أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

قصائد الحزن والوجع قراءة في تسابيح مملة ل.. فاطمة التليلي

بقلم: جلال المخ

 
 
 
 

بقلم: جلال المخ

 
 
 
تعلقت همّة فاطمة التليلي بالكتابة الأدبية منذ نعومة أظافرها فدأبت على الكتابة الشعرية لمدة عقدين من الزمن ونشرت قصائدها في بعض المجلات الورقية أحيانا وفي المواقع والنشريات الإلكترونية في معظم الوقت، تماهيا مع روح العصر الذي جعل من المواقع الاجتماعية حلبة كبرى تعج بآلاف الابداعات الأدبية والفكرية والفنية.
وكان من المنتظر بعد هذه التجربة المحترمة زمنيا أن تبادرنا بإصدار مجموعة شعرية تجمع فيها أجود نصوصها وأعمقها وأقربها إلى قناعاتها الكتابية والتأليفية لكنها فاجأتنا في السنة الفارطة أي في عام 2025 بإصدار عمل روائي عنوانه “الطفلة التي خبأتني في عباءتها” عن دار “أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع” بالقاهرة عاصمة القطر المصري الشقيق.
وهذه المفاجأة لم تخيّب ظن المتابعين لتجربة فاطمة أو المطّلعين عليها والمكتشفين عوالمها الإبداعية لأول مرّة لأنها كانت على مستوى رفيع من الجدّة والجودة طرقت فيها مواضيع حارقة تتعلّق بمعاناة المرأة الريفية بصفة خاصّة ووضعية المرأة في المجتمعات البشرية بصفة أعمّ.
 
وعند انكبابنا على محتوى الرواية وتصفحّنا لمختلف محتوياتها لاحظنا أمرا هاما وهو حضور الشعر في الرواية أو بروز جنس شعري داخل ذلك البناء السرديّ بصفة لافتة للنظر وخاصة عندما بوأته مكانة هامة وجعلت شخصيات الرواية تتعامل معه بوصفه حلاّ هاما لبعض الاشكاليّات التي عبرت الرواية بل نجد حديثا صريحا عنه مثل الشعر الجاهلي وأشعار أبي نواس ولكن منزلة الشعر تكبر أكثر عندما تجعل إحدى قصائدها فصلا فرعيا من فصول الرواية الثمانية مفتتحة به الفصل الثاني الذي بدأ في شكل نص شعري يحمل عنوان “اغتراب ذات”.
وقد جعل هذا الأمر تساؤلات عديدة تراودنا وتدور في خَلدنا منها لماذا هذا الاقحام الشعريّ داخل العمل السردي ولماذا تبويئه هذه المنزلة الهامة؟
وقد خُيّل إلينا أن الكاتبة تتمسك لا شعوريّا بصفتها الشعريّة ولسان حالها يريد أن يقول إنها تظلّ شاعرة بالأساس رغم اقتحامها مسيرتها في النشر بعمل روائي جيّد. ولعلها في كوامنها تخشى أن تغطي جودة الرواية على معاناتها الشعريّة وولعها بكتابة القصائد منذ زمن طويل نسبيّا.
ولسنا ندري إن كان لفاطمة التليلي أعمال روائية أخرى جاهزة أو في طور الاكتمال لكنها تباغتنا بعد أن بدأنا نستأنس بصفتها الروائية وندرس مكوناتها بإصدار ديوان شعري في العام الموالي أي سنة 2026 عنوانه “تسابيح مملة” صدر عن “دار الثقافية للنشر والتوزيع” بالمنستير وجاء لتثبت من خلاله صفتها الشعرية وتبرزها للقرّاء والدارسين. احتوت هذه المجموعة على واحد وثمانين قصيدا ومسحت مائة وسبعا وعشرين صفحة. وقبل الدخول إلى فناءاته والتمعن في فضاءاته تستوقفنا عتبة الغلاف التي اتسمت بقتامة السّواد الكثيف المنبئ بعوالم مظلمة وكئيبة وتعلوه في أعلى الجانب الأيمن صورة لنصف وجه امرأة مغمضة العين التي جاءت محوطة بالسّواد الذي صبغ نصف شفتيّ فمها ليزيد نصف الوجه هذا شحوبا وحزنا وشجًى… لعلّ ما يوحي به هذا المنظر هو أن نصف الوجه هذا هو شطر وجه المؤلفة الثاني جاء ليكمل النصف الأول الذي عكسته الرّواية الأولى وكأن صاحبة الأثر تريد أن تقول ها أنا أقدم نصف وجهي وشطره الثاني بعد أن قدّمت الشطر الأوّل في شكل عمل روائي. وما اللون الأسود المحيط به سوى تعبير عن عوالم المرأة المضطهدة والمقهورة والمليئة بالأوجاع والتي تشترك فيها الرواية والديوان ويأتي النصّ الشعري ليواصل طرح تلك القضايا المؤلمة التي طرحتها الرواية وعرضت ملابساتها.
وقبل الغوص في محتوى النصوص تستوقفنا العناوين التي تتكون نسبة كبيرة من بينها من لفظ واحد وفي هذا ايجاز ما بعده ايجاز ونذكر مثلا جملة منها ” اشتياق- احباط- حيرة- جنون- استسلام- خداع- اغتراب- حزن- تأبين- عزلة- هزيمة- اضطراب- هواجس- وجع- جفاء- نهاية- إثم- انهيار- بؤس- إهمال- خيبات- هروب- احتراق- بلاء- زيف- ارتباك إلخ…
واعتمدت الشاعرة طريقة مغايرة في صياغة عناوين أخرى ركبتها من خلال لفظين يجسمها تركيب إضافي أو نعتي مثل: هزيمة حب- مراسم دفن- وجع الرحيل- أضغاث أحلام- اغتراب ذات..
 
أو: وحدة قاتلة- مشاعر اعتباطية- تراكمات مقيتة- أحلام مستأجرة- انتصارات مزيفة- تناسق مزيف- انعكاس مشوّه- قصيدة مشبوهة… وهذا ما يذكّر بعنوان الكتاب: “تسابيح مملة”…
عند تعليقنا عن رواية فاطمة الأولى قلنا إن الكاتبة تكتب بوجع رهيب ولا يختلف الأمر في هذه المجموعة لأن الوجع رهيب وعميق كما توحي به العناوين بل إن هذه المجموعة تطفح به بطريقة أعمق لأنه قد وزّع في الرواية على عدّة شخصيات بينما يعصف في المجموعة بشخصية واحدة قد تكون الشاعرة أو امرأة وحيدة تتخبط في أعماق دهاليز من الأوجاع والآلام تنهش جسدها وتفتت روحها وتقطّع قلبها وتُمضُّ خيالها…
إن كمية الحزن المتدفقة من هذه العناوين وحصيلة الوجع المتصاعدة صرخاته من تلك الألفاظ طوفان عارم غمر الكتاب وأغرقه في أمواج قاسية متلاطمة تتخبط فيها الشاعرة دون أمل كبير في الخلاص وتتقاذفها في نزيف من دماء مسودّة طفحت بها الصفحات وفاضت بها النصوص…
تكاد تشترك معظم القصائد في موضوع واحد يتمثل في علاقة غراميّة بين شخصية مؤنثة وحبيب حاضر أحيانا وغائب في أكثر النصوص هذه الشخصية أو الحبيبة أو ربّما الشاعرة تتحدث عن هذه العلاقة وتؤكد صفاء سريرتها ونقاوة حبّها مقابل تصرّفات سلبية من الحبيب تحوم حول الغدر والخذلان والهروب والزّيف والفراق ويمكن جمعها في لفظ الخيانة بمختلف تشكّلاتها. وتشكو هذه المرأة من هذا الجحود أو الحب المتصنع والمفتعل والمشبوه الذي يتصف به الحبيب وتتواتر ألفاظ مثل عدم الوفاء والنّكران عدم نقاوة المشاعر والسلوكيات التي تحوم حول مفهوم الزّيف. إنها علاقة غرام بين عاشقة صادقة وعشيق كاذب ومفتر يتصنع الحب ويدلّس العلاقة ويدنسها ويغدر ويكذب ويخون ويهجر. رفضت الشاعرة هذا الغرام المزيف واشتكت وبكت وشهّرت واستنكرت وتألمت وثارت على هذه المعادلة غير السويّة ونزفت جراحاتها بالقصائد الموجعة والمتوجّعة وصاغت آلامها في نصوص كتابيّة قد تفرّج عن كربها قليلا. وتضخم الهوس الذي أصابها والوسواس الذي عصف بروحها لترى الزّيف يغمر الكون والمشاهد وتمسي القصائد كذلك مشبوهة ومزيّفة ويتحول الحبيب إلى شاعر كاذب ومتصنّع زائف. وانغمست العاشقة في فوبيا رهيبة ترى الغشّ في كل منعرج طريق وفي كل منعطف علاقة ويظهر هذا في أنها عبّرت عن شكواها بضمير المتكلّم المفرد ووجهت إصبع الاتهام إلى ضمير المخاطب المذكر المفرد وضمير الغائب المفرد وضمير المخاطب الجمع وضمير الغائب الجمع دليلا على أنها فقدت الثقة في إمكانية وجود علاقات سوية ونقية ولا يشوبها الرياء ولا يشوّهها النفاق رغم نصوص قليلة جدّا يراودها فيها بعض الأمل ونتشبث بالحب والصدق لتسقط من جديد في غياهب الخيانة والاستغلال والوجع.. ومن ذلك مثلا:

