أخبار عاجلةالرئيسيةساحة الإبداع

فاتن صبحي تكتب حين نطالب بالحب الذي لم نُحسن منحه

“حين نطالب بالحب الذي لم نُحسن منحه”

الحب أساس الوجود وسر الحياة الذي يمنح العلاقات معناها ويجعل الإنسان قادر على العطاء والاحتمال. لكننا ونحن نبحث عنه في قلوب الآخرين قد ننسى أن نسأل أنفسنا كيف نصنعه؟ وهل يكفي أن نطالب به كي نجده أم أننا بحاجة إلى أن نزرع بذوره أولًا؟

الحب ليس مجرد شعور يسكن القلب بل طريقة نتعامل بها مع من نحب: اهتمام يصون كرامتهم وإصغاء يمنحهم شعور بأن أصواتهم مسموعة ومرئيين واحتواء لا يشعرهم بأن ضعفهم عبء وعطاء لا يتحول إلى منة. نحن نصنع الحب بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح أمان لكننا لا نملك قلوب الآخرين ولا نستطيع أن نفرض عليها استجابة بعينها. فحسن المعاملة يهيئ للحب أسباب لكنه لا يضمن أن نتلقاه بالمقدار نفسه ولا بنفس الصورة.

فهل كل من لم يبادلنا الحب جاحد؟ ليس بالضرورة. فالجحود موجود حين ينكر الإنسان فضل حقيقي أو يستغل عطاء الآخرين بلامبالاة لكنه ليس التفسير الوحيد للفتور والابتعاد. أحيانًا نمنح من نحبهم ما نراه حب دون أن نسأل إن كان يصل إليهم بالطريقة التي يحتاجونها. وقد نطالبهم برد مشاعرنا بالصورة التي نحددها فإذا خالفونا اتهمناهم بالجحود بينما لم نحاول فهم اختلافهم عنا. وهنا ينبغي أن نفرق بين إنكار المعروف والعجز عن التعبير وبين قلة الوفاء والابتعاد الذي صنعته جراح لم تجد سبيل إلى التعافي.

و يصبح الحب مرضيًا حين يتجاوز حدود المودة إلى التملك أو يتحول العطاء إلى وسيلة للسيطرة أو تصبح التضحيات القديمة سلاح يشهر في وجه من تلقاها. وقد يفقد الإنسان نفسه في محاولة إرضاء الآخرين خوفًا من خسارتهم. كما قد يطالبهم بالتخلي عن استقلالهم وإرادتهم لإثبات محبتهم. الحب السليم لا يفرض الطاعة ثمن للقرب ولا يجعل الامتنان واجب لا ينتهي بل يحفظ للإنسان كرامته وللعلاقة توازنها.

وتتجلى هذه المعاني بوضوح في علاقة الآباء بالأبناء. فقد يشكو أب أو أم جحود الأبناء بعد سنوات من التعب والتضحية ويشعر بأن ما قدمه لم يجد التقدير الذي يستحقه. وقد يكون الأبناء جاحدين بالفعل لكن هل كل شكوى من الجحود تعني أن الأبناء أنكروا المعروف؟ وهل يكفي أن نوفر لأبنائنا احتياجاتهم المادية لنضمن أن تنمو بينهم وبيننا علاقة دافئة؟

