أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

زينب السعود تكتب سوسيولوجيا النص المقاوم : قلم بلا ممحاة

من اكثر المصطلحات التي ظهرت فعلا وممارسة واقعية قبل أن تتبلور تحت مسمى واضح وقبل أن يتم احتواء معناها داخل ألفاظ اللغة هو مصطلح أدب المقاومة . فمنذ الخليقة والإنسان يمارس ردود الفعل الرافضة للظلم ويعبر عن هذا الرفض بوسائله المتاحة ، وفي العصر الحديث قدمت كثير من الشعوب تصورا عقليا للفعل المناوئ للعدو ولهيمنته وسطوته ، منها ما فعله الجزائريون إبان احتلال فرنسا لبلادهم في عدوان تعدى الأرض والجغرافيا ليطال الهوية والوجود مستهدفا أداتها الأولى اللغة العربية .
على أننا لا نستطيع أن نغفل أن هذا المصطلح ظهر جليا وواضحا بالصورة المتداولة الآن على يد الكاتب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني بعد صدور كتابه عن الأدب المقاوم الذي نشر عام 1966، وقد حاول كنفاني ترسيخ نوع خاص من الأدب الفلسطيني بعيدا عن بكائيات الشعراء والأدباء في الداخل المحتل . فأسس لمدرسة أدبية انبثقت من قلمه الذي نُفي وهُجّر خارج أرضه .
هذا النوع من الأدب الذي ارتبط في أذهاننا بالقضية الفلسطينية أكثر من غيرها من القضايا الأخرى في العالم هو شكل من اشكال المواجهة مع العدو التي يشنها سلاح القلم والكلمة غيرالقابلة للمحو أوالحذف ، بل كتبها أصحابها لتبقى حية في ذاكرة الأجيال ترسخ مفاهيم البقاء والصمود والوجود أيضا .
وعند دراسة العلاقة بين النص الأدبي المقاوم والبنية الاجتماعية التي أنتجته لا ينظر إلى العمل الشعري أو النثري كلوحة فنية معزولة عن سياقها الاجتماعي ، بل إن البيئة الاجتماعية الحاضنة هي مفتاح فهم الأدب الذي لم يكتب على سبيل الترف واستعراض القدرات الإبداعية بل ليكون أداة فاعلة في كشف العدوان وبيان حجم الجريمة التي ارتكبها العدو في حق الإنسان والجغرافيا .ومن قرأ أدب كنفاني يعرف تماما كيف تكون الكلمة في النص المقاوم مكتوبة لتبقى عصية على المحو مهما تطاول الزمن ، فعبارة ( الوطن أن لا يحدث هذا كله يا صفية ) التي أوردها غسان كنفاني على لسان بطل رواية عائد إلى حيفا ما زالت تلخص كل فلسفة لمفهوم الوطن وتعري كل أفعال الخذلان .
ومن وظيفة الأدب المقاوم الاجتماعية أن يعيد صياغة وتأكيد هوية الجماعة التي يريد المحتل طمسها أو تفتيتها بشتى الطرق ، هنا تقوم الكلمة في النص بمهمة المحافظة على صورة الوطن كاملة من اجل أن يمارس النص التعبئة العاطفية والاجتماعية التي تحفظ الهوية الجمعية ، والنظرة السسيولوجية لصورة البطل في أدب المقاومة تقربنا من فهم التحول الذي طرأ على نمطية البطل في الأدب بشكل عام إلى كونه أيقونة للفداء والتضحية والمواجهة حتى أصبحت صرخة ابطال رواية (رجال تحت الشمس ) لكنفاني ” لماذا لم يدقوا جدران الخزان ؟ ” رمزا اجتماعيا يدعو للفعل المقاوم الرافض للموت الصامت وضرورة المواجهة بدلا من الهروب . وفي الأدب الجزائري تحولت شخصيات الرواية إلى فاعلين مؤثرين في فضح المستعمر والخروج من الهامش إلى المتن مثل شخصية ( اللاز ) في رواية الطاهر وطار .


يشتبك النص المقاوم مع البيئة الاجتماعية اشتباكا خاصا ، فنرى الكاتب يحرص على ألفاظ تتعلق بتوثيق الأرض كمكان وحدود وخريطة فيكثر من ذكر الأماكن وتوثيق تفاصيلها تماما كما فعل غسان في رواية عائد إلى حيفا وكما فعل مريد البرغوثي في ” ورأيت رام الله ” ، فيلجأ إلى ملء الفراغ في ذاكرة الجيل ويكثر من ذكر تفاصيل الحياة الاجتماعية وطقوسها والحياة الاقتصادية وحتى الطعام والشراب نجد الأدب المقاوم يوثقه في حالة للحفاظ على الذاكرة والهوية .
وفي رواية ( بينما ينام العالم ) لسوزان أبو الهوى نقرأ كيف تحول النص إلى حالة توثيقية تبقى راسخة في ذاكرة القارئ من خلال قرية عين حوض التي تمثل حياة الفلاح الفلسطيني المرتبط بالأرض والزيتون وبيارات البرتقال ، كما تقدم صورة مخيم اللجوء الذي أصبح حالة ملازمة للواقع الاجتماعي الفلسطيني ، وسيسولوجياً يخلق المخيم روابط جديدة قائمة على الألم ومعاناة التهجير والاقتلاع بدلا من حالة الاستقرار الذي تفرضه مفردات مثل الأرض والبيارة وشجرة الزيتون .ولم يغفل أدب المقاومة دور المرأة ولا يبرزها دائما كضحية فقط بل يحملها مسؤولية الصمود ونقل الحكايات والمحافظة على ذاكرة التراث من خلال تقديم شخصيات مثل الأم الصابرة والأخت الداعمة لأخيها الأسيروالإبنة التي تعيش على أمل اللقاء بأب غيبته سجون الاحتلال .
من الصعوبة بمكان الإحاطة بأدب المقاومة سيسيولوجيا فهو بيئة خصبة لمثل هذا النوع من الدراسات بما يحتويه من ارتباط وثيق بالحاضنة الاجتماعية التي كفلت بقاءه واستمراره وأعطته قوة وثباتا جعلت منه أدبا يعبر عن الهوية غير القابلة للنسيان أو التخطي أو الحذف فهو مكتوب بقلم دون ممحاة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى