حكاية ترويها الذاكرة: البناء السردي وجماليات اللغة في رواية
" رحيق النساء" للاديب الروائي الدكتور/ صلاح شعير تكتبها/ فاتن صبحي

تمثل رواية”رحيق النساء ” للاديب الروائي/صلاح شعير الصادرة عام ٢٠٢١ عن مكتبة جزيرة الورد للطبع والنشر نموذجًا للرواية العربية المعاصرة التي توظف تقنيات سردية متعددة في خدمة رؤية فنية متماسكة. فإلى جانب ماتحمله من موضوعات إجتماعية و إنسانية عميقة تقدم الرواية بناءً سرديًا محكمًا ولغة تتنوع بين الفصحى، والعامية لتتناسب مع الشخصيات والمواقف. هذا التجانس بين البناء واللغة هو ما يمنح النص تماسكه الفني وقدرته على التأثير. تتبنى الرواية اسلوب تعدد الاصوات السردية مما يعطي النص عمقًا دراميًا ويمنع سيطرة صوت واحد فيظهر الصوت الأول من خلال الراوي الرئيسي رؤوف الدالي الذي يروي بضمير المتكلم في فصول تحمل عنوان: أنا والماضي، والشجرتان، وأنا والجفاف، وضد التيار، والدوران خلف ذاتي. ويتميز هذا الصوت بطابع استرجاعي حيث ينظر الرواي للماضي من واقع الحاضر معترفًا بتناقضاته وضعفه:” أنا الذي يختلف الناس حوله؛ الرجال يرون أني قوي الإرادة، أما النساء فتراني شديد الرومانسية” مما يمنح القارئ حق العبور إلى داخل البطل ومشاعره وتردداته ونظرته للعالم بلغته الخاصة التي تميل إلى الفصحى الواضحة السهلة. في المقابل يظهر الصوت الثاني من خلال الراوي العليم بضمير الغائب في فصول: هي وهو وغيرها. هذا الصوت يتسم بالشمولية حيث يرى مالا تراه الشخصيات، ويقدم الأحداث دون تدخل مباشر:” هند أنور شرف الدين ابنة الأربعة والعشرين ربيعًا فتاة فريدة، يكمن جمالها في قوة شخصيتها ورقتها” اللغة هنا اكثر وصفًا وتفصيلًا، وتميل إلى الجماليات البلاغية في تصوير الشخصيات، والأماكن هذا الاختلاف بين الاصوات يخلق تجربة قراءة مركبة لا تقتصر على رؤية واحدة، بل تنتقل بين وعي الذكر ووعي الأنثى المتخيل.
أما الصوت الثالث فهو الحوار الداخلي الذي يظهر لحظات الصراع النفسي مثل حوار حامد العربي مع نفسه”ألف خسارة عليك يا حامد، ضيعتك ناهد درويش، وضاع ما تعلمته من قواعد الإتيكيت” هذه اللغة الداخلية تعكس صراع الشخصية مع ذاتها، وانهيارها وجاءت بلغة عامية لتعزز واقعية المشهد.
تعتمد الرواية بشكل كبير على تقنية الإسترجاع والمزج بين الأزمنة حيث تبدأ الرواية في يناير ٢٠١٥ تم ترجع إلى الماضي البعيد “جذوري تتحدر إلى أسرة فقيرة بالوراثة من قرية كفر ربيع … ما زلت أذكر كيف كان أبي مجاهد الدالي ينكس وجهه عندما يراني عائدًا آخر الشهر من كلية الحقوق” هذا المزج الزمني ليس مجرد تقنية، بل اسلوب يعكس حالة الشخصية الرئيسية التي تعيش في تداخل بين الماضي والحاضر.
في بعض المشاهد يتداخل الماضي والحاضر في ذهن الراوي نفسه” كنت أشرب في كوبي وأنظر إلى كوبها الآخر فيُخيل إليَّ أن زوجتي زينب تجلس أمامي” مما يعكس قدرة اللغة على التعبير عن حالات نفسية معقدة حيث الماضي ليس مجرد ذكرى بل حضور دائم في وعي الشخصية، والبناء الدائري للرواية التي تبدأ في مقهى النيل وتنتهي فيه وتبدأ بشجرتي الليمون وتعود إليهما يعزز الإحساس بدورية الزمن واستمرار الحب بعد الموت.
تهتم الراوية بوصف الأماكن التي تتحول إلى شخصيات مؤثرة في السرد فوصف مقهى النيل لا يقتصر على تفاصيل المكان، بل يمزج بين الحسي والمعنوي “كنا نجلس في ركنٍ خاص يُطلق عليه ركن العشاق بهاء الطبيعة يطرز الليل بالنسيم المنعش، كان عبق الحب شهيقًا يتدفق إلى أرواحنا” لغة شاعرية تستخدم التشخيص “يطرز الليل” والاستعارة “عبق الحب” مما يجعل المكان جزءًا من التجربة العاطفية وليس مجرد خلفية لها.
أما وصف شجرتي الليمون فكان بلغة اكثر بساطة لكن تحمل دلالات رمزية عميقة “شجرتي على يمين الشرفة، أما شجرة زوجتي فوقعت على يسارها، تتميز بأنها غزيرة الثمار، وأوراقها شديدة الخضار، غصونها أكبر من غصون شجرتي” والبساطة هنا مقصودة في دلالة تشير إلى الزوجين، وغزارة ثمار شجرتها تعكس خصوبتها، وعطاءها. هذا الوصف الرمزي هو مايجعل اللغة تحمل اكثر من معني ظاهري.
تتنوع اللغة في الرواية بين الفصحى والعامية مما يعكس واقع المجتمع المصري، وثنائية لغته. الفصحى تسود السرد وهي واضحة وسلسة بعيدة عن التعقيد لكنها قادرة على التعبير على المشاعر الداخلية ” تعوّدت زوجتي طبيبة الأطفال على وضعي الجديد، عندما تراني سارحًا بين أطلال الذكريات، تحترم تأملي، تتركني وشأني؛ تمنحني حرية الإقلاع نحو نفسي”
فصحى غير متكلفة مما يجعل القارئ يشعر بالإنسجام مع النص.
الحوار في الرواية يستخدم فيه الكاتب اللغة العامية المصرية مما يضفي واقعية ومصداقية على الشخصيات: ” معاليك أنا ماليش في المناصب” لكن العامية لا تستخدم بشكل موحد فهي تختلف باختلاف الشخصية وخلفيتها الإجتماعية فدكتور علوان الارستقراطي يقول: أمال إيه دي بدلة ماركة مجاهد من أفضل البدل اللي طلعت السنة دي” بينما عم خليل البواب يقول: “أيوه يا عم مين قدك ح تاكل محشي بالسمن البلدي” مما يعكس دقة الكاتب في بناء شخصياته ويعطي لكل شخصية صوتًا مميزًا عن هويتها.
تستخدم الرواية صورًا بلاغية مكثفة في وصف المشاعر، والحالة النفسية، والاستعارة حاضرة بقوة كما في وصف الذكريات: ” أعود بذاكرتي إلى الماضي من أوله إلى آخره، أتجول بين عمري، أطل على نفسي، أسبح متقلب المزاج بين بحور من الأحداث أغناهـا الزمن” فالبحر هنا استعارة للذاكرة، والسباحة استعارة للغوص في الماضي، وهذا يعكس قدرة اللغة على تحويل التجريد إلى صورة حسية ملموسة.
التشبيه يكثر في وصف الجمال خاصة جمال هند ” وجهها مستدير بلون حبات القمح” واسنانها ” كصفين من اللؤلؤ” وهذه التشبيهات لا تقتصر على الوصف الخارجي فقط، بل تربط الجمال بالطبيعة المصرية مما يضفي بعدًا ثقافيًا للوصف.
أما الرمز فهو الاكثر حضورًا وخاصة في قصة الحمامة البيضاء؛ التي تظهر بالتزامن مع علاقة رؤوف بعفت الخولي. فتصف الرواية الحمامة التي تفقد ذكرها “عادة لا يغيب الحمام عن عشه إلا إذا تم صيده أو ذبحه، هذا ما جعل رفيقته في غاية الألم، لم تسمح لأي ذكر بالاقتراب منها خلال فترة الحداد” هذه القصة تعكس حالة عفت الخولي التي تظل وفية لزوجها الغائب وعندما تقبل الحمامة بعد طول إلحاح ذكر جديد يكون ذلك إيذانًا بقبول عفت لرؤوف. الموت هنا فاصل على مستويين: موت الزوج الغائب يبدأ فترة الحداد، ثم موت عفت نفسها ينهي القصة. هذا التناص يعكس براعة الكاتب في إستخدام الرمز لخلق طبقات متعددة من الدلالة.
الحوار في الرواية له مهام متعددة فهو كاشف للشخصية وأداة درامية وحامل للرؤية مثل حوار حامد العربي مع نفسه: ” هو الحب ح يجنني ولا إيه؟ مش لازم أمسك نفسي شوية؟” يكشف حيرته وخجله ومحاولته السيطرة على نفسه. أما حوار رؤوف مع شداد عم هند: “لو سمحت قول اللي انت عاوزه في كلمتين ما عنديش وقت” يكشف عن ثقته بنفسه ورفضه للتهديد.
كما ان الحوار في لحظات الصراع يخلق توترً دراميًا حادًا كما في حوار هند ورؤوف بعد القبلة: “دي أول مرة حد يبوسني”
“اعذريني شوقي ليكي هو اللي خلاني أعمل كده، أنا بحبك يا زينب”
“أنا مش زينب، أنا هند، أنا هند”
هذا الحوار المقتضب يحمل صراعًا كاملاً: خطأ رؤوف في تسمية هند باسم زينب يكشف عن عمق صراعه الداخلي، وصياح هند يعبر عن رفضها أن تكون بديلاً لأخرى.
يختلف الإيقاع السردي بتنوع الأحداث؛ فيكون بطيئًا في مشاهد الحزن والتأمل كما في وصف رؤوف بعد وفاة زينب ” جلست على الأرض أسفل الشجرة الجافة، راحة يدي حول أذني، رأسي منكسة، أسند كل كوع من كعياني فوق فخذ من أفخاذي الأمامية قرب مفصل الساق” هذا الوصف البطيء للجسد يعكس حالة الجمود والصمت الأبلغ من الكلام
اما في مشهد خطف الطفل وملاحقة هند له يتسارع الايقاع وتقصر الجمل: ” تيقنت هند أن ما يحدث هو عملية خطف طفل من قبل إحدى العصابات… قامت بتدوين رقم السيارة وطلبت النجدة من هاتفها عدة مرات، لم يرد عليها أحد، تحركت بسيارتها تلاحق الجناة” . هذا التباين في الإيقاع يحافظ على انتباه القارئ ويخلق تنوعًا دراميًا يمنع الرتابة.
كما ان تكرار بعض المشاهد والأماكن يعكس البناء الدائري للرواية ويعمق الدلالات. فمشاهد مقهى النيل تتكرر: بداية العلاقة، استمرار الحب، العودة بعد الموت، ثم بداية علاقة جديدة. وكذلك مشاهد شجرتي الليمون: زراعتهما معًا، ذبول شجرتها مع مرضها، الجلوس تحتها بعد موتها، ثم التفكير في زراعة شجرة جديدة. هذا التكرار لا يخلق رتابة بل يبني إيقاعًا دراميًا ويعمق الدلالات الرمزية للنص.
في رواية “رحيق النساء” لا تنفصل الحكاية عن بنائها، ولا المشاعر عن لغتها. د.صلاح شعير يبني عالماً سردياً متقناً بتعدد أصواته، وتداخل أزمنته، ويصوغه بلغة تمتزج فيها الفصحى بالعامية، والوصف بالرمز. من خلال هذه الأدوات لا يروي الكاتب قصص حب فحسب، بل يقدم رؤية نقدية لتحولات المجتمع المصري: صراع الطبقات، فساد المؤسسات، وارتباك الهوية بين الأصالة والحداثة. تظل النهاية مفتوحة، كما تظل الذاكرة هي البطل الحقيقي تحكي، وتترك للقارئ متعة التأويل.



