منال رضوان تكتب عروشٌ خلف الستار، محطات من التاريخ الخفي لصراع الحرملك

لا ريب أن دراسة النزاعات السلالية في التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث تُشكل المدخلَ الأساس لفهم آليات السلطة داخل البلاط الشمولي، الذي تباينت مسمياته بين الإمارة والخلافة والسلطنة؛ مع اختلاف تلك المسميات ظلّ الحساب العائلي -من روابط دم أو نسب- مُتداخلًا مع السياسات العليا للدولة.
بيد أنه في السياق ذاته ظهر صراع الحرملك باعتباره المحرّك غير الرسميّ، والأكثر حسمًا وأثرًا في رسم خرائط النفوذ وتحديد مصائر الإمبراطوريات والممالك؛ فيمكن القول إن القصور -في حالات شهيرة- تحوّلت إلى مراكز استراتيجية موازية لدواوين الحكم، تُعقد التحالفات فيها كما تُدار عبرها التصفيات السياسية.
-بين الهوى والميل الأمومي لاقتناص الحكم لابنٍ من دون الآخر- تسعى هذه السطور إلى عقد مقاربة تاريخية موجزة بين ثلاث حالات مفصلية شهدت نزاعات داخلية حادة؛ الأولى في الدولة الخوارزمية (٥٧٣ – ٦٢٨ هـ / ١١٧٧ – ١٢٣١ م) عبر الصراع الأخوي وتدخلات القصر الملكي، والثانية في أروقة الدولة العثمانية (٦٩٩ – ١٣٤١ هـ / ١٢٩٩ – ١٩٢٤ م) بين أبناء السلطانة خُرَّم، والثالثة في ذروة عهد (سلطنة الحريم) مع قُسَم أو السلطانة الأم، وصولًا إلى استدعاء حديث يتصل بالبيت الملكي المصري قبل عقود قليلة.
تعتمد هذه المقاربة على التفكيك التحليلي لما وثقته المصادر التاريخية المدققة، مثل كتابات ابن الأثير والجويني في الشرق الخوارزمي، وأدبيات المؤرخين العثمانيين كإبراهيم بيتشوي ومصطفى نعيما؛ لاستكشاف كيف أدى غياب القوانين الدستورية الثابتة لوراثة العرش، إلى تحويل الأجنحة المغلقة إلى حلبات صراع أطاح باستقرار الإمبراطوريات المشيدة.
تجسد الدولة الخوارزمية النموذج الأول للنزاع السلالي المتشابك مع نفوذ الحريم القَبَلي، وهو ما يتجلى في ذلك الصراع الممتد الذي أعقب وفاة السلطان إيل أرسلان سنة ٥٦٨ هـ / ١١٧٢ م؛ إذ انقسم البلاط الخوارزمي فور رحيله بين جناحين: الأول تقوده الزوجة الملكية تركان خاتون (الأولى) التي سارعت بتنصيب ابنها الأصغر سلطان شاه محمود على عرش العاصمة (أورغنج)، والثاني يمثله الابن الأكبر علاء الدين تكش الذي كان يتولى إمارة جند النائية. اضطر تكش أمام هذا الاستبعاد السياسي إلى تحريك القوى الخارجية، فلجأ إلى القراخطائيين (الخِطا) وهي قبائل انحدرت من شمال الصين تدين بالبوذية والوثنية.. فاستعان بهم كحليف عسكري لقاء جزية سنوية، وأدى زحف تكش بالجيوش إلى فرار سلطان شاه وأمه نحو خراسان، لتبدأ حرب استنزاف داخلية استمرت زهاء عقدين ولم تتوقف إلا بوفاة سلطان شاه سنة ٥٩٠ هـ / ١١٩٤ م.
تمتد مأساة هذا البيت حين نعاين اتساع الرقعة الجغرافية للدولة، إذ كان الانقسام يتغذى على العصبية القبلية للتركمان والمماليك داخل الجيش؛ فأسهم هذا الشقاق في شل حركة التوسع الخوارزمي نحو الغرب والجنوب فترة طويلة، وفرض على تكش استنزاف موارده المالية في إرضاء القراخطائيين بدلاً من بناء جبهة داخلية موحدة.
غير أن نمط تدخل (الخباء) امتد بشدة في عهد ابنه محمد خوارزم شاه (٥٩٦ – ٦١٧ هـ / ١٢٠٠ – ١٢٢٠ م) عبر أمه (تركان خاتون الثانية)، التي فرضت نفوذًا مطلقًا واستقلت بديوان وختم خاصين، وعملت على تعميق الفجوة بين السلطان وابنه ولي العهد جلال الدين منكبرتي لصالح أبنائها المنتسبين لقبيلتها (الكانقلي).
ليؤدي هذا الانقسام الرأسي إلى تجريد الدولة من تماسكها قبيل المواجهة الحاسمة مع الزحف المغولي، فكان الصراع الداخلي مقدمة تمهيدية لسقوط الإقليم بأكمله وأسر تركان خاتون على يد المغول سنة ٦١٧ هـ. لقد أظهرت تجربة الخوارزمية أن تدخل الحريم لم يقتصر على المكائد الفردية، بقدر ما تحول إلى مؤسسة موازية تملك جندها ورجالها، حيث كانت تركان خاتون الثانية تصدر الأوامر والسجلات الرسمية وتنقض قرارات السلطان نفسه، مما أربك قادة الولايات وجعل الولاء للعرش منقسمًا بين ديوانين، وهو ما سهل على الجيوش المغولية اجتياح المدن الخوارزمية واحدة تلو الأخرى في غياب قيادة موحدة تصد العدوان..
أمّا الحالة الثانية فتتجلى في البلاط العثماني خلال القرن السادس عشر، وتحديدًا في أواخر عهد السلطان سليمان القانوني (٩٢٦ – ٩٧٤ هـ / ١٥٢٠ – ١٥٦٦ م)؛ هنا أخذ صراع القصر طابعًا دراماتيكيًا بين أخوين شقيقين من أم واحدة هي السلطانة خُرَّم،
الأمير سليم والأمير بايزيد. تميز بايزيد بشجاعته وشعبيته بين الإنكشارية، بينما امتلك سليم دهاءً سياسياً وقربًا من التوازنات المحيطة، بينما على جانب آخر أدى غياب قاعدة ثبات المفاضلة -عقب وفاة والدتهما السلطانة خُرَّم التي كانت تضبط إيقاع التنافس- إلى صدام عسكري مباشر؛ إذ أعلن بايزيد العصيان وحشد قواته، فدعم السلطان سليمان ابنه سليم بالجيش السلطاني، والتقى الجيشان في معركة قونية سنة ٩٦٦ هـ / ١٥٥٩ م. أسفرت المعركة عن هزيمة بايزيد وفراره إلى البلاط الصفوي لطلب اللجوء عند الشاه طهماسب، عندها تحولت القضية إلى ورقة مساومة في السياسة الإقليمية، وبعد مفاوضات معقدة استمرت عامين، أُسلم بايزيد وأبناؤه للمبعوثين العثمانيين وأُعدموا في قزوين سنة ٩٦٩ هـ / ١٥٦١ م، مما رسخ مبدأ التصفية الشاملة للمنافسين لحفظ وحدة العرش… التي رجحت مصادر عدة، استمرار العمل به بعد ذلك كقاعدة تحفظ للسلطان الجديد عرشه.
بيد أن عمق الفاجعة يتضح في هذا الصراع العثماني حين ندرك أن الأم (السلطانة خُرَّم) كانت قد مهّدت الطريق لسلسلة التصفيات عبر إزاحة ولي العهد الأول مصطفى (ابن السلطانة ماه دوران)، ظنًا منها أن ذلك سيضمن سلامة أبنائها الأشقاء.
لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا؛ فبمجرد غياب الأم الحامية، طفت الأطماع الشخصية على السطح، واستغلت القوى العسكرية -كفرسان الإنكشارية- هذا التنافس لتحقيق مكاسب مالية وسياسية، مما أجبر السلطان سليمان -في أواخر حياته وبعد كبر سنه- على خوض مواجهة دموية ضد ابنه بايزيد، تدعيمًا لاستقرار الدولة ومقومات بقائها، ولو كان الثمن إبادة فرع كامل من أسرته وإعدام أحفاده الصغار في الغربة!
وتتمثل الحالة الثالثة في الذروة المأساوية لنفوذ القصر خلال القرن السابع عشر مع السلطانة قُسَم (المعروفة بـ ماه بيكر، أي وجه القمر والمولودة باسم أنستاسيا)، التي تحولت من زوجة للسلطان أحمد الأول إلى الوصية المطلقة على العرش لعدة عقود، معاصرة أبناءها وأحفادها.

مارست قُسَم أو (كُوسم) سلطة استبدادية تسببت في إزاحة كل من حاول الاستقلال بالقرار؛ فشهدت فترة ابنها مراد الرابع (١٠٣٢ – ١٠٤٩ هـ) صراعًا مكتومًا للسيطرة، بينما انتهت فترة ابنها إبراهيم الأول (١٠٤٩ – ١٠٥٨ هـ) بالخلع والإعدام نتيجة تضارب المصالح، حتى بلغت الأزمة أوجها حين اعتلى الحفيد الصغير محمد الرابع العرش، فاكتمل الصدام بين الجدة (قُسَم) والأم (السلطانة خديجة تورخان) على إدارة الوصاية، وتحول الحرملك إلى حرب أجنحة بين فرق الإنكشارية والفرسان، انتهت بمصرع قُسَم خنقًا داخل القصر سنة ١٠٦١ هـ / ١٦٥١ م.
في هذه المرحلة كانت سلطنة الحريم قد بلغت أقصى درجات التشابك والتعقيد، إذ استبدلت السلطانة قُسَم بالدواوين الهيكلية شبكة من الجواسيس والولاة التابعين مباشرة لها، وأصبحت الترفيعات (الرتب) والعزل في المناصب العليا (كالصدر الأعظم وشيخ الإسلام) تتحدد بناءً على مدى الولاء لجناح الجدة (للمزيد: أحمد صالح علي، عصر التنظيمات).
هذا النفوذ الممتد أفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، وأسهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية وتراجع انضباط المؤسسة العسكرية، ليتجاوز الصراع حدود المكائد الشخصية ويصير حربًا مفتوحة في شوارع الأستانة، استخدمت أجنحة القصر فيها الفصائل العسكرية المسلحة، مما عجل بمصرع قُسَم وتسبب في اختلال توازن الدولة لفترة طويلة.
ولا تقف آليات توجيه الكواليس عند حدود التاريخ الوسيط والحديث، بل امتدت مظاهرها إلى العصر المعاصر؛ وتتجلى إحدى مفارقاتها في تاريخ مصر الملكي -مع اختلاف درامي أوجبته طبيعة تصرفات الملكة الأم- عبر موقف الملكة نازلي إبان وفاة الملك فؤاد الأول سنة ١٩٣٦ م، فقد احتسبت نازلي سنّ نجلها (الأمير فاروق) بالتقويم الهجري لتعجيل بلوغه سن الرشد القانونية (١٨ عاماً هجرية)، حاسمةً بذلك صراع الوصاية، لتسليمه السلطة المباشرة وتفادي هيمنة الأمير محمد علي على الحكم. غير أن هذه اليد الأمومية القوية التي صنعت شرعية فاروق المبكرة، كانت هي ذاتها الثغرة التي أضعفت هيبة العرش لاحقًا؛ إذ أسهمت الصراعات اللاحقة داخل أروقة القصر، والأزمات الشخصية للملكة الأم، في تعرية النظام الملكي سياسيًا وإداريًا، لتشكل مقدمة تمهيدية للإطاحة بالعرش بأكمله عام ١٩٥٢ م.

بالنهاية يكشف هذا الامتداد الحديث عن استمرار طبيعة إدارة الحكم عبر العلاقات الأسرية والشخصية داخل الأنظمة الوراثية، نزق الملكة وعنادها بدعوى أن فاروق لم يعد ابنًا مطيعًا يحترم أوامر أمه -كما روجت لتلك الحجة في لقاء وساطة جمعها بالنحاس باشا وزوجته زينب هانم-
أدى ضمن أسباب كثيرة إلى الأزمات الدستورية والسياسية مع الأحزاب الشعبية وقوات الاحتلال البريطاني، مما جعل العرش يفقد ظهيره الشعبي والمؤسسي تدريجيًا، ليخرج البعض قائلًا:
ـ كيف له أن يحكم أمة، من لم يستطع أن يحكم أمه؟
ليتكرر السيناريو ذاته الذي شهدته العروش القديمة حين تتدخل الإرادة الفردية لفرض ترتيبات العرش بعيدًا عن الاستحقاقات الوطنية والمؤسسية.
إن المتأمل في هذه المحطات المتفاوتة زمنيًا وجغرافيًا يدرك أن صراع الحرملك كان معمارًا سياسيًا موازيًا تحكَّم في مفاصل الدول وأعاد تشكيل خرائطها.
كما أدّى غياب الآليات الواضحة لتداول السلطة إلى بروز القرابات والعواطف الأمومية كأدوات تتويج غير رسمية، تُدار المصائر بها عبر الدسائس والتصفيات بعيدًا عن التوازنات المؤسسية. هكذا أصبحت الأجنحة المغلقة -في بعض الحالات- المكمن الأول لتهديد السلالات، بعدما التقت المصالح الفردية بالطموحات القبلية والعسكرية لإنتاج فراغٍ سياسي وتخبطٍ إداري، أسهم في الاقتتال بين ذوي الأرحام.
إن القراءة النقدية لمسار القصور -من إمبراطوريات الشرق القديم وصولًا إلى العروش الحديثة- تكشف لنا عن طبيعة السلطة الشمولية، وتوضح كيف يتسبب النفوذ المدار من خلف الحجاب في تآكل العرش من داخله، ليمسي الاستقرار الظاهري مجرد غطاء لتداعي الهيكل السياسي ومن ثم الانتهاء إلى انهيار الدولة برمتها.
هوامش:
ـ ابن الأثير: الكامل، ج ١٢ ص ٨٠ وما بعدها.
ـ الدولة الخوارزمية والمغول: حافظ أحمد حمدي، ط ١، ١٩٤٩م.
ـ المغول: د. السيد الباز العريني ـ التقوى، ط ٢٠٢٤.
ـ الإصلاحيون، عصر التنظيمات، الدولة العثمانية في القرن الـ١٩ (مدحت باشا نموذجًا): د. أحمد صالح علي محمد.