قالت له في خجل
كيف سأسرق من شفتيك
قُبلةً
وكل مشارعك مفتعلة؟
(قبلات عشق ص 120)
أو: أمازلت إلى اليوم حزينة 
أم أن لعنة حقدكم
أباحت سفك الدّماء
وأغرقت المدينة؟
(أكبر من الحزن ص 44)
أو: حزينة كليلة خائنة
أنّبها الضمير
وأرّقها البكاء
أشارك أوراق الخريف
ذبولها
وأبتسم لوجوه العابرين
كميّت يودّع الحياة
(عزلة ص 37)
ونتيجة لهذا الحزن الذي سببه الغدر فقدت الشاعرة لذّة الحياة وأصبحت ميّتة تمشي على قدميها في مجتمع غادر وأسراب طيور الفناء وغربان الاندثار ترفرف فوق خيالها لتحفل النصوص بأجواء كابوسية ترتبط بالموت مثل موت ونهاية وجنازة وتأبين ومراسم دفن يمكن أن نضيف إليها عنوان المجموعة (تسابيح مملة) تتلى على الموتى من أشباه الأحياء وتحدث الملل والضّجر لرمزيّتها الكاذبة والجوفاء..
كل هذه المفاهيم وما جسدتها من أجواء كتبتها فاطمة التليلي بلغة سلسة تنأى عن التعقيد والغموض في شكل نصوص شعرية منثورة تجنّبت البحور العروضية والأوزان الخليليّة وتجنّبت الّلهث وراء القافية والرويّ بل ركّزت على الاشتغال على صور شعريّة تعتمد تقنية التبسيط والوضوح لتنفذ فكرتها مباشرة إلى ذهن القارئ وخيال المتلقي حتى يستوعبها من أوّل مصافحة ونأخذه إلى تلك العوالم القائمة التي اشتركت الأوجاع والخيبات والانكسارات والهزائم في رسمها وتشكيلها.
وما يلاحظ فيها هو أنّها كادت تغيب فيها الغنائية وحضرت بقوة سرديّة شعريّة طبعت تلك النصوص. وما يسرّ نفوذها إلى فهم القارئ هو قصرها لأن معظمها لا يتجاوز الصّفحة وبعضها يكتفي بسطرين أو ثلاثة. وهذا الإيجاز يشجّع على قراءتها والإقبال على مطالعتها دون ملل قد تسببه المطوّلات المثقلة بالاستطرادات. وهنا نحس بحضور الروائية تستعير بعض تقنيات الرواية تساهم بها في بناء نصوصها الشعريّة. وهكذا يخدم السرد الشعر في هذه المجموعة كما خدم الشعر السّرد في روايتها الفارطة ويشعرنا بتداخل عميق بين الروائية والشاعرة. وما يؤكد هذا الاستنتاج هو أن بعض الجمل التي نطقت بها شخصيات الرواية تلخص ما جاء في المجموعة الشعرية من مواضيع وأغراض ودوافع كتابية ومن ذلك مثلا: “القاتل حقا هو انكسار القلب عندما يدرك في لحظة ما أنّك لم تكن يوما مهما لأحدهم. الوجع قاتل أيضا بطريقة ما حين تختبر أنّك محاط بالحب فتقتلك الحقيقة… ما بين الانكسار والوجع يأتي الخذلان وأن تخذل مّمن وثقنا بمحبّتهم الفطريّة هو موت آخر..
 
وخاتمة القول تتشكل في تساؤلات عدة:
هل أن فاطمة التليلي روائية تستخدم الشعر أم أنها شاعرة تستعمل فنّيات الكتابة الروائية في شعرها.
مسيرتها كما أسلفنا تبرز لنا أنها بدأت الكتابة شاعرة واعتقدت أن الشعر هو قدرها الكتابي لكن هذه الشاعرة التي تشكلت صورتها على مدى سنوات عدّة كانت تخبئ في عباءتها روائية تنمو بداخلها وفي أعماق لا شعورها.
ولا بد أنّ ما ستصدره لنا في قادم الأيام والأعوام سيجعلنا نتبيّن أكثر الخطّ الروائي من الخط الشعري ولكن في كل الحالات نجزم أنها تكتب بصدق لأنّها تغمس ريشتها في مداد جراحها النازفة…
حمام الأنف
29- 30 أكتوبر 2026
جلال المخ
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى