أحمد طنطاوي يكتب حين يصبح الوجود علامة استفهام
قراءة في نص الشاعر أحمد بيضون وأيما حقيبة

حين يصبح الوجود علامة استفهام….
[1]
الشعر فى هويته المعاصرة(شكله المعاصر) هو النبض الوجدانى
المتأمل تجاه القضايا العميقة للإنســـان و الوجود الموغلة فى
حناياه .. نبض فكرى ( ذهنى ) موقَّع عبر موســــــــــــيقاه( الظاهرة
و الحفية ) للظلال ، وحركات انعكاس القمر و الأشـــجار على الأرض
فى الليالى الصافية , و تلك الأنفاس الحيرى ، والأسئلة التى ما تفتأ
تتردد تاركة أصداءها خفقات هادئة منغَّمة كمايبدو فى الشــــعر
الفلسفى خاصة أو تلك القصائد التى تتوخى الأســــــئلة العويصة
فى قصيدة النثرتحديدًا و التى تتجاوز الشـــــكل الإيقاعى الواضح
و الصارخ _ كونها تخلو منه بالأساس_ و تتخذ مكانًا وســــطًا بين
الشعر و النثر، هى ” ليست نثرًا خالصًا و ليست شعرًا خالصًا ، إنما
تقوم بتُشــكيل النثر فى هيئة جديدة ، مكان و جســــــــر بين الإثنين ،
و هذا الجسر يحاول أن يجد داخل النثر ( أغنية النثر ) ، أى أن يغنى
النثر من داخله” كما يقول الشاعر اللبنانى عباس بيضون .
إنها نظرة جديدة للحياة ، تعامل و اكتشــــــاف و تفاعل حى ، و أى كتابة
لقصيدة جادة هو تعامل معها كبناء فلســــــفى نابع من تجربة مسرفة
فى الذاتية و الخصوصية يكتشف بهاالشـــــاعر نقطة ما داخله لم تظهر
له قبلا ، حيث كانت تغطيها المفردات اليوميــــــة العبثية التى تبعده عن
حقيقته و ذاته الأصيلة ، لذا كان الأدب هو اهتمام الفلسفة الوجودية
التى رأته التطبيق الحى الأمثل لعرض مبادئها و خيوطها العامـــــة ، فهو
الحركة و التفاعل النشـــــــــــط سواء مع الذات أو مع الآخرين .. أى أن كل
قصيدة بالتبعية هى ( اكتشاف ) بمعنى من المعانى ، و خاصة إذا كان
موضوعها هو بالدرجة الأولى الهم الإنسانى و المشــــــــقة فى الرحلة
السيزيفية العبثية التى يجتازها الإنسان رغمًا عنه ، و هو ما ينطبق على
قصيدتنا هذه ، فالتجربة الوجودية فيها و التى هى متشابكة فى صراعها
من أجل محاولات التحقق تجسِّد تساؤلات الدهشة اعتمادًا على استنطاق
( الشىء) أو النبش فى الركام للإمساك بحقيقته المخفية مؤقتًا لإعادة بناء
الماضى كله و الاستجلاء المعرفى حدسيًا خطوة خطوة ، و الشــــــاعر بتلك
اللمحة الخاطفة الكشفية و لحظة التأمل القدسية هذه يســــعى لمواجهة
الحقيقة ليس كشىء _ جوهر _ و لكن كبداية لرحلة سبر حياته من جديد ،
وبالتالى يعيد ترتيب حياتـــه الحميمية الأصيلة خطوة خطوة فيما يقارب
( مراحل الوصول الصوفى المتدرج ) كانبلاج الصبح ، إشراقة التعرف ، أو
هو الجلاء الروحى حسب الفلسفات الشرقية الباطنية.
هذه اللحظة النادرة بالغة الخصوصـية التى يجابه فيها الإنسان نفسه فى
جدلية مع الأشياء تتعين أمامه وجودًا آخر تنعكس عليه صورته كما المرآة
متسائلا : أأنا هذا الماثل أمامى ؟ و قد اختُزلت أشيائى فى تشكيل منسق..
حين تنحصر الاشياء فى أقواس كما فى الظاهراتيـــــــــة ( الفينومينولوجيا )
معلَّقة ومتوقِّفة عن أى حكم ، مشروطة بالتأجيل فى توصيفها .
و هذه القصيدة مرثية ذاتية موجهة للداخل عائدة على الشخص نفسه بداية،
او أغنية حزينة ترســــــم أبعاد الغياب و الفراق و البعاد و تأمل يخاتل صداه
جنبات قصر قديم قابــــــــــع هناك كطلل لم تزل معالمه تتبدى للقلب الحزين
أسىً ًو لوعة ، مع التأكيد أن هذه كلها معادلات موضوعيــــــة لا ترتبط بحبيب
بشكل خاص ، و بالتالى فهى تنعكس عليناجميعا قى وجودنا الحياتى العميق .
و ربما كان هذا هو سبب عدم وضغ عنوان للقصيدة يؤطرها فى نطاق ضيق
واحد .
تستهل القصيدة ( البكائـــــية ) رحلتها بتثبيت رمز الحقيبة كأيقونة ، و الحقيبة
علامة تستدعى على الفور التنقل و الرحيل و كل ما ذكرته سابقًا .
القصيدة إذن هى رحلة روحية كشــــــفية و حوار باطنى عميق بغية التعرف
و الاستبصار ،و هى تجربة وجودبة بامتياز .
( تكملة )
[2]
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
طبوغرافيا القصيدة
…………………….
و إذا تجولنا فى أبهاء القصيدة ملامسين أبجديتها فى
محاولة لقراءتها فى صورة نثرية( اســـــتعراض نثرى )
سنرى أنها نداء فى لحظة توقف و مراجــــــعة للذات
أمام رمز ومحرك وجدانى يفجر الانفعالات الكامـــنة
الحبيسة فى خطاب تفاعلى :
[يالها من حقيبة [ حقيقة ] من سنابل مزدهرة تقبع ثاوية
بين وجود و عدم ، تتأرجح بين شك و يقين .. نوم و يقطة ..
صحو وسبات تهوى فى الفضاءات لا تروم ، تنبثق فى
فى فوضاها العارمــــــــة ذكرى مقابر من رحلوا و فارقوا
معلنةً عن أساها ، بيد أنــــه وأمام صلابة نفســــــــــــــــى
المتماســـــكة ، و فى غمرات تيه التأرجح و التردد تلمع
فى بهرجة فتنتها المُعرية فتغوينى زينتها الآسرة ، لكنها
_ مع ذلك _ ما لبثت أن توارت ثم تلاشـــــت كحلم راحلة
فى صمت تاركة إياىَ وحيدًا فى فيافــــــى فراغ الوحدة
بغيابها الفجائى المزلزل ، و فى ســــيرينادا حلمية يناجى
الشاعر :
فيا كل حقيبة محملة بأعباء الذكريات المجهضـــــــــــــة
حنانيك فقد حطمت كاهلى و أنت ترقدين كأحد رموز
العذاب على حافة كون ملتهب داخل جوانحـــــــــــــــى
تنتفض ذكرى من بستان الفقد..
ثمة رموز للنماء تطل من جنبات فراغات آمالى و أحلامى
تدغدغ فى جسارة كل شعلة لم تنطفىء و كل أمنية لم
تخبُ نيرانها المتــــــــــقدة ، لكنها دونما رحمة ما تلبث أن
تتوارى تاركة إياىَ فى حومة جحيم لا أدرى متى ينتهى .
ثمة أنشودة تضاهى عذاباتى بطلها طفل _ قد أكون أنا_
فى رحلة ارتداد حزين و سفر انعكاسى نكوصًا إلى ماضٍ
مضى و لم أنتبه له فى غفلة منى , ثمةما يعتمل داخلى
و يهز أركان ثباتى يؤرقنى فورانه و ما يجيش .
…..
