضح هذا الأمر أيما وضوح فى لغة هذا العمل؛ فلم يأت وصفًا مباشرًا ولا توثيقًا فجًا، ولكن جاءت الرواية فى لغة شاعرية لتنقل لنا طبائع الأبطال الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بيحي وعلاقته بالكاميرا. تقول الكاتبة على لسان يحيى فى ص ١٢: كل مرة بصحبة علبتى للتصوير التى تضع العالم فى بؤرة. من الغريب أننى اخترت هذه المهنة: أن أصور ما يقترب من الموت فى مناطق الصراع، حيث الحياة تبدو معلقة بخيط واهن، أتصيده بلا خوف، بكل حرية، بمرآة مصقلة بالحقيقة فى وجه العالم.
ولا يتعلق أمر شاعرية اللغة بنقل دواخل الأبطال فقط، بل بأمر الوصف داخل العمل. انظر مثلًا قول الكاتبة فى ص ٣٧:
لم تكن رائحة حشيش… بل شىء آخر؛ رائحة وطن مطوى داخل حقيبة، رائحة شتاء عالق على كم معطف، أو تراب مخيم قديم التصق بأحذية مرمية فى الزاوية.
وتقول فى ص ٥٨: عيناه تسرحان فى صفوف الخيام، مصطفة كأنها أنفاس خاطفة خاطها التعب.
وتقول فى موضع آخر من الصفحة نفسها:
بعض الخيام ترتجف بخفة، كأنها تتنفس، وأخرى بقيت مغلقة، مطوية كجفون منهكة.
وقد بلغت اللغة من الشاعرية حتى وصلت أن تكون بعض جملها حكمة خالصة. تقول الكاتبة: الناس لا يبحثون فقط عمن يسمعهم، بل عمن يخفف عنهم ثقل الحياة، ولو مؤقتًا.
وتقول فى ص ٥٤: الحرية تبدأ عندما نتوقف عن محاولة الفهم، ونترك ما بداخلنا ينطلق بلا قيود.
وتقول فى ص ٩٠ على لسان بطل ثانوى (أيمن) متحدثًا مع يحيى قائلًا: وكيف نؤمن بعدالة عالم قرر عمدًا أن يدمر البيئة؟ أن يسمم الأرض والماء والهواء؟ ثم يلوم الإنسان حين يمرض ويموت؟
**ووثيق الصلة بأمر اللغة، الحوار الذى جاء فى معظمه فصيحًا، مثلما جاء فى صفحة ١٠: يقطع سلاسل الصورة صوت أحد الجنود، وهو يركض باتجاهى، يثير الغبار كحيوان هائج أصيب بالجنون. يصرخ أحدهم: امشِ من هنا، الطريق مغلق. ثم يزأر آخر بصوت كلب حراسة مهووس: قلت لك، امشِ ولا تعتدل فى مشيتك.
هكذا جاء الحوار فصيحًا فى معظم الرواية، باستثناء بعض جمل حوارية جاءت بلهجة عامية، غلب عليها الطابع الشامى، مثل الآتى:
فى ص ٤٥ يقول حسن: بس يا أيمن، شوف الوضع، ما فى تجهيزات، ولا طفايات، ولا أدوات حقيقية، شو راح نعمل إذا تكرر؟
ثم تقول أمينة: يمكن تكون هاى التجربة إنذار صغير منشان ننتبه أكثر.
ويقول أيمن متحدثًا إلى يحي فى ص ٩٣: يعنى هذا النفق صار عندك سلم روحانى؟ صدقنى يا يحي، لا روما بانتظارنا، ولا منظر بانورامى، اللى قدامنا هو إسمنت غبرة، ويمكن كمان وجع ما بدنا نعرفه أصلًا.
**اعتمدت الكاتبة على الراوى العليم، الذى يناسب فكرة الكاميرا المترصدة للأحداث، فجاء الراوى العليم ناقلًا هذه الأحداث بإحاطة تامة لما يجرى فى كافة الأماكن التى تطرقت لها الرواية. إلا أن هناك بعض الالتباس فى التداخل بين الراوى العليم والراوى المشارك، كما فى ص ٣٤، حيث نرى الراوى العليم ينقل لنا الحوار بين أميليا وإيلين، ينقله لنا بدقة بين سؤال أميليا وإجابة إيلين، ثم فى نهاية الصفحة يتولى الراوى المشارك (إيلين) الحديث، كأنه هو الذى كان ينقل لنا مجمل الحوار السابق.
وتكرر هذا الالتباس فى ص ١٠٣، حيث كان الراوى العليم ينقل لنا ما حدث فى ليلة ما بين يحي وأمه. يقول الراوى العليم: ليلتها كانا ينظران معًا إلى السماء… إلخ. ثم وجدنا الراوى المشارك يتولى الحديث، يقول: ابتسمت أمى ونظرت إلى نجمة بعيدة… إلخ.
لقد تعددت تقنيات الرواية التى استخدمتها الكاتبة: من الانتقال بين الراوى العليم والراوى المشارك، ومن الانتقال بين الحوار الفصيح والعامى، ومن الحديث الداخلى للأبطال (المونولوج)، خاصة فيما يتعلق بالطفلة (جود) التى لا تنطق ولا تسمع، فجاء حديثها عبر المونولوج الداخلى المتخيل من قبل الراوى العليم.
ومن تقنيات العمل أيضًا الحلم أو الكابوس، الذى فردت له مقطعًا خاصًا به تحت عنوان (كابوس يحي).
لم يتبق بعد هذا التطواف السريع حول العمل المهم – حيث تأتى أهميته من موضوعه غير المطروق، كما تأتى أهميته من خطورة موضوعه أيضًا – أقول: لم يتبق من هذا التطواف إلا الإشادة بالنهاية المأساوية التى أنهت بها الكاتبة روايتها، حيث لم يكتف المنتفعون والمتاجرون بالبشر بإجراء التجارب كأنهم فئران تجارب، بل أشعلوا النار فى المخيم من أجل التخلص من كل من تسول له نفسه فضح المؤامرة الدنيئة؛ حيث لم يخن يحي مبادئه، ولم يتخل عن إنسانيته فى محاولة إنقاذ الثكالى، لكنه مات مثلما ماتت إيلين فى حادث سير مدبر، ومثلما ماتت جود، رمز البراءة الصامت.





