د. إسحاق بندري عن رُديارد كيپلينج والكولونيالية والإمپريالية وعبء الرجل الأبيض

وصفت الأكاديمية السويدية في بيانها لمنح الأديب رُديارد كيپلينج جائزة نوبل في الأدب في العام 1907 – وهو أول أديب بريطاني وأول ناطق بالإنجليزية يفوز بها – بأن له: «قوة الملاحظة، التخيل الأصيل، الفهم القوي، وفن الحكي بما يميزُ إبداعه الأدبي.»
ولم يكن توصيف الأكاديمية لإبداع كيپلينج يحمل أية مبالغة، فهو من أهم الكُتَّاب البريطانيين وقد أثبتت كتاباته مكانتها بتعدد أنماطها وأجناسها التي تنوعت ما بين الشعر والنثر وأدب الرسائل وأدب الرحلات وأدب الأطفال علاوةً على القصة القصيرة والرواية، كما اتسمت أيضًا بالبراعة والموهبة وغزارة الإنتاج، وكانت تثير الجدل أيضًا، فضلًا عن مواقفه الرافضة لتلقي التكريمات في بريطانيا مثل الإنعام عليه بالفروسية أو أن يكون شاعرًا للبلاط.

وُلِدَ چوزيف رُديارد كيپلينج في 30 ديسمبر 1865 في بومباي بالهند البريطانية، وتوفي في 18 يناير 1936 في لندن.
وهذا العمل «النور الذي خبا» هو روايته الأولى، التي كانت مُنْتَظَرَةً بعدما بدأ نجمه في اللمعان من خلال الكتابة الصحفية والقصة القصيرة. نُشِرَتْ مسلسلةً لأول مرة في مجلة ليپنكوت الأمريكية في العام 1891، وكانت هذه المجلة تُنْشَرُ في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ولها معدلات توزيع عالية في الولايات المتحدة وبريطانيا والبلدان الناطقة بالإنجليزية، وهي المجلة نفسها التي نشرت «صورة دوريان جراي» لأوسكار وايلد. إلا أن النسخة التي نشرتها المجلة كانت بعدد فصول أقل ولها نهاية سعيدة بسبب الضغوط التي مارستها أمه أليس، بعكس النسخة النهائية المتفق عليها حاليًّا والتي أرادها رُديارد كيپلينج كما دارت في مخيلته منذ البداية، ذات الخمسة عشر فصلًا والنهاية الحزينة. وكانت هذه النقطة من أوائل ما أثار الجدل حول الرواية، ولكن في واقع الأمر إن النهاية الحزينة التي يموت فيها البطل أكثر اتساقًا مع سياق الأحداث ومضمونها. ورغم ما أثارته الرواية من ردود أفعال نقدية تتراوح ما بين الانتقاد القاسي أو غير المكترث، وبخاصةٍ عند مقارنتها مع أعماله التالية لها مثل «كيم» و «كتاب الأدغال»، فإن الإقبال على قراءتها والاستمرار في طباعتها لم يتوقفا حتى أيامنا هذه. كما قُدِمَتْ لها معالجات مسرحية وسينمائية.
استمدَّ رُديارد كيپلينج مادة الرواية من حياته الشخصية وذكريات طفولته البائسة وقصة حبه الأليمة بالتوازي مع خلفية الأحداث التاريخية مُمَثَّلَةً في حملة السودان لإغاثة الچنرال تشارلز جوردون المُحاصَر من قوات حركة المهدي في السودان، والمشار إليها بالتفصيل في الترجمة والهوامش، فكانت المحصلة هي تقاطع الشخصي مع العام في رؤية الرجل الأبيض المحب للإمبراطورية البريطانية وإن كان لا يتماهى معها ولا يشعر بوجوده أو تحققه الكافي على أرض الوطن فتدفعه الحماسة إلى المستعمرات البعيدة لتحقيق مجده الشخصي ومجد الإمبراطورية.