إنها أنشــــودة الغواية ( الإغواء) و الفتنة إذن , و ثمـــــــة
مقابلة _ بين وجود (بذاتـــــــــه) صلب لا يعى و لا يختار
و لا يتحرك لغاية محددة ، حقيبة هى أداة نســــــــتخدمها
و رغم انها تعايشنا و تشترك معنا فى مواقفنا و تعيش
الأحداث نفســــــها إلا أنها ( تعايش ) ذلك كمتفرج محايد
و لا أثر فينا نتيجة هذه المعايشة ، فقط قد ننظر إليها
سائلين إياها أترين ما حدث ؟ أو نصب عليها جام
غضبنا إذا ثرنا فى موقف ما _ و بين إنسان موجود
( لذاته) لا نعرف خطوته القادمة أواختياره التالى ،
إنها حقيبة الفقد و الضياع إذن .. حقيبة الســــــــــلب
أو العدم.
هناك حقيبة( ذكرى ) تداعب بأســــــــــى خيالى الباكى
لطفل قد يكون أنا فى تيارات الذكرى العاتية ،فأتذكر
ماضىَّ البائس فتنتفض فىَّ الذكرى كغيوم ـ وتســيل
الدموع من المآقى المجهدة فى أحلامـــــــــــىَ الثكلى
تهاجم خاطرى جحافل الماضى كانتفاضات بركان غاضب .
……………………………..
يا رفاق الأسى _ يا زملاء المحنة و من عاشوا نفس الوهن _
ياأخوة السؤال الأبدى المبهم و وزملاء رحلة اللاعودة عليكم
التزام الحذر فالأمر أخطر من تساؤلانكم اللامجدية … اهربوا
حيث مرافىء النجاة ( و هى داخلكم ) فربماتصادفون ذياك
البريق و تلك السكينة المرتجاة و ذلك القارب الذى يعبر بكم
أمواج الحيرة و الضباب .
القصيدة إذن لا تتكلم عن فقدان حبيب بذاته أو سفر معتاد معلوم
لنا فى صورته الذهنية ، إنما هى اختراق _ لو جاز التعبير _ للأفاق
المكانية هنا / و نوع من معراج للاكتشاف فيما يماثل رحلة الصوفى
كما فى مثال” النفرى” فى مواقفه و مخاطباته .
إنها قصيدة وجودية \ كشفية , و علينا ان نقرأها بهذا المنظور ، فرب
ضوء قد يهل وقد تلوح مع سانحات الخيال بشائر فرح و ازهار لتبدِّل
هذه الغيوم الجاثمة بالبشرى و السعادة بعلامات الأمل و تزيج هذا
الظلام ليبزغ النور ساطعًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ[3]
والقصيدة بالتأكيد واحدة من تجليات شعر الحداثة الذى يقوم على
فهم جديد لوظيفة الشعر و تعامل مختلف مع المشــاعر و الأفكار
و الحياة ،و تركيب القصيدة نفسه الفنـــــــــــى و الدلالى و الإيقاعى
و الموسيقى الهادىء و المتوارى الآتى من بعيد كهمســـــات منبهة
للروح و الذهن.. تعامل فلســـــــــــفى مع المنظومات و الركائز حيث
الإنسان الآن فى العصر الحديث لا يحمل بعُدًا واحدًا بسيطًا كما فى
حياة البادية مثلا و الذى مثلته و عبرت عنه القصيدة التقليديــــــــــة
( الشعر الجاهلى على الأخص)
فالإنسان المعاصر يختلف تمامًا بالتأكيد عن إنسان العصور القديمة
منذ مئات الســـــنين خيث أن تشابكات الحياة و تعقيداتها و تغيراتها
المدهشة التى طرأت جعلت الوعى تام الاختلاف و النطرة تتعارض
تماما عن تلك القديمة ما حعل الانطباعات تتغير وجدانيًا
مع ذلك التغير الذى شمل العقل و النفس.
…………………..
و فيما يتصل بالقيم الجمالية التصويرية و البلاغية :
** فالارتباط العضوى بين الشـــــــكل و المضمون اقتضى تواجد ( هذا )
التساوى و الاتزان و الســـــــيمترية بين المضمون و الاستدعاء التركيبى
للعبارات و الكلمات تشكيلا فنيًا متوازنًا مرتبطًا يحمل دلالاته ، و يمكننا
استدعاء علامتين هامتين هنا :
الأولى الوشـــائج التى تربط القصيدة بالجو العام لقصيدة الرجال الجوف
ل ت . إس . إليوت ، أى الفراغ والضياع و اليأس ، و الرحيل إلى المجهول
و الوقوف أمام الذات مراجعة و تســاؤلا و مناجاة، و مثالها الدال حقيبة
السفر و الترحال ، و أيضًا الرابطة التى تربطها فيما يتصل بالشــــــــــــكل
الشعرى مع قصيدة الهايكو اليابانية القائمة على نظام المقاطع الذي
يتكون من ثلاث جمل تحوي الأولى خمسة مقاطع والثانية سبعة والثالثة
خمسة، و الهايكو أيضًا _ من جهة أخرى _ يرسم لنا الأشياء البسيطة فى
شكل جديد لنرى المخفى منها و نتساءل كيف لم نر هذا قبلا ؟
و كأنها إعادة لمقولة أفلاطون المعرفة تذكر ، هى قبلـــــية مودعة فينا
و علينا فقط إزاحة الأتربة المتراكمة على العقل، و كما عرَّفته الدكتورة
آمنه بلعلى أنه :
”شكل شعرى يابانى يعبِّر عن استدعاء ملاحظة أو إحساس عن العالم
الخارجى و لحظة حاضرة ينبغى على القارىء أن يعيشــــها مع الكاتب
لكى يشاركه فيها ،
” و فى كلمة لرولان بارت عنه ما يؤكد هذا المعنى
[ “إنه عملية إظهار مفاجئة للأشـــــياء كما تجلت لنا ،
إظهار مفاجىء للواقع الذى يبرز عاريًا من أى ظهور
و لا يمكن اختصاره فى أى تعليق” .
( تجربة شعر الهايكو العربى من خلال رواده \ الجزائر )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرة أخرى القصيدة تمثيل لرحلة التعرف و الكشـــــف عن الجوهر بالحدس
لا بالعقل للوصول إلى استنارة ما ، كشف متواصل ( من أجل الإمســــــــــاك
بجوهرة البصيرة ) و هنا اعتمد الشاعر الحقيبة معادلا موضوعيًا
دالا على بلورة حياته التى جمعتها الذكريات التى لم تنس و لم تضِع، إنما
ظلت تؤجج النفس .
الحقيبة كانت تمثيلا للشىء فى( ذاته) بالمفهوم الوجودى، لا (لذاته) .. [فى
أصله النقى المخفى وراء الظاهر الواضح المعلن المتعين ]
و السنبلة ( النماء) هى الاتكاءة الأولى فى رحلة الصعود بســـــــــلم التأمل ،
و هى بكل صدق عمل جاد يستحق الاحتفاء و التقدير و الإشادة بمثقف يتقن
ما يتعامل معه إبداعيًا أو نقديًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( أحمد طنطاوى \ أغسطس 2026 )
———————————————————————
القصيدة((وأيَّما حقيبة)) :***
حقيبة من سنابل..
مع كل سنبلة..
تربد على عتبات الوجود..
تنتفض ذكرى من بستان الفقد..
تزدهي في جدائل مضفرة..
على ضفاف نهري الخالد..
بين سراديب الظل..
تبهرني بثيابها الذهبية..
لكنها..
أبت إلا أن ترحل في صمت..
وتبرحني أسيراََ بدوح نجمات الغياب.
حقيبة طفلٍ أسرتني..
فسال الدمع من جَفني..
بجنات أحلام حينَ سبات..
هناك ما يؤرق ديْلم الوجدان..
ثورة بركان..
فَتبوأوا جُحراََ بينَ الأركان..
حيث الملاذ ومقاصدُ الجذلان..
ينبثُّون رجالاََ..
يمطرون مضاميراََ كالطوفان..
رُبَّ نورٍ يمسِّد ثغراََ تصحَّر..
يكتنف سلامات الصمت وهدأة الوجوم..
يهيم عشقاََ بمنازل الأقمار..
يتريِّضُ أبجدية الضوء..
لكنَّه آثر حقل جدائلٍ مكفهرَّة..
بنهرٍ سرمديٍّ بلا ضفاف..
كيْلا يعود.





