أحمد فضل شبلول: جائزة الدولة التقديرية مسؤولية جديدة.. والكتابة رحلة لا تتوقف
حاوره: الكاتب والإذاعي شريف عبد الوهاب

بين الشعر والرواية والنقد وأدب الأطفال، تنقلت تجربة الأديب والشاعر والروائي المصري أحمد فضل شبلول لأكثر من نصف قرن، دون أن يفقد بوصلته الأساسية: البحث الدائم عن مساحات جديدة للكتابة.
ارتبط اسمه بالإسكندرية، المكان الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مدينة للسكن، وإنما فضاءً تشكلت داخله ذاكرته ووعيه ووجدانه الإبداعي. وخلال رحلته الأدبية حصل على عدد من الجوائز والتكريمات، كان أحدثها جائزة الدولة التقديرية في الآداب، التي يراها تتويجًا لمسيرة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام صاحبها مسؤولية جديدة.
وفي هذا الحوار، نتوقف مع أحمد فضل شبلول عند علاقته الأولى بالقراءة والكتابة، وتأثير الإسكندرية في تجربته، وانتقاله بين الأجناس الأدبية، ورؤيته لمستقبل الشعر والرواية، وصولًا إلى مشروعه النقدي الجديد في تحليل الأغنية العربية.
• بعد أكثر من نصف قرن مع الكتابة.. هل أنت الذي اخترت الكتابة، أم أن الكتابة هي التي اختارتك؟
أعتقد أننا اخترنا بعضنا البعض.
بدأت علاقتي بالأدب منذ الصغر من خلال القراءة المتنوعة والمكثفة، ثم وجدتني أكتب بصورة تلقائية عما أقرأه، وأسجل انطباعاتي وأفكاري حول الكتب والنصوص.
وهكذا نشأت علاقة متبادلة بين القراءة والكتابة؛ فالقراءة كانت تفتح أمامي أبوابًا جديدة، والكتابة كانت تدفعني إلى مزيد من القراءة. ومع مرور السنوات أصبحت هذه العلاقة جزءًا أساسيًا من تكويني الإبداعي.
• ومتى بدأت علاقتك الأولى بالقراءة؟
أستطيع أن أعود بها إلى سنوات التلمذة في المرحلة الابتدائية، وتحديدًا الصفين الثاني والثالث الابتدائي.
كنت حريصًا على اقتناء وقراءة مجلات الأطفال مثل «ميكي» و«سمير» و«سندباد»، إلى جانب إصدارات دار المعارف، ومنها «المكتبة الخضراء».

وفي الوقت نفسه بدأت أقرأ روايات المغامرات المترجمة، مثل «أرسين لوبين» و«شيرلوك هولمز»، وهو ما أتاح لي منذ طفولتي أن أتنقل بين الأدب العربي والأدب المترجم.
• هل كان للحكي الشفهي والقصص العائلية دور في تشكيل خيالك؟
للأسف، لم تكن جدتي تعيش معنا، ووالدتي لم تكن ممن يملكون ملكة الحكي والقصص، لكنها كانت شديدة التشجيع لي على القراءة.
كانت تمنحني أحيانًا مبلغًا إضافيًا من مصروف الحلوى والمجلات حتى أستطيع شراء المزيد من الكتب والمجلات، وربما كان هذا التشجيع المبكر أحد العوامل المهمة في تكوين علاقتي بالكتاب.
كما كان لوجود مكتبة البلدية في حي محرم بك بالإسكندرية، ومتحف الفنون الجميلة القريب منها، أثر كبير في بناء حسي الفني والأدبي منذ سنوات مبكرة.
• أنت شاعر وروائي وناقد وكاتب للأطفال.. هل هذا التنوع اختيار أم أنه انتقال طبيعي بين مراحل الكتابة؟
أراها مراحل متداخلة أكثر منها منفصلة.
قد أكون منشغلًا بكتابة رواية، فتأتي في ذهني فكرة قصيدة للأطفال أو للكبار، وقد أجد نفسي أكتب في أدب الرحلات أثناء انشغالي بعمل روائي.
التنوع بالنسبة لي ليس خروجًا من مجال إلى آخر، وإنما هو رغبة في اكتشاف إمكانات جديدة للكتابة.
وفي الفترة الأخيرة دخلت منطقة نقدية جديدة بالنسبة إليّ، هي التحليل الأدبي والفني للأغاني، وكانت البداية مع كتاب تناولت فيه الفنانة أسمهان، من خلال دراسة أغنياتها وتحليلها نقديًا.
• حصلت مؤخرًا على جائزة الدولة التقديرية في الآداب.. ماذا تمثل لك هذه الجائزة بعد هذه الرحلة الطويلة؟
حصلت خلال مسيرتي على عدد من الجوائز، منها جائزة المجلس الأعلى للثقافة عام 1999، وجائزة الدولة التشجيعية عام 2007، وجائزة الدولة للتفوق عام 2019، إلى جانب عدد من التكريمات العربية والدولية.
لكن جائزة الدولة التقديرية لها مكانة خاصة؛ لأنها تحمل اسم الدولة، ولأنها تضع اسم المبدع إلى جوار أسماء وقمم أدبية كبيرة.
ووجود اسمي إلى جوار أساتذة كبار مثل طه حسين ونجيب محفوظ يمثل بالنسبة لي تقديرًا لمسيرة طويلة، لكنه في الوقت نفسه يحملني مسؤولية أكبر.
الجائزة ليست نهاية الطريق، وإنما دفعة جديدة لاستكمال المشوار وشحن الطاقة الإبداعية لمواصلة الكتابة.
• يقال إن الرواية أصبحت «ديوان العرب» المعاصر.. هل تراجع الشعر أمامها؟
نحن بالفعل نعيش ما يسميه النقاد «زمن الرواية»، فالرواية أصبحت وعاءً واسعًا يستطيع استيعاب عدد كبير من الفنون والأجناس الأدبية، بما فيها الشعر والتاريخ والنقد.
لكن هذا لا يعني أن الشعر تراجع أو فقد مكانته.
أنا شخصيًا لم أترك الشعر يومًا، بل أستدعيه في أعمالي الروائية، وأحيانًا أجعل أبطالي من الشعراء، بما يسمح لي بإدخال الرؤية الشعرية داخل البناء الروائي.
• الإسكندرية حاضرة بقوة في تجربتك.. ماذا أعطتك المدينة ككاتب؟
الإسكندرية بالنسبة لي ليست مجرد مكان أقيم فيه، وإنما عنصر أصيل في تكويني النفسي والإبداعي.
البحر، والعمارة، والتاريخ السكندري، والتنوع الثقافي الذي عرفته المدينة عبر عقود طويلة، كلها عناصر تركت أثرها في وعيي، ولذلك تظهر في أشعاري ورواياتي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الإسكندرية بالنسبة لي مدينة تتجدد باستمرار، ولهذا تظل قادرة على تجديد شغفي بالحياة والكتابة.
• ماذا تقول للكاتب أو الشاعر الشاب الذي يبدأ طريقه اليوم؟
القراءة.. ثم القراءة.
الإبداع لا يأتي من فراغ. على الكاتب الشاب أن يقرأ في مختلف مجالات المعرفة، وأن يقرأ الأدب القديم والحديث، العربي والعالمي، حتى تتشكل لديه ثروة لغوية ورؤية فكرية وقدرة على الحوار مع ما سبقه من تجارب.
وأهم ما أنصح به أيضًا هو الصبر وعدم التعجل في النشر.
العمل الإبداعي يحتاج إلى وقت ومراجعة وتهذيب حتى يصل إلى الصورة التي يستحق أن يقدم بها إلى القارئ.
• هل ترى أن الوسائط الرقمية تهدد الكتاب الورقي؟
لا أراها منافسًا سلبيًا للكتاب الورقي، وإنما أراها وسيلة جديدة لنشر المعرفة والأدب.
الكتاب الورقي سيظل له رونقه ومكانته، لكن الوسائط الرقمية فتحت أمام الكاتب أبوابًا واسعة للوصول إلى قراء في مختلف أنحاء العالم خلال لحظات.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي هو قيمة النص ومضمونه، وليس الوسيط الذي وصل من خلاله إلى القارئ.
• ماذا عن مشروعاتك الأدبية المقبلة؟
أعمل حاليًا على إنجاز دراسة نقدية جديدة تتناول أثر التحولات الاجتماعية في الشعر العربي الحديث، كما أضع اللمسات الأخيرة على عمل روائي جديد يستلهم جانبًا من التاريخ السكندري، ولكن برؤية معاصرة.
وأعتقد أن الإبداع رحلة مستمرة، لا تتوقف طالما بقي لدى الإنسان نبض وفكر وأسئلة يريد أن يبحث لها عن إجابات.
• بعد انتقالك إلى تحليل الأغنية نقديًا.. هل يمكن أن يصبح هذا المجال مشروعًا نقديًا متكاملًا لديك؟
أعتقد أن الأغنية تستحق قراءة نقدية أكثر عمقًا، فهي ليست مجرد لحن وصوت وكلمات، وإنما عمل فني تتداخل فيه عناصر متعددة.
وهذا ما أحاول الاقتراب منه من خلال دراسة الأغاني وتحليلها، والكشف عن قيمتها الشعرية والفنية، وعلاقتها بالمطرب والملحن والمرحلة التاريخية التي ظهرت فيها.
وقد بدأت هذه التجربة من خلال كتابي عن أسمهان، وأتطلع إلى مواصلة البحث في هذا المجال.
• بعد كل هذه السنوات.. ماذا تعني لك الكتابة اليوم؟
الكتابة بالنسبة لي ما زالت اكتشافًا.
كل عمل جديد يضعني أمام سؤال جديد، وكل قراءة حقيقية يمكن أن تفتح بابًا لم أكن أراه من قبل.
لذلك لا أتعامل مع الكتابة باعتبارها مهنة أنجزت منها ما يكفي، وإنما باعتبارها رحلة مستمرة، طالما بقيت لدي الرغبة في السؤال والبحث والدهشة.
• وأخيرًا.. ماذا تقول للقارئ الذي رافق تجربتك طوال هذه السنوات؟
أقول له: شكرًا.
القارئ ليس مجرد متلقٍ للنص، وإنما شريك حقيقي في العملية الإبداعية. فالكاتب يكتب، لكن النص لا يكتمل إلا عندما يصل إلى قارئ ويتفاعل معه.
وأتمنى أن أظل دائمًا عند حسن ظن القراء، وأن أقدم ما يضيف إلى الثقافة العربية، ويمنح القارئ شيئًا يستحق أن يتوقف عنده.