دِك هلدر بطل الرواية يُعَبِّرُ عن رُديارد كيپلينج من عدة جوانب؛ أول هذه الجوانب هي ذكريات الطفولة الحزينة. حينما كان رُديارد كيپلينج في سن الخامسة وشقيقته تريكسي في سن الثالثة، عادت بهما أمهما أليس من الهند إلى أرض الوطن، كما كان مألوفًا للأسر الإنجليزية بالهند، لضمان تنشئة الأطفال في أجواء إنجليزية خالصة وللحفاظ على حالتهم الصحية. أودعت أليس طفليها في رعاية مسز سارة هولوواي في لورن لودچ، وعانى الطفلان على مدى ست سنوات من المعاملة القاسية الفظة، الأمر الذي ترك في نفس رُديارد كيپلينج مرارةً لم يمحها مرور الزمن بما أشار إليه في كتابته عن “House of Desolation” أو «منزل الوحشة» ضمن سيرته الذاتية، وهو نفس ما صَوَّرَهُ في هذه الرواية من معاناة دِك ورفيقته ميزي على يد مسز چانيت القاسية الفظة التي أسقط عليها كل ما كانت تتصف به مسز سارة هولوواي من حدة وغلظة، وإن كانت شخصيتا دِك وميزي تتسمان بالتحدي والتعامل بنديةٍ مع مسز چانيت، ربما على عكس رُديارد كيپلينج الذي لم يتجاسر على الشكوى في طفولته.
الجانب الثاني يتمثل في شخصية ميزي رفيقة دِك لدى مسز چانيت، وهي لا تشير إلى شقيقته تريكسي، ولكنها تجسيد لمحبوبته فلورنس جَرارد وقصة حبه الأليمة لها والمشاعر غير المتبادلة بينهما.
في العام 1877 عادت أليس من الهند إلى الوطن ثانيةً لتأخذ رُديارد من لورن لودچ ليلتحق بيونايتد سرڨس كوليدچ لاستكمال تعليمه، وقد عاد بدوره في العام 1880 لإحضار شقيقته والتقى لأول مرة بفلورنس التي كانت قادمة لتعيش لدي مسز هولوواي. وُلِدَتْ فلورنس جَرارد في 31 يناير 1865، أي أنها تكبر رُديارد كيپلينج بقرابة عام واحد، وكانت عائلتها تملك شركة مجوهرات شهيرة باسم العائلة Garrard and co، وحياتها تتسم بالتجول مع أسرتها وعدم الاستقرار وعدم انتظام التعليم. وهي مثل ميزي، رسامة لها طموحات فنية كبيرة، كما أنها درست في مدرسة السليد وكانت ترسم الپورتريه والمناظر الطبيعية وتعرضُ لوحاتها في صالون پاريس والأكاديمية الملكية، كما تحمل صفات المرأة ذات الشخصية المستقلة، وأعمالها الفنية كانت تشي بطبيعتها البوهيمية.
ظل رُديارد كيپلينج يتبادل معها الرسائل حتى خريف العام 1882، وبعدها غادر إلى الهند في سن السادسة عشرة ليبدأ مسيرته المهنية في الصحافة والأدب. وبعد إقامة بالهند امتدت لسبع سنوات، التقى بها مجدداً في لندن عام 1890، لتبدأ بذرة الرواية تنمو في مخيلته وهو ما أشار إليه في سيرته الذاتية Something of Myself، بما يشابه لقاء دِك وميزي بعد رحيلهما من بيت مسز چانيت ولقائهما مجددًا بعد سنوات. كانت قصة الحب الأصلية كمثيلتها في الرواية، غير متبادلة ومن طرف واحد فقط. إذ كانت فلورنس تتعامل بإعراض وعدم اكتراث تجاه رُديارد كيپلينج، سواء نحو مشاعره أو نجاحه الأدبي. كما أنها كانت تعيش برفقة صديقة لها، وهي فنانة أيضًا تُدعى ميبل پرايس، الأمر الذي ضاق كيپلينج به ذرعًا، وهي التي أشار لها في الرواية بذات الشَعْرِ الأحمر رفيقة ميزي والتي كانت تغار من علاقتها بدِك. وفي اعتقاد بعض النقاد أن العلاقة بين فلورنس وميبل كانت علاقة مثلية، وهو ما يفسر ضيق كيپلينج من ذلك، لمواقفه الواضحة ضد المثلية الجنسية، ولكن يبقى هذا الأمر في إطار الظنون والتكهنات التي ليس بالإمكان إثباتها أو دحضها إذ لم يوضحه رُديارد كيپلينج على نحو جلي. حظيتْ فلورنس جَرارد بشهرة فنية جيدة وماتت بعد وفاة رُديارد كيپلينج بعامين.
ومن المفارقات المدهشة أنها كتبتْ قصةً مصورةً في أواخر حياتها لوصف تجربتها في السجن بعد إلقاء القبض عليها والحكم عليها بالحبس لمحاولتها القيام بالرسم خارج البرلمان، وأطلقتْ على هذه القصة عنوان Phantasmagoria وهي نفس الكلمة التي استخدمها رُديارد كيپلينج في سيرته الذاتية لوصف رواية «النور الذي خبا»، والكلمة تُعَبِّرُ عن تسلسل من المناظر والمشاهد المتوهمة أو عرض لخداع بصري، والكلمة أيضًا تُعَبِّرُ عن الحالة الذهنية التي كان يتسمُ بها دِك، وليس من السهل تأكيد أو نفي تعمد استخدام رُديارد كيپلينج للكلمة أو أنه ظل يتابع أخبار فلورنس، بيد أن الأمر الوحيد المؤكد هو أن هذه العلاقة تركتْ في نفسه وجعًا لم يُشْفَ منه، ولكن لأن العلاقة بينه وبين فلورنس كانت لا تصلح لتقديمها في الرواية بنفس ما كانت عليه، لذا تعمد في الرواية أن تكون علاقة دِك وميزي بها درجة عالية من الندية والتنافسية والعدائية.
وهذه النقطة تقودنا إلى النتيجة الطبيعية لها، والتي طالما أُثيرتْ ضد رُديارد كيپلينج وهي عداوته للمرأة وتحيزه ضدها. لأن شخصية فلورنس في الحقيقة، وشخصية ميزي في الرواية على كل ما كان فيها من أنانيةٍ، فهما تحملان صفات المرأة قوية الشخصية، المستقلة بذاتها وطموحها وتحققها، وهما تشيران إلى حركة المرأة الجديدة New Woman، ولأن رُديارد كيپلينج يُمَثِّلُ نموذج الرجل المعتاد في العصر الڨيكتوري بكل تقاليده المتشددة والمحافظة، فهو يطرح من خلال شخصيتي دِك وصديقه الصدوق تورپنهاو أن النساء يبددن طاقة الرجال ويفسدن مواهبهم، بل ويشيران للبحر على أنه امرأة عجوز شريرة، بالإضافة إلى ما كان في أسلوبهما من تعاملٍ يتصف بالتعالي والاستخفاف والاحتقار مع شخصية الموديل بِسي، وهو الأمر الذي دفعها للانتقام بتدمير لوحة المِلنكوليا غيظًا من دِك الذي تسبب في إبعاد تورپنهاو عنها، وغضبًا من تورپنهاو الذي صَدَّ حبها له. ويظهر ذلك أيضًا في شخصية المرأة الكوبية اليهودية الزنجية بما يبرز استعلاء الرجل الأبيض ضد امرأة ملونة يصورها على نحو متهتك، وبنفس القدر يقدم صورةً نمطيةً عن البلاد في الشرق في ذهنية الرجل الأبيض، في إشارته إلى الراقصات الزنجباريات في بورسعيد التي وصفها بأنها مرتع للفساد والرذيلة والمجون، بما لا يختلف كثيرًا عن لوحات المستشرقين التي تصور مشاهد مماثلة، حتى إن المفكر الأمريكي ـ الفلسطيني الأصل الدكتور إدوارد سعيد في كتابه الشهير «الاستشراق» يجد هذه النظرة في الرواية معيبةً على نحو عميق.
بينما على الجانب الآخر يشددُ رُديارد كيپلينج على قيمة الصداقة الأخوية الراسخة بين الرجال في أوقات الحرب أو أوقات السلام، بالشكل الأخوي البريء الذي كان قائمًا بين دِك وتورپنهاو، وحرص كل منهما على مصلحة الآخر بإسداء النصيحة المخلصة والاهتمام بتقويم السبيل حتى لا يضل أحدهما عن جادة الصواب، في تناقض صارخ مع عدم اكتمال مشاعر الحب بين رجل وامرأة، وأن هذه المشاعر لا تجلب الارتواء العاطفي المنشود.
لعل أكثر الجوانب إثارة للجدل في الرواية هو ما تحفل به من مشاهد القسوة والعنف والسادية. فبسبب تعرض شخصية دِك في طفولته لفظاظة مسز چانيت وتنمر زملاء الدراسة، لذا تتشكل في نفسه سمات الغلظة، والتي يتسم بها تورپنهاو أيضًا، فدِك يضرب ويكبل ممثل النقابة حينما يرفض إعادة اللوحات إليه، وفي رحلته للسودان في أواخر الرواية تعتريه النشوة لسماعه إطلاق النار، وتورپنهاو يفقأ عين أحد المقاتلين السودانيين في ميدان المعركة بدم باردٍ. يصورُ رُديارد كيپلينج كل ذلك ـ رغم أنه لم يكن مشاركًا في حملة السودان ـ على نحو تفصيلي دقيق يدفع القارئ للتساؤل عما تصاب به النفوس من اعتيادية للعنف مع الوقت لدرجة تتبلد فيها المشاعر وتزول من النفس كل مقومات اللين وطيبة القلب، بما يطرح الفكرة الأكبر عما تسببه الحروب والنزاعات من آثار بالغة على نفوس من يخوضونها، وأسوأ هذه التأثيرات هي التعود على القسوة وتسويغها.
الدقة الفنية واضحة على طول الرواية، فلم يكن من المستغرب أن يأتي وصف رُديارد كيپلينج لأدق تفاصيل وتقنيات عملية الرسم والمفاهيم اللونية، بل كان من المتوقع منه تقديم رواية تحمل ثيمات فنية متعلقة بالرسم، إذ كانت الفنون التشكيلية جزءًا من حياته. كان أبوه لوكوود كيپلينج مَثَّالًا ومصورًا معروفًا كما كان أمينًا لمتحف لاهور، وبالمثل كانت أمه أليس تُدَرِّسُ في مدرسة للفن في بومباي. كما أن اثنتين من خالاته تزوجتا من فنانين؛ ولا سيما خالته چورچينا التي كانت متزوجة من الفنان إدوارد برن چونز وقد أثَّرا فيه على نحو بالغٍ، فكان رُديارد كيپلينج واعيًا بطبيعة مفهوم العمل الفني وطريقة أدائه وتقنياته ومدارسه، بالإضافة إلى صداقته لعدد كبير من الرسامين بحكم مسيرته الصحفية. كما يوضح ذلك أيضًا الصراع القائم في شخصية دِك ما بين الأصالة الفنية من ناحية والانتشار والرواج التجاري من ناحية أخرى، فهذه النقطة، يحرص تورپنهاو على لفت نظره إليها، ودِك بدوره يثيرها في حديثه مع ميزي لانعدام ثقته في امتلاكها لقوة الموهبة والبصيرة الفنية بسبب عدم اهتمامها بالتمرن على نحو كافٍ.
يبقى أن الجانب الأهم الذي لا يغيب عن ذهن من يطالع الرواية، هو المقابلة الضمنية بين مقتل الچنرال تشارلز جوردون في الحصار في بداية الرواية، وما أثاره ذلك من سخط واستياء بين الجماهير في بريطانيا، بل وأثار غضب رُديارد كيپلينج ذاته، مع مقتل دِك في النهاية بعدما فقد بصره واكتشف دمار لوحته وفارقته ميزي، ولم يكن الانتحار حلًّا مثاليًّا له، فيلحق بصديقه تورپنهاو في السودان، ليلقى مصرعه إذ تصيبه رصاصة طائشة، وتفيض روحه بين يدي صديقه المخلص، فهل كان ذلك المشهد الذي جَسَّدَ مضمون عنوان الرواية ـ لأن النور خبا من عيني دِك أولًا، ثم خبا تمامًا بنهاية حياته ـ من قبيل النبوءة في أن نور الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها سيخبو ولو بعد حينٍ؟
تطرح الرواية كل تلك الجوانب بما يحثُّ القارئ على تكوين وجهة نظره الخاصة حيال كل ما تطرحه من رؤى؛ حتى وإن كانت متحيزة في الكثير من الأحيان.