ثمة آباء وأمهات يختزلون الحب في تلبية الاحتياجات المادية ويظنون أن توفير المأكل والملبس والتعليم دليل كافي على أداء واجبهم دون اهتمام مماثل بالمشاعر والاحتياجات النفسية. وقد يضيق أحد الوالدين على أبنائه ويمن عليهم بما يقدمه ثم ينتظر حين يتقدم به العمر أن يجد منهم حب واهتمام لا ينقطع واحتواء يعوضه عما افتقده. وقد يلجأ إلى التضييق عليهم أو حرمانهم مما اعتادوا عليه ظنًا منه أن الحرمان سيعيد إليه مشاعرهم.
لكن هل تولد المحبة بالعقاب؟ وهل يستطيع أحد الوالدين أن يوجه مشاعر أبنائه كما يشاء فيمنحهم الرضا حين يستجيبون لتوقعاته ويحجب عنهم العطاء حين يخالفونها؟ إن الحب لا يأتي بالإكراه والقلوب لا تستجيب للضغط والأوامر. كما أن بعض ما يراه أحد الوالدين امتيازات يمنحها لأبنائه هي في الحقيقة حقوق وواجبات لا منح يجوز سحبها كلما خابت التوقعات. فالرعاية ليست مكافأة على إظهار المشاعر والبر لا ينبغي أن يتحول إلى ثمن يدفعه الأبناء لقاء ما يتلقونه من حقوقهم.
كيف ينتظر احد الوالدين قرب لم يحرص على بنائه ودفء لم يمنحه حين احتاج إليه أبنائه؟ وكيف يطالب بحصاد وفير من بذرة لم يسقها ثم يعاقب الأرض لأنها لم تثمر كما توقع؟ فالمال مهما بلغت قيمته لا يعوض غياب الحنان والإنفاق لا يمنح صاحبه حق في امتلاك مشاعر الآخرين. وقد يكبر الأبناء وهم يعترفون بفضل والديهم لكنهم لا يجدون في أنفسهم الألفة التي يتوقعها أحدهم لأن العلاقة لم تمنحهم ما يكفي من المشاركة والاحتواء والطمأنينة.
ومع ذلك لا يعني قلة التعبير عن المشاعر غياب الحب فقد يكون أحد الوالدين قد نشأ في بيئة جافة لم يتعلم فيها كيف يعبر عن حنانه وظن أن أداء الواجب المادي هو أصدق صور المحبة.
فهم هذه الخلفية لا يلغي أثر التقصير لكنه يساعدنا على فهم أسبابه دون تبريره. كما أن ما يحمله الأبناء من ألم لا تجعل كل جفاء مبرر ولا تعفيهم من البر والوفاء. فهناك فرق بين الاعتراف بفضل الوالدين وإنكار ما تركته العلاقة من ألم وبين البر الذي يحفظ الكرامة والمطالبة بمشاعر لا يمكن انتزاعها بالمن أو العتاب.
وهل يعني ذلك أن الأبناء لا يتحملون مسئولية ما وصلت إليه العلاقة؟ بالطبع لا فكما أن بعض الآباء يسيئون فهم الحب أو يعجزون عن منحه قد يسيء الأبناء أيضًا تقدير ما قدمه آباؤهم أو يتخذون من أخطائهم ذريعة للجفاء. لا ينبغي أن يتحول الماضي إلى محكمة دائمة ولا أن يحتكر طرف واحد حق رواية الحكاية. إنما يحتاج الإصلاح إلى شجاعة الاعتراف بالتقصير والاستعداد لسماع الطرف الآخر وإدراك أن البر لا يتعارض مع التعبير عن الجرح والالم وأن الاعتذار لا ينتقص من مكانة أحد.
إن الحب ليس دينًا مؤجلًا نستوفيه في شيخوختنا ولا رصيد تضمنه صلة الدم ولا مكافأة نحصل عليها بمجرد تعداد تضحياتنا. إنه علاقة تنمو بما نمنحه من رعاية واحترام وقد تتعرض للفتور حين يغيب عنها ما تحتاج إليه من اهتمام. وإذا أردنا أن نجد الحب في قلوب الآخرين فعلينا أن نراجع الطريقة التي عاملناهم بها دون أن نفترض أننا وحدنا أصحاب الحق أو أن نعفي أنفسنا من مسئولية ما صنعناه.
فبعض الناس يجحدون حب صادق منح لهم وبعضهم يبتعدون عن علاقات لم يجدوا فيها ما يحتاجون إليه وبين الجحود والجرح مسافة لا تكشفها الاتهامات بل يكشفها الفهم الصادق لطبيعة العلاقات.وربما كان أول الطريق إلى فهم الآخرين أن نتوقف قليلًا أمام أنفسنا ونسألها بصدق: هل منحناهم من الحب ما ننتظر أن نجده في قلوبهم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى