فاتت جنبنا أغنية “فاتت جنبنا” قصة متكاملة نسجها حسين السيد ولحنها عبد الوهاب
رؤية د. صبري زمزم

حسين السيد من سادة الأغنية المصرية، بجميع أنواعها كتب آلاف الأغاني لكل المطربين والمطربات تقريبا، وكون مع محمد عبد الوهاب ثنائيا فنيا متميزا فقد كانت بدايته مع موسيقار الأجيال وأغنية “اجري اجري” ثم ألف له العديد من الأغاني التي حفرت في وجداننا منها أغنية “لأ مش أنا اللي أبكي” و”خي حبيبي قاسي ليه يا خي” و”وعاشق الروح”، وغيرها ما لا يعد ولا يحصى، وتعددت الأغاني التي لحنها ليغنيها مطربون آخرون ومنها هذه الأغنية (فاتت جنبنا) التي سمعناها عندما غناها عبد الحليم حافظ لأول مرة فى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة فى عيد شم النسيم سنة 1974 فى حفل كبير نقله التليفزيون والإذاعة على الهواء .
وهذه الأغنية عبارة عن قصة قصيرة مغناة توافرت لها كل عناصر القصة من بداية وأبطال وحبكة وحوار وعقدة وحل ونهاية مع التشويق من بداية القصة حتى نهايتها،
فيحكي بلسان عبد الحليم بداية القصة عندما كان يسير هو وصاحبه لتمر بجانبهما فتاة جميلة فماذا فعلت وكيف تأثرا بها هذا ما يقوله في مطلع الأغنية الجميلة:
فاتت جنبنا، فاتت.. جنبنا
انا وهو، انا وهو
وضحكت لنا، ضحكت لنا.. لنا
أنا وهو، انا وهو
رديت وكمان رديت
وفضلت أرد أرد لحد ما فاتت
ونسيت روحى وصحيت
أتاريها خدت الشمس وغابت.
أما أثر هذه الضحكة في نفسه فكان عميقا إذ انشغل بها فكره فيقول:
وانشغلت وقبل ما يطول انشغالي
رحت سائل روحى واحترت فى سؤالي
أنا بافكر ليه؟ وبشغل روحى ليه؟
أعرف منين إنها قاصدانى أنا مش هو.. مش هو
وأعرف منين أن الضحكة دى مش له هو.. له هو
وليه أنا؟ ليه أنا؟ ليه ليه مش هو؟
وهذا حوار داخلي يغذي القصة التي بدأت بضحكة وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد ولكن القصة لم تتوقف هنا
فيقول لنا مواصلا القصة:
مرة تانية برضو صدفة .. كنت أنا وهو فى طريقنا
نفس الصديقين فماذا حدث ؟
شوفنا خطوة حلوة حلوة، حلوة جاية وضل تالت، ضل تالت، بيسابقنا بيسابقنا
التفتّ لقيتها هي، هي..
حاجة مش معقولة هي .. هي
فما أثر هذه المصادفة عليه؟
وابتديت أسمع فى قلبى فى قلبى .. لحن حب،
لحن حب… لحن حب جديد عليا جديد عليا
سمعت منها كام كلمة .. ما قالتش منهم ولا كلمة
بس أنا حسيت، حسيت .. ولأول مرة انا حسيت
ولاول مرة باعيش وباحس
ولقيتنى بادوب وبادوب، فى كلام الهمس بادوب
فى كلام الهمس اللى مالوش حس
ضحكت تانى نفس الضحكة وراحت ماشية
زى الدنيا ما تيجى فى ثانية وتمشى فى ثانية
وهنا يتحير لتكرار نفس الموقف مع وجود نفس الصديق فماذا كان من صديقه؟
بصيت لصاحبى لقيته جنبى وماهوش جنبي
عايز يقول كلمة اتقالت جوه فى قلبي
كنت عايز أسأله .. هو كمان حس بيها وانشغل
هو كمان حس بيها وانشغل
.. هو كمان هو كمان
ورجعت أقول.. رجعت أقول
أنا بافكر ليه؟ وبشغل روحى ليه؟
أعرف منين إنها قاصدانى أنا مش هو.. مش هو
وأعرف منين أن الضحكة دى مش له هو.. له هو
وليه أنا؟ ليه أنا؟ ليه ليه مش هو؟
وكان لهذا أثر عميق في نفسه وزاد عندما عاد لبيته وانشغل بتلك الضحكة فيقول:
روّحت أنا روّحت .. روّحت أنا، انا روّحت
روحت مش عارف مالى مش عارف مالي
ما اعرفش ايه اللى جرالى ايه اللى جرالى ؟
فرحان عايز أضحك .. مهموم عايز أبكي
لا دموعى طايلها .. ولا لاقى حد أشكي
فاكتشف مشاعره التي أحسها لأول مرة فقال:
حبيتها أيوه أنا حبيتها .. مش قادر أنسى ضحكتها
حبيتها.. حبيتها.. ايوة انا انا انا حبيتها..
مش قادر.. مش قادر انسى ضحكتها
مش يمكن دى فرحة عمرى .. والفرحة ما صدقت لقيتها
كان فين اليوم ده غايب عنى .. كان فين
تسلم لى وتسلم ضحكتها
ثم بعد يومين من الفرحة غابت السكرة وحلت الفكرة وبدأ الصراع الداخلي والشكوك فعبر عنها قائلا:
وبعد يومين ابتدا قلبى .. يصحى من الفرحة وصحاني
يسألنى امتى ح نشوفها .. و أنا أقول له نشوفها فين تاني؟
والليالى دوبتنى وشيبت فكرى وظنوني
لما طيف الغيرة شوفته بيترسم قدام عيوني
فماذا كان شعوره نتيجة شكه في صديقه؟ :
ان لقيت صاحبى بيضحك أقول، دى لازم قابلته
وان لمحت فى عينه شكوى أقول دى لازم خاصمته
وهنا أراد أن يحسم موقفه ليتأكد لمن كانت تضحك تلك الفتاة؟
ما لقتش طريق قدامى قدامى يرحمنى من العذاب
غير انى أدور و أسال .. آه.. آآآآه
وأعرف منها الجواب
وعرفت طريقها عرفته عرفته عرفته، عرفته
وشقيت على بال ما عرفته عرفته، عرفته
فكان الحل أن يراسلها بجواب يستفسر عن موقفها منه:
وبعتّت كلمتين .. مش أكتر من سطرين ..
قولت ليها ريحينى قولى لى أنا فين؟!
..
وكان هذا السؤال هو ذروة العقدة في القصة… ومن بعده جاء الحل في صورة رد صريح فماذا كان ردها الذي شوقنا لمعرفته وأشركنا معه في قلقه؟!
وجانى الرد
وجااااااااني جانى الرد !
وجانى الرد جانى ولقيتها بتستنانى !
وجانى الرد جانى ولقيتها بتستنانى !
وقالت لى أنا من الأول
باضحك لك يا اسمرانى .. يا اسمرااااني
أنا.. أنا أيوه أنا أنا
أنا أنا أنا أنااااا مش من هو
لتنتهي الأغنية أو القصة بالنهاية السعيدة التي تمناها وفرح بها
وعبر عبد الحليم حافظ بإحساسه عن كل مراحل هذه القصة، مرحلة فمرحلة ما بين الفرحة والخوف وبين الأمل واليأس بين انتظار الحسم بين القبول أو الرفض فكان القبول هو النهاية السعيدة التي فرحت عبد الحليم كبطل للقصة، وفرحت جمهوره الذي عاش معه القصة لحظة بلحظة تماهى معه فيها .
ولا ننسى قيمة الكلمات المعبرة والألفاظ الصادقة للشاعر حسين السيد ولا اللحن والموسيقى الجميلة التي أبدعها الموسيقار محمد عبد الوهاب لينتقل بنا من كوبليه لكوبليه كل بما يناسبه من لحن بين الفرح والشجن ..القلق والشك .. الغيرة والحيرة معبرة عن دقات قلبه التي شاركناه إياها ليختم الأغنية خير ختام بألحانه العبقرية.!!!
صبري زمزم
ناقد أدبي وفني





