كتبت مرڤت حسين قراءة تحليلية لرواية الطيران لأسفل للكاتب محمود حمدون

كما هو معروف أن الطيران دائما لأعلى لكن مع الكاتب محمود حمدون كان الطيران لأسفل.
و لعل أول ما يطرق الذهن كيف يكون الطيران لأسفل؟
الرواية تتناول فترة عانى فيها المصريون وهي فترة النكسة.
يعرض حمدون ثلاثة مسارات بثلاثة آراء تتمثل في ثلاثة أجيال، كلٌّ منهم له منهجه الخاص و منهجيته التي تبرر مأخذه، و إن نظرت بعينه ستقتنع به و تقول هذا هو الصواب و هنا نجد أن حمدون كانت الحيادية منهجه في رواية الأحداث على لسان أبطاله.
المسار الأول يمثله أنور الجندي المحارب الذي لم يحارب و عاد حاملا أوزار الخيبة على كتفيه سيرا على الأقدام و الذي أغبط زملاءه الموتى من العطش في صحراء عارية عن أجسادهم المحترقة بشمس لفحت كرامتهم مرتين، مرة بيد من لهم الأمر وقتها و مرة بيد الأهل و الأصحاب و كأنهم المسؤولون عن جرم لم يُقدموا حتى على قذف حجر صغير فيه، وحين تحدث أنور الجندي بطل الرواية لكي يُخبر الناس ما حدث بحق، كانت مكافأة السلطة له أن تم إيداعه مستشفى الأمراض العقلية، فدخل عاقلا منهك الجسد حاضر الذهن ليخرج مغيبًا عن العالم ناقمًا على يوم ولد فيه و اختار الرصيف مأوى له، يلبس الجلباب النسائي كإعلان منه على العار و الخزي الذي أصاب الوطن متمثلا فيه.
المسار الثاني، و يمثله الأب صاحب المقهى الذي احتوى أنور و عطف على حاله و دافع عنه و حماه من الناس بينما كان يرى” أن الاصطفاف ضرورة و الخروج في وقت الكارثة عن الصف خيانة “كما يوضح وجهة نظره التي كانت تمثل عموم الناس وقتها إلا البعض منهم في جملته ” هل سمعت من قبل عن مسئول مصري أو عربي يعترف بفعلته أو سوء قراره كما فعل ناصر؟
ثم أكمل حديثه و لن تسمع بعد ذلك”
جل ما تحمله الجملة السابقة و المبررات التي دفعت الشعب للسير من جديد خلف ناصر لتحرير التراب و شهدت مصر بعدها إصلاحات كبيرة سياسية و إدارية و كان الدافع وراء ذلك أن الخروج عن الصف وقت الكارثة خيانة.
أما المسار الثالت و يمثله محمد هاشم ابن صاحب المقهى الذي لم يرَ الأحداث و فيه إشارة للجيل الحديث الذي بنى رأيه على ما سمع من الأجيال السابقة سواء بالاصطفاف خلف القيادة أو النقم عليها كما عرضنا سابقا و هنا يكشف الكاتب عن أن الجيل الجديد هو الموازنة بين العقل و العاطفة لكي تبنى على أسس صالحة فيما بعد .
الرواية يتخللها أبيات شعرية للشاعر أمل دنقل المعروف بموقفه المعارض لناصر كما كان للشاعر نزار قباني أيضا تواجدٌ بأبياته المعروفه بمديح ناصر، و هنا نستطيع أن نقول أن حيادية القلم تسيطر على أحداث الرواية فيما أن الشاعران يمثل كل منهما رأيًا مخالفًا للآخر.
اللغة سهلة فلن تمل من القراءة، والمعروف عن قلم حمدون أنه عميق المعنى سريع الإيقاع دون إخلال بالنص، ولكنه يصل لأهدافه و سرد ما يريد أن يوصله للقارئ بسطور موجزة عالية القيمة في المجاز و الصور و المحسنات البلاغية دون إسهاب يثقل الفكر و ذلك لتركيزه على لفت انتباه القارئ لرؤيته الفلسفية مع إن هذا العمل واقعي على غير ما إعتدنا في أعماله السابقة.
و لكنه تطرق لها في العنوان و هو الطيران لأسفل حيث يُعبر عن الصعود الكبير، الانتفاخ الذي مُلئت به الأذان و الشحذ الذي يقود للهاوية. تمثلت جميعها أمام عين (أنور العظيم) الذي مات في حادث أرتفع فيه عن الأرض لثلاثة أمتار و كان هذا العلو الذي يعقبه هبوطٌ مميت رأى خلاله شريط حياته بكل مافيه و انتهى باللوم على مخبول اتخذ من الطريق بيتًا، أو قُل وطنًا فكان الطيران لأسفل كالصعود للهاوية .

بقلم: مرڤت حسين





