تشكلات القلق الوجودي في “أهرب من ظلي” للقاص موسى أبو رياش.
بقلم الناقدة الأردنية منال العبادي

بقلم الناقدة الأردنية منال العبادي
فانتازيا الانهيار
تشكلات القلق الوجودي في “أهرب من ظلي” للقاص موسى أبو رياش.
تتأسس رؤية موسى إبراهيم أبو رياش في مجموعته القصصية “أهرب من ظلي” الصادرة حديثا عن الآن ناشرون وموزعون على مفهوم مركزي يمكن تسميته بـ”فانتازيا الانهيار”، وهو مفهوم يتجاوز كونه مجرد موضوع أو شعار، ليكون عالما متكاملا من التشكيلات السردية والنفسية والإجتماعية ففي هذه المجموعة لا ينهار العالم مرة واحدة بل ينهار باستمرار وعلى دفعات، وفق إيقاعات متعددة ومختلفة، بدءا من البناية الواحدة في كابوس البطل، وصولا إلى انهيار الكون بأسره، ثم انهيار الذات وانهيار القيم وانهيار الثقة بالآخرين وبالمؤسسات وومن ثم بالحقيقة ذاتها.
ومن خلال قراءة تشكلات القلق الوجودي التي تنتج عن هذه الانهيارات على أربعة محاور أساسية.
المحور الأول وهذا المحور يمثل تمثلات الانهيار في الفضاء القصصي حيث يشكل الانهيار المادي المستوى الأعلى والذي يتضح بالشكل الأكبر بالمجموعة، ويظهر على شكلين متكاملين، الشكل الأول هو الانهيار العمراني الذي يتجلى في قصة “انهيار” حيث يبدأ الكابوس ببناية تنهار بصمت، ثم يتصاعد إلى شوارع وأحياء وغابات وجبال، وأخيرا إلى “الشمس والقمر والنجوم والسماء”، وهذا التصاعد ليس عشوائيا، بل يحاكي آليات القلق، فالقلق لا يكتفي بتهديد جزء من العالم، بل يمتد ليهدد العالم ككل، وهنا وعي البطل لم يعد يميز بين التهديد الموضعي والتهديد الكلي، إذ يقول الراوي: “رأيت الشارع ينهار أمامي، ويبتلع البنايات، وفي ليلة أخرى، رأيت نصف الحي ينهار، وفي ليلة تالية رأيت الحي كله ينهار وما تلاه من غابات وجبال”، وهنا يتحول الانهيار من مشهد إلى سلسلة من المساهد، ومن حادثة إلى نظام كامل للإنهيار، بحيث يخضع لقانون التضخم الكابوسي، إنها فانتازيا الانهيار في صيغتها الذروية لا شيء يبقى، كل شيء مرشح للتفكك، وكل يقين معرض للسقوط.
أما الشكل الثاني فهو الانهيار العضوي أو الجسدي الذي يتجسد في قصة (مشوار) ، حيث يرصد الكاتب بتمهل مخيف انهيار الجسد عبر تفاصيله الصغرى تجاعيد استوطنت ذقنه منذ أمد بعيد، ولا قدرة لعظامه على تحمل البرد، وتعثره قبل سنة ونصف، ولهثه عند صعود الدرج، وهذا النوع من الانهيار هو الأكثر واقعية والأكثر قسوة، لأنه غير قابل للتراجع، ولا يحمل وعودا بالخلاص، إنه انهيار بيولوجي محض، يتحقق بصمت، ولا يحتاج إلى كوابيس، بل إلى مرآة ترى فيه ما لا يراد أن نراه.
أما الانهيار النفسي فيشكل العمود الفقري للمجموعة، ويتجلى عبر أنماط متعددة، أولها الجنون كنافذة على الحقيقة، ففي قصة “انهيار” يتحول البطل من كابوس إلى نبوءة، ومن نبوءة إلى جنون، ومن جنون إلى حقيقة، ويكمن العمق في المفارقة حيث أن البطل الذي يعتبر مجنونا هو الوحيد الذي يرى ما سيحدث، فالجنون هنا ليس فقدانا للعقل، بل امتلاك لرؤية مختلفة، لا تتسع لها العقول السوية أو الآمنة، وهذا يذكرنا بعلاقة الجنون بالحقيقة في الأدب الحديث، حيث يصبح المجنون صوت الحقيقة المكبوتة، أي (شاهد عيان) على ما لا يريد الآخرون رؤيته، وثاني هذه الأنماط هو جنون العظمة ووهم الاضطهاد الذي يتجلى في قصة (مطاردة) ، حيث يتطور وهم الاضطهاد إلى حالة نفسية معقدة إذ يسمع الراوي خطوات من خلفه ولا يرى أحدا، ويحتمي في بيته ويغلق الأبواب وينقل الأثاث، ويظن أن كل من حوله يتآمر عليه من زملائه ومديره وأخيه وصاحب الكلب، واللافت أن الكاتب لا يقدم لنا إجابة قاطعة حول حقيقة هذه المطاردة، هل هي حقيقية أم مجرد هلوسة؟ فهذا الغموض المتعمد يضع القارئ في موقع البطل نفسه، في حالة من الترقب والقلق المعرفي، فانتازيا الانهيار النفسي هنا لا تعمل على التشخيص الطبي بقدر ما تعمل على إنتاج حالة من الالتباس بين الواقع والخيال، وثالث هذه الأنماط هو الانهيار الاكتئابي الذي تقدمه قصة (معركة خاسرة) كنموذج صارخ، حيث يبدأ البطل روايته باعتراف صارم “معركتي مع الحياة خاسرة على الدوام، ولا أتذكر أني كسبت أي جولة ضدها، فقد كتبت علي الهزيمة منذ الصغر”، وتأخذ الرواية هنا شكل سلسلة من الضربات القاتلة التي تتوالى على البطل منها موت الأم، زواج الأب، موت الأب، دار الأيتام، الإيذاء، الاستغلال، الحريق، التهمة، إنها حياة مبنية على نظام من الانهيارات المتواصلة، التي تتحول في النهاية إلى هوية متجانسة مع الهزيمة “مهزوم من المهد إلى اللحد”.

أما الانهيار الأخلاقي فيعد المستوى الأكثر تعقيدا، لأنه لا يظهر كحدث خارجي، بل كخيار وكامتحان، ومن أبرز تجلياته خيانة الأمانة في قصة “جمرة في الجيب” حيث يواجه سراج اختبارا أخلاقيا صعبا هو سرقة المال لعلاج والدته، والكاتب لا يصور المسألة كخيار بين الخير والشر بوضوح، بل كصراع داخلي مرير بين صوت يقول “إنها ليست سرقة، إنها مجرد سلفة أو استدانة مؤقتة، أنا بحاجة ماسة، وهذا لن يضر الشركة” وصوت آخر يقول “هذه خيانة للأمانة، أنت موظف وثق بك، كيف تخون هذه الثقة؟”، فالانهيار الأخلاقي هنا لا يكمن في السرقة نفسها التي يعيد سراج ماسرقه قبل أن يتم اكتشافه، بل في هشاشة المبدأ عندما يواجه الحاجة، فالكاتب لا يبرر ولا يدين، بل يظهر بصدق كيف يصبح الإنسان ضعيفا أمام ضروريات البقاء، ومن أبرز تجلياته أيضا خيانة الحقيقة في قصة “شاهد عيان” حيث تكذب أم علي في المحكمة لحماية ابن أخيها ماجد الذي قتل رجلا، فالانهيار الأخلاقي هنا مضاعف لأنها كذبت وهي تعلم أنها ” تتبع الحق دوما” ومعروفة بنزاهتها، وضحت بالعدالة من أجل العاطفة العائلية، وانكشف أمرها أمام الجميع فأصبحت هي المتهمة، ويقول القاضي “شهادتك ليست فقط كذبا، بل هي تضليل للعدالة، وتلفيق للحقائق”، فالانهيار الأخلاقي هنا يتحول إلى خيانة مزدوجة خيانة للقيم التي تعتنقها، وخيانة للضحية التي تستحق العدالة، لكن الكاتب لا يكتفي بالخيانة، بل يقدم رؤية عميقة لحب قد يصبح جريمة إذ يقول: “الحب الذي لا يوفق بين العاطفة والحق يتحول إلى جريمة أخرى”، ومن أبرز تجلياته أيضا الغش والخداع في الشطرنج في قصة “كش مات”، حيث يقدم الكاتب نموذجا دقيقا للانهيار الأخلاقي في سياق تنافسي، فسليمان الذي يتتلمذ على يد العجوز الأسطورة يخسر أول مباراة ثم يقرر الفوز بأي ثمن في الثانية مستغلا جرح العجوز العاطفي وقصة حبيبته التي تركته، إذ يقول مخاطبا إياه: “الحصان حيوان أصيل كريم وفي لصاحبه، ولا يمكن أن يخونه، وما أفظع أن تخونك حبيبة تركت الجميع لأجله، ولكنها اختارت الغنى والثراء وطعنت قلبك في الصميم”، وينجح سليمان في الفوز على مستوى اللعبة لكنه يخسر أخلاقيا، ويلقن العجوز درسا مؤلما: “الشطرنج لعبة نبيلة، العبها بشرف، وإلا ستعيش مهزوما إلى الأبد”، فالانهيار الأخلاقي هنا لا يرتبط بالجريمة أو الكذب المباشر، بل باختراق روح اللعبة، أي بفقدان النزاهة في التنافس، وتحويل المعركة الرياضية إلى حرب نفسية قذرة.
أما المحور الثاني والذي يتمثل في تقنيات تمثيل الجنون وهو أكثر التقنيات إدهاشا في المجموعة هي تقديم الجنون كآلية لرؤية ما لا يراه الآخرون، أو ما يرفضون رؤيته، وهذا ليس تقديم الجنون كاستعارة، بل كوظيفة سردية، ويتمثل ذلك في الجنون النبوي كما في قصة “انهيار” حيث يصبح البطل نبيا مرفوضا، يرى الانهيارات قبل حدوثها ويحذر لكن لا أحد يصدقه، وعندما تتحقق نبوءاته لا يزداد إلا رفضا وتهميشا، والكاتب يقدم هنا نقدا لاذعا للمجتمع الذي يرفض الحقيقة إذا جاءت من مصدر غير مرخص، أو إذا كانت مزعجة، إذ يقول أحدهم للبطل: “أفهم أنك تتخيل ما ينهار أمامك، ولكن أن تتنبأ بالانهيار، فهذا مرض، بل كارثة أخرى”، فالجنون هنا ليس اختلالا معرفيا، بل رؤية حادة تخترق واجهة الواقع لتصل إلى ما هو آت، لكنها تدفع ثمن هذه الرؤية من الوحدة والرفض والسخرية، ويتجلى أيضا في الجنون الشاهد كما في قصة “نافذة صغيرة” حيث يقدم سميح نموذجا آخر للرجل المحبوس الذي يتفرج على الحياة من نافذة صغيرة في الحمام فيرى ما لا يراه الآخرون، فهو يعرف قاتل سعاد، ويعرف مكائد إخوته، ويعرف أسرار جيرانه، فالجنون هنا حيلة دفاعية، إذ أعلن إخوته أنه مجنون وحبسوه، لكنه في الواقع أكثر وعيا منهم، يراقب ويتعلم ويكتشف، فنافذته الصغيرة ليست سجنا، بل برج مراقبة، والجنون قناع يخفي وعيا حادا، وسخرية كاوية من المجتمع الذي يصنف المختلفين بـ”المجانين”.
كما يظهر الجنون كملاذ آمن في قصة “انهيار” حيث يصل البطل إلى مرحلة يطلب فيها البقاء في مستشفى المجانين قائلا: “أرجوك، اعمل معروفا، ودعني هنا، فأنا أعرف حالتي، فأنا مريض جدا، اتركني أعيش هنا، وسأكون طوع أمركم”، وهذه المفارقة الصارمة تجعل من الجنون ملاذا من عالم يصنف الحقيقة كمرض ويطرد من يراها، فالبطل يعرف أن العالم الطبيعي الخارجي أكثر خطورة من عالم المرضى العقليين، فجنونه هو عقله الصحيح، وعقل الآخرين هو جنونهم، ويظهر الجنون أيضا بوصفه عقابا اجتماعيا في قصة “نافذة صغيرة” حيث لا يكون جنون سميح حقيقيا، بل عقوبة فرضها إخوته عليه لأنه هدد بكشف نصبهم واحتيالهم إذ يقول: “اطلعت عن غير قصد على نصب واحتيال إخوتي، وخداعهم لرب عملهم بمبالغ كبيرة، ولما هددت بالإخبار عنهم إن لم يكفوا ويتوبوا، اتهموني بالجنون وحبسوني في الغرفة حيث وجدتني”، فالجنون هنا أداة عقابية، وآلية إقصاء، ووسيلة لطرد الصوت المزعج، إنه تجريم لمن يقاوم، ومطاردة لمن يرى، وإسكات لمن يتكلم، وهذه الرؤية الاجتماعية للجنون تذكرنا بتحليل ميشيل فوكو في “تاريخ الجنون” حيث يصبح الجنون وسيلة للمجتمع لطرد العناصر غير المتوافقة.
ووضح المحور الثالث الظل وتشكلات الازدواجية حيث يظهر الظل بوصفه رمزا نفسيا عميقا في المجموعة، وخاصة في قصة “أهرب من ظلي” حيث يقدم الكاتب أعمق تمثيل للظل، فالعلاقة هنا ليست علاقة إنسان بظله الفيزيائي، بل علاقة الأنا بجانبها المظلم، إذ يقول الراوي: “أنا لا أحب الظلال والعتمة، أشعر أن ظلي يتجسس علي، يعد علي أنفاسي، يراقبني، يتبعني في كل مكان، حتى في غرفة النوم لا يفارقني، وإن أطفأت النور، أشعر أنه قابع في مكان ما ينتظر الفرصة لينقض علي ويقتلني”، فالظل ليس مجرد انعكاس بصري، بل وعي آخر يسكن الجسد، يراقب ويترصد، إنه حضور غامض يعرف كل شيء عنا في حين نعرف عنه القليل، ويظهر الظل أيضا كامتداد للهوية المسحوبة عندما يحاول البطل الهروب من ظله بالسفر بالسيارة لكنه يفشل، إذ “خرج من السيارة، سار خطوات وتلفت حوله، فانتفض غضبا وهو يرى ظله متشبثا به”، فالهروب مستحيل ليس لأن الظل يلحق بنا، بل لأنه جزء منا وهنا تبلغ فانتازيا الانهيار ذروتها حيث انه لا يمكننا الانهيار التام لأن شيئا منا يبقى ملتصقا بنا حتى لو حاولنا التخلص منه، كما تعتمد المجموعة على منطقة رمادية بين الواقع والمتخيل، حيث لا يمكن للقارئ تحديد ما هو حقيقي وما هو متخيل، ففي “انهيار” نتساءل هل الانهيارات حقيقية أم كوابيس؟ النبوءات تتحقق لكن الراوي يبقى في المصحة النفسية، فالحدود غير واضحة وهذا الالتباس هو جوهر النص وليس عيبا فيه، وفي “مطاردة” نتساءل: هل هناك من يطارد الراوي حقا أم أن ذلك مجرد هلوسة؟ فالكاتب لا يقدم إجابة، بل يترك القارئ في حالة من القلق المعرفي مشابهة لحالة البطل، وفي “المرايا” من قصة “عندما تكذب المرايا” تعكس المرايا أحيانا الحقيقة وأحيانا الكذب، وأحيانا تعكس ما نريد رؤيته لا ما هو موجود، فالواقع نفسه يصبح مرآة مكذوبة، تعكس رغباتنا لا حقائقنا، وتظهر الازدواجية بين الأنا والآخر الداخلي في عدة قصص، ففي “انهيار” الشخصية الأخرى هي النبوءة التي لا تصدق، وفي “أهرب من ظلي” الشخصية الأخرى هي الظل الذي يطارده، وفي “جمرة في الجيب” الشخصية الأخرى هي صوت الضمير الذي يحاسبه، وهذه الازدواجية تخلق توترا دراميا يناسب فانتازيا الانهيار، لأن الانهيار الحقيقي ليس انهيار العالم الخارجي فقط، بل انهيار وحدة الذات نفسها وتحولها إلى ساحة صراع بين قوى متضاربة.
والمحور الرابع في المجموعة ناقش السرد والتلقي في بناء التوتر والمفاجأة حيث تتبع معظم قصص المجموعة نمطا تصاعديا دقيقا في بناء التوتر النفسي، ففي “انهيار” يتصاعد الانهيار من بناية إلى شارع إلى حي إلى غابات وجبال إلى كون، وفي “مطاردة” تتصاعد الخطوات من خافتة إلى متتابعة إلى ركض إلى مواجهة، وفي “عرض مميز” ينتقل المشهد من صمت إلى ظلام إلى صوت الموت إلى عرض إلى رفض إلى مفاجأة طفلة، وهذا التصعيد يخلق حالة من الشد السردي تدفع القارئ لمواصلة القراءة مع شعور متزايد بالقلق مما سيحدث بعد ذلك، ويلجأ الكاتب أيضا إلى التكثيف عبر التفاصيل الصامتة كتقنية لبناء التوتر، ففي “مشوار” تؤدي تفاصيل إعداد العجوز للخروج من حلاقة وتهذيب وكولونيا وربطة عنق وحذاء إلى خلق توقع لحدث كبير، لكن المفاجأة تكون في عودته للبيت ليتأكد من إطفاء المدفأة، وهذا التضخيم لتفاصيل صغيرة مقابل توقعات كبيرة يخلق سخرية درامية مؤثرة، كما يستخدم التكرار الرتيب، ففي “انهيار” يتكرر الكابوس مع تصاعد، وفي “مطاردة” تتكرر الخطوات، وفي “الحي المهجور” يتكرر البحث عن دليل حياة، والتكرار هنا ليس عجزا سرديا، بل تقنية لإنتاج الرتابة المقلقة التي تشبه القلق النفسي ذاته الذي يتكرر ولا ينفع. وتتميز المجموعة بنهايات مفاجئة يمكن تحليلها إلى عدة أنماط، ففي النهاية الساخرة العكسية كما في “انهيار” يطلب البطل الذي تنبأ بالانهيارات البقاء في المصحة ويراها الملاذ الآمن، وهذه النهاية تعكس منطق النص كله الجنون حكمة، والمرض صحة، والسجن حرية، وفي النهاية المفتوحة كما في “مطاردة” لا نعرف حقيقة المطاردة ولا نعرف من أين جاءت، فتظل النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات مما يترك القارئ في حالة من القلق المعرفي، وفي النهاية القاسية كما في “عرض مميز” حيث يقدم الموت فرصة للحياة الأبدية مقابل موت طفل لكن لا أحد يقبل إلا الطفل، فتكون النهاية مأساوية لأنها تكشف عبثية الحياة وادعاءاتها، وفي النهاية الأخلاقية كما في “كش مات” حيث يفوز سليمان باللعبة لكن يخسر أخلاقيا، فالنهاية تحمل عبرة واضحة هي أن الانتصار الحقيقي ليس بالفوز الظاهر، بل بالنزاهة والروح الرياضية، ويتنوع الإيقاع في المجموعة بين إيقاع سريع في قصص الحوادث مثل “انهيار” و”مطاردة”، وإيقاع بطيء في قصص التفاصيل مثل “مشوار” و”متاهة”، وإيقاع متقطع في قصص الحوار الداخلي مثل “جمرة في الجيب” و”معركة خاسرة”، وهذا التنوع الإيقاعي يتناسب مع طبيعة كل قصة ويسهم في إنتاج دلالاتها الخاصة، فالقصة البطيئة تترك مساحة للتأمل والقصيرة السريعة تخلق حالة من الذهول والمفاجأة.
أما المحور الخامس: البعد الاجتماعي والنقدي يقدم الكاتب نقدا حادا للفقر والطبقات، وخاصة في قصة “ضيف على حاوية” حيث يقدم لوحة قاسية للمجتمع الطبقي إذ يقول الراوي: “من قال إن الناس طبقات ثلاث غنية ومتوسطة وفقيرة؟ لقد خبرت هذه المدينة الظالمة، ووجدت الناس فيها عشر طبقات على الأقل بين الغنى المتوحش والفقر المدقع”، وترصد القصة تناقضا صارخا بين حي فاره وآخر بائس يفصل بينهما شارع واحد، والنباشون في الحاويات يجدون من النفايات ما لا يجدونه في الأسواق الشعبية، فالفقر هنا ليس مجرد حالة مادية، بل نظرة اجتماعية تعزل الفقير حتى عن الفقراء أنفسهم، وتتجلى هشاشة العمالة في قصة “معركة خاسرة” حيث يتعرض البطل لاستغلال فاحش من صاحب العمل الذي يختلس أجرته بعد خمس سنوات من العمل بإبداع وحرفية، وفي “جمرة في الجيب” يواجه العامل خيارا مستحيلا بين سرقة مال الشركة وعلاج والدته، فالفقر هنا ليس قدرا، بل نظاما يستغل الضعفاء ويدفعهم إلى الانهيار، كما يقدم الكاتب نقدا للقيم الأخلاقية الزائفة، ففي “كش مات” يظهر العجوز كشخصية نبيلة وأخلاقية لكنه يخفي جرحا عاطفيا عميقا، ويكتشف سليمان هذا الجرح ويستغله للفوز، وهو ما يكشف أن الأخلاق ليست دائما عميقة، بل قد تكون واجهة تخفي آلاما أعمق، وفي “شاهد عيان” يبدو القضاء عادلا في البداية بإدانة الكاذبة، لكنه لا يغير من مصير ماجد القاتل الحقيقي، فالعدالة هنا لا تصل إلى الجاني، بل تكتفي بمعاقبة الشاهد الكاذب، والنقد هنا للقضاء الذي يكتفي بالشكليات ولا يصل إلى جوهر الظلم، وينتقد الكاتب المؤسسات المختلفة، فمؤسسة الصحة النفسية في “انهيار” لا تعالج بل تحجب الرؤية وتحتوي التمرد، والموظفون غير مبالين والأطباء لا يفهمون حالاتهم، والنقد هنا للمؤسسة التي تصادر الوعي بدلا من معالجته، أما مؤسسة الأسرة فليست ملاذا في المجموعة، ففي “انهيار” الأسرة في دولة أخرى والعلاقة متوترة، وفي “معركة خاسرة” الأم تموت والأب يتزوج وزوجة الأب تطرد البطل، وفي “نافذة صغيرة” الإخوة يحبسون أخاهم ويتهمونه بالجنون، وفي “جمرة في الجيب” البطل وحيد لا عائلة حوله، فالأسرة هنا مؤسسة فاشلة تنتج العزلة والألم وتدفع أبناءها إلى الانهيار بدلا من احتوائهم، أما مؤسسة القانون ففي “شاهد عيان” تكتفي بالشكليات وتضيع الجاني، وفي “انهيار” لا تردع أحدا ولا تمنع الانهيارات، وفي “جمرة في الجيب” تتعاطف مع سراج لكنها تخضع للإجراءات البيروقراطية، فالقانون هنا ليس أداة عدالة، بل جزء من آلة تساهم في إنتاج القلق والانهيار بدلا من احتوائه.
إن تأويل فانتازيا الانهيار تتجاوز مجموعة “أهرب من ظلي” كونها مجموعة قصصية لتشكل نصا ثقافيا يعكس حالة إنسانية راهنة هي الانهيار الوجودي للإنسان في زمن العزلة والرقمنة والتفكك الاجتماعي، وما يميز فانتازيا الانهيار في هذه المجموعة أنها ليست مجرد موضوع أدبي، بل منهج سردي ورؤية فلسفية، فهي منهجيا تقوم على انهيار الحدود بين الواقع والخيال، بين الصحو والكابوس، بين الجنون والعقل، بين الحقيقة والكذب، وهي رؤية تقدم الإنسان ككائن قابل للانهيار في كل لحظة، والعالم كشيء قابل للتفكك دون سابق إنذار، والقيم كشيء قابل للسقوط تحت ضغط الحاجة أو الرغبة، لكن في داخل هذه الفانتازيا المظلمة ثمة بصيص أمل، فالبطل في “انهيار” يختار البقاء في المصحة لكنه وجد فيها سكينته، وأم علي في “شاهد عيان” تواجه عقابها لكنها تعترف بخطئها، وسراج في “جمرة في الجيب” يعيد المال ويعترف بجريمته فيبقى ضميره حيا، وسليمان في “كش مات” يخسر أخلاقيا لكنه يتعلم درسا، وربما يكون هذا البصيص هو ما يجعل فانتازيا الانهيار ليست تشاؤما مطلقا، بل صرخة وعي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في زمن الانهيارات المتواصلة.





