
تَعودتُ في مَساءِ كلِّ خميسٍ أنْ أصطَحب خطيبتي ” هيام “، في رِحلةٍ ليليةٍ تَرجُّليَّة، نمشي فيها بين الحقولِ الشاسعة بأطراف قريتنا، في أي من الاتجاهات المحيطة بمنزلها، يصحبنا فيها القمرُ و النجومُ، نمشي كثيرًا حتى يُرْهقنا السَّيرُ على أقدامنا، و يستقر بنا المآل بعد عودتنا من نزهتنا الليلية، لنجلس تحت شجرةِ الكافور العملاقة، بجوار المنزل. أعرفُ أنَّ هذه الليلة سوف يَبْزُغ فيها القمرُ بدرًا، و سوف يملأ نورُهُ السماءَ و الأرض، كأنه يَحْتفي بنا في وُدٍّ و سعادة، ثم تنسحب عنَّا النجومُ و تختفي في حياء لتتركنا في خلوتنا نحتسي كؤوس العشق و الغرام.
توجهتُ إلى منزل حبيبتي، مُتلهِّفًا إلى نزهة الخميس الليلية، و التي تمنحنا طاقة إيجابية و سعادة نفسية تظل معنا طوال الأسبوع. عندما وصلْتُ إلى بيتها، قابلتني على غير العادة على الدَّرَج أمامَ المنزلِ، سألتُها أنْ أدخل لأسلِّم على أسْرَتها، لكنها كانت أكثر لهفة مني على اللقاء، و أخبرتني أنَّ أفراد الأسرة جميعهم في زيارة خارج المنزل لأحد أقاربهم، و أنها آثرَتْ أنْ تنتظرني، حتى لا تُفْلتَ نُزهتُنا الأسبوعية، التي تنتظرها بكلِ اشْتياقٍ مثلي، جلسنا قليلًا على دَرَج المنزل، أحضرَتْ لي كوبًا من العصير الطازج، ثم طلبتُ منها أنْ نبدأ نترجَّل وسط الحقول، عَبْر الطُّرقة الضَيِّقة من خَلفِ المنزل.
تأبطَت ذراعي بقوة كعادتها معي و تشابكَت أناملُها حول مِرْفقي، و مشينا كأننا مُلتَصِقَان، نتهادى عبر طريق ترابي ضيق، يؤدي بنا بعد عشرات الأمتار إلى بحر صغير تُروى منه الحقول المترامية على جانبيه.
و في أثناء السَّير، كنا نتحدثُ إلى القمر أحيانًا، و نهمسُ إلى النجوم أحيانًا أخرى، و عندما تَتملكنا عاطفةُ العشق نهيمُ شوقًا، و نتعانق للحظاتٍ نَنهل فيها من شَهد الحب و الغرام، حتى نفيق مما نحن فيه.
وصلنا إلى شاطىء البحر، جلسنا على تبَّتنا المعهودة، و التي أسميناها تَبَّة الغرام، و كان القمرُ لا يزال يحرسنا في وُدٍّ، كأنه يُوَثِّقُ لنا من أعلى تلك اللحظات الجميلة التي نَمُرُّ بها، تعجبتُ كثيرًا أن سمعنا غناءً يأتينا من الشاطئ الآخر، فأخبرت حبيبتي إن كانت تسمعه، أجابت أن هذا أمر عادي، فلعلَّ عاشقَيْنِ مثلنا يجلسان في الجانب الآخر، و علينا ألا نزعجَهما.
نهضنا بعد ساعة من الوقت، ثم عاودنا المَسير للعودة في الطريق ذاته نحو المنزل، و ما زال رفيقنا القمر يصحبنا، كأنه يحرسنا في تلك الرحلة التَّنزُّهية، و ما زالت أصوات الغناء تأتينا من بعيد، و حبيبتي تتأبَّط ذراعي بالطريقة ذاتها، كانت تهفهف علينا نَسَماتُ الربيع الليلية، فتجعلنا نهيم في حالة من النَّشوة، حتى وصلنا إلى المنزل.
بات عليَّ الآن أن أدخل إلى المنزل، كي أُسَلِّمَ على والديها، فيبدو من الأنوارِ المضيئة و الأصواتِ التي تنبعث من الدَّاخل، أنهم قد عادوا إلى المنزل. طَرَقنا بابَ المنزل، فَتحَت لنا الأختُ الصغرى لخطيبتي، و دَلَفْتُ إلى غرفة الضيوف كعادتي، و كانت خطيبتي تتبعني حتى جلسَتْ بجواري، و توجهَتْ شقيقتُها لتخبر والديها بوجودي، أقبلَ والداها نحوي في تَودُّدٍ، سلَّما عليَّ، ثم سألاني:
– لماذا جئتَ متأخرًا عن موعدِكَ الليلة؟!
– بل جئتُ في موعدي، أثناء زيارتكم لأقاربكم بالقرية، و قد اصطحبتُ خطيبتي “هيام ” لرحلتنا الأسبوعية، وسط الحقول، وجلسنا قليلًا على شاطئ البحر الصغير، ثم عُدنا الآن.
أصابتهم الدهشة جميعًا، و أخبروني أنهم لم يغادروا المنزل الليلة، و أنَّ “هيام ” مكثتْ معهم أيضًا، و هي تستعد للقائي بالداخل منذ الغروب.
التفَتُّ نحو رفيقتي فلم أجدها بجواري.






