أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

الكاتبة دينا العزة تكتب ‏قراءة أدبية لديوان ( قمرٌ على هذا التراب) للشاعر سائد أبو عبيد.


‏يستهل الكاتب سائد أبو عبيد كتابه بعنوان مشتعل بالحركة كعتبة دلالية لما سيعرض بين قصائد ديوانه، فيخلق توترا وجوديا فما بين السماء والأرض مفارقة جمالية شديدة الكثافة،
‏القمر الذي يحمل بمعناه العلو، الضوء والديمومة، يقابله التراب الذي يحمل معنى الأرض، والفناء، لذا سيكون (قمرٌ على هذا التراب) تعبيرا جامحا بين ما يُرى وما يُدفن، بين النور والجرح. القمر هنا لا يعلو هربًا، بل ينحني على التراب، فيتحوّل من رمز سماوي إلى شاهد، وربما إلى كفنٍ من ضوء.

 

الأديبة/ دينا العزة

‏ثمّ يأتي كركيزة أساسية هوية مصنوعة من الجرح، فهو بطل القصائد هنا يأتي بالوراثة لا عابر سبيل، مقاوم لا شفاء له بل هو شرط البقاء.
‏جرح وراثي:
‏(عظيمٌ جرحُنا باقٍ حيّيّ / وموروثٌ قديمٌ سرمديّ)

‏هذا الجرح جاء هنا بجماله اللغوي، والإيقاعي، والصورة.
‏الجرح عند أبو عبيد ليس علامة ضعف، بل علامة اصطفاء، ووسم وجودي يربط الفرد بالجماعة، والشاعر بالأرض.

‏في هذا الديوان فلسطين وسط الجغرافيا هذه الجغرافيا ليست مكانا فقط إنها كينونة تحمل في طيات اسمها ذاكرة جماعية للطفولة، للأمومة، للبيت، للبساتين والحقول، كما تحمل جسد أنثى للأرض والحبيبة، وتحمل
‏نصا مقدسا يجعلها دائرة للصراع بين الأديان رغم ذلك لا تتناقضا هنا فالحقيقة أنها ديار السلام والأنبياء.

‏ويمنح الشاعر غزة تحديدا مسرحا حقيقيا لمعنى مأساة إنسانية، يسلط الضوء لا كخبر سياسي، بل كارثة مكتوبة بلغة شعرية فائقة القسوة والجمال:
‏(وكم قمرٍ خبزته الحرب إلى أبديّة قتل)
‏الصورة هنا ليست صورة عابرة أنها مذهلة: الحرب تخبز القمر، أي تحوّل الضوء إلى مادة قابلة للاحتراق.

‏أما حين نتحدث عن اللغة لدى الشاعر فهي على قدر من الفصاحة دون تكلّف لتأتي على مقاس النزف، اعتمد به على المعجم التراثي (العسجد، اليوسفي، العرش، القناديل).

‏كان صوفيا وملحميا لغةً في محطة ما وصاحب لغة يومية تسرد الآهات والأوجاع في مكان آخر من قصائدة، واستخدم الصور الشعرية المركبة والمتحركة ليجعل القارئ يرى ما يقرأه بصورة لا تشويش بها رغم رمزيته العالية بين الشطر والشطر، لا يكتب ليُدهش لغويا فقط، بل ليُحدث نزيفا دلاليا؛ الكلمات تنزف كما تنزف الأجساد، فـ شَخَصَ المكان (البيت يحنّ، الجدران تنادي)
‏ اليوميات (الأم، الطفل، القهوة، الفستق)
‏تحويل الأشياء الصغيرة إلى شواهد كبرى (دفتر، قلم، خصلة شعر)، الصورة لا تُستخدم للزينة، بل لتكثيف الفاجعة.

‏أما ما أستُخدم في الديوان من بحور فكان غير محصور في شكل واحد من البنية الإيقاعية والبحور الشعرية بل يقوم على تنوّع مدروس:
‏الشعر العمودي البسيط والشعر المتقارب وشعر التفعيلة
‏تظهر هذه البحور في عدد من النصوص، مع التزام واضح بالوزن والقافية، وغالبا ما يعتمد على:
‏البحر الكامل (بإيقاعه الجهوري المناسب للملحمة)
‏البحر الوافر (بمرونته العاطفية)
‏أحيانا الطويل في المقاطع ذات النفس السردي
‏الإيقاع هنا يخدم الخطاب الجماعي والنبرة العالية.

‏شعر التفعيلة وهو الشكل الغالب مابين المتدارك والكامل، حيث تتحرر القافية، يتكسر السطر وفق الانفعال، يصبح الإيقاع داخليا، نابعا من التكرار والتنغيم

‏وهذا التنوع لا يربك الديوان، بل يعكس تعدّد الأصوات داخل الجرح الواحد.

‏أما الذات في هذا الديوان فكانت الأنا لكن ليست النرجسية ولا المنسحبة، بل ذات شاهدة، تتحمّل عبء الكلام نيابة عن الآخرين، فالشاعر كـ العاشق أو ابن شهيد مؤجل، كتب سيرة جماعية بلغة فردية، فـ الشهادة وطهر الدماء تربط بين السماء والأرض فـ منازل الشهداء جنان في سماوات الله وجثامينهم في التراب محفوظة بدمائهم الزكية.


‏أما يميز «قمرٌ على هذا التراب»:
‏عدم السقطات السياسية، كان التواري خدعة ذكية للخلاص من المباشرة الصريحة، فهنا المزاوجة النادرة بين الفخامة اللغوية والصدق الوجداني لم يتناقض بل بنى عالما شعريا متكاملا لا مجموعة نصوص منفصلة.

‏ومن الجدير بالذكر هنا أنّ تحويل الألم الفلسطيني إلى نص لا تُقيله الأكاذيب التي حاولت دفنه على مرّ الاحتلال على العكس كان قابلا للتلقي الإنساني العام.


‏نهاية «قمرٌ على هذا التراب» ليس ديوان رثاء، ولا بيان مقاومة تقليدي، بل نص وجودي كبير، يكتب فلسطين بوصفها جرحا مضيئا، ويكتب الشعر بوصفه فعل نجاة أخير.
‏إنه ديوان:
‏يُقرأ ببطء، ويُشعر القارئ أن الصمت بين الأسطر لا يقل فصاحة عن الأسطر نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى