أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

عماد خالد رحمة يكتب السيمياء والشعر تأملات في لغة العلامة والرمز

 

في صميم الشعر تكمن قدرة الإنسان على تحوّل اللغة من أداة تواصل يومية إلى نظام من العلامات التي تتجاوز الدلالة المباشرة، فتفتح أبواباً على العوالم الممكنة والوجودية. ومن هنا يلتقي الشعر بالسيمياء، ذلك العلم الذي درس العلامة والرمز ودلالتهما عبر التاريخ، فاستطاع أن يكشف أن كل إشارة، سواء كانت لفظية أو بصرية، تحمل معنىً يتجاوز ظاهرها، ليكون حاضناً لتراكم الثقافة والوعي والخيال الإنساني.

يقول شارل بيرو (Charles Peirce)، مؤسس النظرية السيميائية الحديثة، إن العلامة هي شيء يقف لشخص ما لشيء آخر في بعض الاحتمالات. وعندما نطبق هذا المفهوم على الشعر، ندرك أن كل كلمة، كل صورة، كل استعارة شعورية ليست مجرد صوت أو شكل بل نافذة على حقيقة أعمق، على وهمٍ أو شعور أو تجربة إنسانية. فالقصيدة، بهذه الصورة، تصبح كائناً حياً، تتدفق عبره المعاني كما تتدفق الدماء في العروق، فتستحيل اللغة إلى تجربة وجودية كاملة.

وفي هذا السياق، يلتقي الشعر بالسيمياء في التمثيل الرمزي للعالم. فكما لاحظ رولان بارت في كتابه “نظام الموضة” و”موت المؤلف”، فإن العلامة ليست ثابتة، بل تتعدد دلالاتها باختلاف القارئ والسياق التاريخي والاجتماعي. والشاعر، مثل الفنان السيميائي، يزرع الرموز التي تلتقطها روح القارئ، فتحدث فعل التواصل عبر طبقات متعددة من الدلالة. ويصبح البيت الشعري، أو المشهد الرمزي، ككيان متعدّد الأبعاد، يشترك في بنائه العقل والوجدان والذاكرة الجمعية.

ويشير الفيلسوف الألماني هايدغر إلى أن اللغة هي “بيت الوجود”، وأن الفكر ذاته لا يتجسد إلا من خلال اللغة. وعندما يلتقي هذا المفهوم بالشعر، ندرك أن الصورة الشعرية ليست مجرد تجميل للمعنى، بل تجسيدٌ للفكر، وإعادة تركيب للعالم من خلال العلامة والرمز، لتكون اللغة حيّةً ومتحركة، تسكنها الإشارات والرموز، كما تسكننا.

من الشعراء العرب، نجد محمود درويش مثالاً حياً على هذا الانصهار بين السيمياء والشعر. فقصائده، مثل “في حضرة الغياب”، تستخدم الصور الرمزية للتعبير عن الحرية، الوطن، والهوية، حيث تصبح الكلمات علاماتٍ مفتوحة على مساحات من الحزن والأمل، من الذاكرة الجماعية والذاتية. كذلك نجد نزار قباني، الذي حوّل العاطفة والحب إلى شبكة من العلامات تتفاعل مع التجربة الإنسانية، فتصبح القصيدة رحلة إدراكية وجمالية في آن واحد.

ولا يقتصر أثر السيمياء في الشعر على الكلمة المكتوبة؛ بل يمتد إلى التجربة السمعية والبصرية للقصيدة. ففي الشعر الحديث، كما عند تي. إس. إليوت، تصبح الصور الشعرية علاماتٍ على حالة حضارية وثقافية، تتجاوز الذات لتصل إلى الوعي الجمعي، فتتحقق وظيفة الشعر بوصفه مرآة للوجود، وسجلّاً للإنسانية في لحظاتها الدقيقة.

إن العلاقة بين السيمياء والشعر تكشف عن حقيقة جوهرية: أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي آلة لخلق العالم، وأن الرموز والشواهد الشعرية هي جسور بين الوعي واللاوعي، بين الفرد والمجتمع، بين الماضي والحاضر. ومن هنا، يمكن القول إن كل قصيدة حقيقية هي تجربة سيميائية بامتياز، إذ تحتضن العلامة والرمز واللغة في حوار متجدد مع الفكر، والعاطفة، والوجود نفسه.

إن السيمياء، بهذا المعنى، تمنح الشعر قدرة غير محدودة على التعددية والديناميكية، بينما يمنح الشعر السيمياء جسداً ينبض بالحياة، وعالمًا يتجاوز حدود الكلمات، ليصبح كل بيت شعري نافذة على ما هو غير مرئي، وعلى ما هو مستحيل في الحياة اليومية، لكنه ممكن في العالم الشعري والرمزي.

الناقد الأدبي عماد خالد رحمة ـ برلين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى