عماد خالد رحمة يكتب من جلد الذات إلى هرمنيوطيقا الأمل الشعر والفكر في مواجهة خطاب الهزيمة:
الشعر والفكر في مواجهة خطاب الهزيمة:

من أخطر ما يواجه الثقافة العربية المعاصرة هو انجرار بعض المثقفين إلى تقاليد جلد الذات، حيث يكرّرون خطابات تُشيّئ الأمة ككيان عاجز عن الديمقراطية، غارق في الجهل، وخارج التاريخ. وهذا الخطاب، في جوهره السيميائي، ليس سوى إعادة إنتاج للهزيمة في صورة رمزية متكررة، لا تفتح أفقاً، بل تسدّه.
لكن الأدب والشعر، بما يملكانه من قدرة رمزية على توليد المعنى، يقدمان نموذجاً آخر للوعي: نموذجاً يُمارس النقد والجرح، لكن ليعيد إنتاج أفق الأمل.
—1. المتنبي: بين جرح الفرد وأفق الأمة:
يقول المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ / فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ
_ سيميائياً، البيت يقوم على علاقة “النجوم” كعلامة سامية ترمز إلى المدى الأقصى، مقابل “ما دونها” كعلامة على الانكسار والرضا بالقليل. وهكذا يُترجم المتنبي طاقة الفرد والأمة معاً: الارتقاء هو المعنى الممكن، بينما الرضا بالدون هو موت المعنى.
أما هرمنيوطيقياً، فإن البيت يحرّض على قراءة الحاضر كمرحلة مفتوحة على إمكانية العلوّ، لا كقدر من العجز الأبدي. إنه خطاب ضد “النص المغلق” الذي يكرّسه مثقفو جلد الذات، وفتح لأفق المعنى حيث الجرح يُترجم إلى إرادة ارتقاء.
—2. المعري: هرمنيوطيقا الشك،
قال أبو العلاء المعري:
هذا جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحدِ
_ سيميائياً، هذه الجملة البسيطة تمثل علامة على عبثية الإرث الموروث: “جناه أبي” ليس سوى رمز للتراث الثقيل الذي يُلقى على الفرد. أما “وما جنيت على أحد” فهو إعلان براءة الذات الفردية أمام تاريخ لا ترضى أن تتماهى معه.
_ هيرمنيوطيقياً، يفتح النص قراءة شكاكة : المعري يفكك البنية الموروثة لا ليجلد ذاته، بل ليحررها من أثقالها. هنا يلتقي مع مشروع محمد عابد الجابري في نقد “بنية العقل العربي” الذي يدعو إلى تمييز الموروث القابل للاستثمار من الموروث المثقل بالعطالة.
—3. السياب: الجرح كرمز ولادة،
يقول بدر شاكر السياب:
من أين يأتي الفرح؟ / من أين يأتي الفرح؟ / والليل يطول / كالبحرِ بلا شاطئ…
هنا، العلامات السيميائية واضحة: “الليل” كرمز للنكوص والظلام، و”البحر بلا شاطئ” كرمز للتيه والضياع. لكن القصيدة لا تقف عند هذا الحد، بل تنتهي غالباً بومضة أمل، كما في قوله:
سيأتي الربيع… سيزهر في الروح ما قد ذبل.
هيرمنيوطيقياً، نص السياب هو نص “جرح يُنتج أفقاً”، أي أن الهزيمة ليست نهاية، بل بداية دورة جديدة من المعنى. إنه يعلّمنا كيف نقرأ جرح الأمة كتجربة تأويلية لا تُغلق على الانكسار، بل تُفتح على احتمالات الولادة.
—4. من الشعر إلى الفلسفة: نحو خطاب أمل جديد
_ المتنبي يفتح أفق الإرادة والتجاوز.
_ المعري يُعلّمنا شجاعة الشك في النصوص الموروثة.
_ السياب يجعل من الجرح علامة على ولادة جديدة.
هذه النماذج الشعرية تكشف أن الثقافة العربية لا يمكن اختزالها في خطاب “جلد الذات”، بل هي نص مفتوح على إمكانات متعددة. هنا نتذكر قول بول ريكور: “التأويل الحقيقي هو الذي يعطي للإنسان قدرة على الأمل.”
إننا بحاجة إلى سيمياء جديدة تُعيد قراءة رموزنا بغير نظرة الهزيمة، وإلى هيرمينوطيقا منفتحة تحرر النصوص من أسر التأويل الواحد. وبذلك يتحول المثقف من “جلاد” يكرر الجمل الجاهزة إلى “مؤول” يفتح النص العربي على معانٍ جديدة قادرة على استنهاض الوعي.
—خاتمة:
جلد الذات لا يقود إلا إلى العدمية، بينما النقد المسؤول ـ كما عند الجابري، أدونيس، ودرويش ـ هو ما يمنح النص العربي فرصة ليعيد إنتاج ذاته في أفق التاريخ. إن الشعر والفكر، إذا ما قُرئا سيميائياً وهيرمينوطيقياً، يكشفان أن أمتنا ليست خارج التاريخ، بل في قلبه، لكنها تنتظر من يعيد قراءتها بوعي جديد.
_ وكما قال محمود درويش:
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.
إنها ليست جملة شعرية فحسب، بل برنامج هرمنيوطيقي كامل: تحويل الجرح إلى معنى، واليأس إلى أمل، والجلد إلى نقد يبني.