الرئيسية

كان يا ما كان حكاية اليوم اللي وُلد فيه الحاسوب الشخصي من IBM

في صباح دافئ من أيام أغسطس 1981، كانت نيويورك تستيقظ على ضجيج سيارات الأجرة الصفراء وأصوات الباعة في الشوارع، لكن في قاعة فخمة بفندق Waldorf Astoria، كان المشهد مختلفًا تمامًا. هناك، اجتمع عشرات الصحفيين والمصورين، والعيون كلها تتجه نحو منصة صغيرة يعلوها شعار IBM الأزرق الشهير.

على المنصة وقف رجل أنيق ببدلة رمادية، وفي صوته خليط من الفخر والحذر، وكأنه يعلم أن ما سيعلنه اليوم قد يغيّر شكل العالم. أمامه كان هناك صندوق مستطيل بلون البيج، لوحة مفاتيح سوداء، وشاشة بسيطة… لا يبدو شيئًا يلفت النظر لأول وهلة. لكن ما يختبئ داخله كان بذرة الثورة القادمة.

قال الرجل بصوت ثابت:
“نقدم لكم… IBM Personal Computer – موديل 5150”

لم يكن أحد وقتها يتخيل أن هذا الإعلان سيصبح علامة فارقة، وأن هذا الجهاز الصغير سيغير طريقة عمل الناس وتواصلهم وحياتهم كلها. كان الحاسوب يعمل بمعالج Intel 8088، سرعة لا تتجاوز 4.77 ميجاهرتز، وذاكرة 16 كيلوبايت فقط، لكنها كافية في ذلك الزمن لتشغيل برامج الكتابة والحساب وحتى بعض الألعاب البدائية.

لكن سر قوته لم يكن في المواصفات وحدها، بل في فكرة البنية المفتوحة. أي شخص أو شركة يمكنها تصميم قطع أو برامج لهذا الجهاز، وهذا ما جعل الباب مفتوحًا أمام سيل من الابتكارات. ولأول مرة، أصبح بإمكان الشركات الصغيرة أن تصنع شيئًا متوافقًا مع “كمبيوتر IBM”، وهذا ما أعطى ولادة لمفهوم الـ IBM-Compatible.

عندما بدأ العرض، شاهد الحضور كيف يمكن للجهاز كتابة نصوص على الشاشة، وحساب جداول، وحتى تشغيل برنامج رسومي بسيط. كان المشهد أشبه برؤية سحر يحدث أمام العيون. الصحفيون كانوا يدوّنون، وبعضهم كان يبتسم بخفة وكأنه أدرك أن المكاتب ستتغير إلى الأبد.

السعر؟ 1,565 دولارًا للنسخة الأساسية. رقم لم يكن قليلًا، لكنه كان أرخص مما توقعه الكثيرون من شركة عملاقة مثل IBM. ومع مرور الأشهر، جاءت الطلبات كالسيل؛ في أول أربعة أشهر بيعت 65 ألف وحدة، وبحلول نهاية العام، تجاوزت الطلبات 100 ألف.

في البيوت، بدأ الناس يضعون الجهاز في غرف المعيشة، الأب يكتب تقاريره، الأم تجرب برنامج جداول الميزانية، والأطفال يكتشفون ألعابًا بدائية لكنها ساحرة. وفي الشركات، صار الـ IBM PC أداة أساسية، ومعه انتشرت برامج مثل Lotus 1-2-3، وأصبح الحاسوب جزءًا من لغة العمل اليومي.

لم يكن هذا اليوم مجرد إطلاق منتج، بل كان ولادة حقبة. الحاسوب الشخصي لم يعد حلمًا في أفلام الخيال العلمي، بل صار واقعًا يمكن شراؤه، لمسه، وتشغيله في أي بيت أو مكتب.

واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، ما زال اسم IBM 5150 محفورًا في ذاكرة التاريخ كأول خطوة حقيقية في جعل الحوسبة شخصية، قريبة من كل إنسان… تمامًا كما أرادوا في ذلك الصباح الدافئ من أغسطس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى