د.حسين عبد البصير يكتب زياد الرحباني: بين النغمة والسخرية

حين تفكر في زياد الرحباني لا تصل إليه مباشرة عبر سيرة مرتبة أو قائمة نجاحات تُعرض كالصور في بروازٍ رسميّ. زياد لُغة تتكوّن تدريجيًا من فواصلٍ، من مقاطعٍ موسيقية تختفي وتهلُّ من جديد، ومن جملٍ ساخرة تُطلّ في الختام كأنها تتركك مع سؤالٍ لا جواب له. في هذه القراءة أحاول الإمساك بتلك اللغات المتشعّبة: موسيقاه، ومسرحه، وسخرِيته السياسية، وعلاقتُه الحميمية بالبيت الرحباني، ووجودُه الإنسانيّ الذي يرفض أن يُختزل في أي تصنيفٍ واحد.
زياد ليس ظاهرةً سهلة الفهم لأنّ عمله يقوم على التناقضات: نغماتٌ بسيطة تهتزّ إلى الدرجة التي تفضح عمق الألم؛ ونكاتٌ مرّة تفضح جرحًا عمليًا في المجتمع؛ ولحظات صمتٍ تصير أقوى من أي موسيقى تُلعب بعدها. شكلُه الفنيّ أشبه بمرآةٍ لا تعكس صورةً ثابتة، بل تقطعها شروخٌ تكشف جوانبَ غير متوقعة. لذلك فقراءة زياد تتطلّب الصبر والاستماع أكثر من النظرة، والعودة إلى المقاطع كما يعود المرء إلى صفحةٍ طويلةٍ فيها جملٌ مفتوحة.

زادته العائلة مساحةً من الصوت والذاكرة؛ فقد نشأ في بيتٍ كانت فيه الموسيقى جزءًا من الروتين، وكانت الكلمات تُكتب على طرفي ورقةٍ أثناء إعداد فنجان القهوة. لكن الإرث لم يكن قُبلة تُقبَل دون نقاش؛ بل محور صراعٍ دائم بين الانتماء والتمرد. نجده هنا وريثًا لأسطورةٍ فنية، وهناك متمردًا عليها في آنٍ معًا — لا لِحُبِّ التمرد وحده، بل لأنّ التكرار كان يقتل عنده الحِسّ باللحظة. هذا الصراع هو ما يمنحه تلك القدرة على خلق صوتٍ جديد ينبع من الداخل، لا كتكملةٍ للإرث فحسب، بل كتحدٍّ له وتحويله إلى شيءٍ حيّ.
موسيقى زياد ليست مجرد لحنٍ يردّد، بل مختبرٌ يتفاعل فيه الطرب مع التجريب. يمزج جملًا موسيقيةً مألوفةً مع تناقضاتٍ لحنية، يدخل إليها عناصر من الجاز والتأثّر بالموسيقى العالمية، ثم يعيد تشكيلها بأجزائها الشرقيّة ومقاماتٍ تلتقي مع إيقاعاتٍ غير متوقعة، وترتيبٌ صوتيّ يستعمل الصمت كأداة درامية. في توزيعِه تجد ميلًا نحو العناصر الكهربائية أحيانًا، وتوجّهًا نحو الآلات التقليدية أحيانًا أخرى، لكن دائمًا ما تظلّ النغمة لدى زياد تخدم فكرةً أو لحظةً درامية لا تُغفر لها التفصيلات السطحية.
مسرح زياد ليس صفحةً صامتةً؛ هو عملٌ صوتيّ متعدّد المستويات. يتكوّن المشهد عنده من كلامٍ عاديٍّ يتداخل مع موسيقى تُفسّر الكلام، وفي أحيان كثيرة تتحول الموسيقى إلى شخصٍ آخر داخل المشهد. يعتمد حواره على اللغة العامية، لكنه لا ينزلق نحو البساطة والعامية عنده هي وسيلةٌ لإظهار التفاصيل الدقيقة في المجتمع — النكتة كدرعٍ، والجرح كفكاهةٍ أسود. البنية المسرحية غالبًا ما تفضّل القطع، والمشاهد القصيرة، والإضاءة التي توفِّر نافذةً على عالمٍ داخليٍّ؛ كل ذلك ليُبقي المشاهد في حالة يقظة دائمة، لا يسمح له بالجلوس في راحةِ الافتراضات.
إحدى أهمّ سمات زياد هي قدرته على تحويل النقد السياسي والاجتماعي إلى خطابٍ فني لا يوقع نفسه في التبسيط. سخريته ليست شتيمةً؛ بل هي أداة كشفٍ. هي تجعلنا نضحك ونكتشف أن الضحك نفسه مرًّا. في زمن الحرب والانقسام، استعمل زياد الحقل الموسيقي ليعرّي التناقضات، السياسيون يصبحون شخصيات هزلية لكنها مأساوية، المخاوف تصبح جُملًا قصيرة تُرَدد في الشارع، واللازمة الترديديّة تصبح صدىً لحاجةٍ داخلية. وهنا تكمن قوته، فهو لا يقدّم حلولًا بل يفتح جروحًا ويجعلها تُنطق، وهذا بحد ذاته فعل مقاوم في مجتمعاتٍ تفضّل الصمت أو الخطاب الرسميّ.
لا يمكن فصل زياد عن وجود فيروز في نصّ حياته. لكن العلاقة ليست أحادية؛ فهي ليست مجرد أيقونةٍ تُؤدى لها أغنيات، بل حضورٌ يوميّ في الذوق وفي تفاصيل المنزل. فيروز تظهر في كتابته كمشهدٍ حيّ: أمّ تصنع فنجان قهوة، امرأة تُصغي أكثر مما تتكلّم، ظلّ ثقيل من التاريخ والحنين. لا تقلّل هذه الحميمية من التوتر بينهما — التوتر الذي يمنح أعمال زياد بُعدًا إنسانيًا واقعيًا: الاحترام، والحماية، والرفض أحيانًا، والحب دائمًا بصيغته المعقّدة.
ربما أهم ما في زياد هو رفضه ليكون صنفًا ثابتًا. هو ليس مجرد ملحّن أو كاتب أو مخرج أو ناشط سياسي؛ هو كل ذلك معًا وفي آنٍ واحد. هذا التعدّد ليس تشظّيًا، بل اتساعًا — قدرة على احتضان أشكال التعبير المختلفة وتحويل كلّ منها إلى أداة لقراءة الواقع. التناقض هنا ليس ضعفًا، بل منهجٌ لإظهار أنَّ الحياة نفسها مُتناقضة ولا تتحمّل تعميماتٍ بسيطة.
زياد الرحباني لا يتركك وأنتَ هادئ؛ يُبقي الجمل معلقةً، والنغمات نصف مكتملة، والأسئلة بلا أمكنة للإجابة النهائية. هذه هي حيويته في أن يجعلك تستدير لتستمع مرةً أخرى، وأن تجيب بخفةٍ عنيفَة أو بمرارةٍ لطيفة. في عالمٍ يبحث عن أيقوناتٍ جاهزة، يذكّرنا زياد بأن الفنّ الحقيقيّ يجعلنا نصبح أكثر تعقيدًا — لا أقل. وفي النهاية، تبقى جملةٌ أخيرة من زياد تدور في رأسك كأنها لم تُغنَ بعدُ بالكامل؛ وتعلم حينها أن الفنّ العظيم هو الذي يترك مساحةً لنا لنكمل.