أراء حرةالرئيسية

الشعر والفلسفة: جدلية الجمال والفكر بقلم عماد خالد رحمة _ برلين.

 

منذ فجر الفكر الإنساني، وقف الشعر والفلسفة كتوأمين متخاصمين ومتآلفين في آنٍ معاً؛ فالشعر بجماليته ورموزه وصوره، والفلسفة بعقلانيتها وتجريدها ومفاهيمها، يتقاطعان عند تخوم السؤال الوجودي، ويتنازعان أحياناً في أسلوب مقاربته. إنّ الشعر، كما يرى هايدغر، ليس مجرد فنّ لغوي بل هو موطن الكينونة؛ بينما الفلسفة، كما صاغها أفلاطون، هي حب الحكمة، أي السعي الدائم وراء الحقيقة. وبين موطن الكينونة ومسعى الحقيقة، تتولّد علاقة مركّبة تكشف عن أعماق الوجود.
_ الشعر كوعاء للفكر الفلسفي:

حين يكتب الشاعر، لا يكتفي برصف الكلمات في إيقاعات موسيقية، بل يفتح أفقاً للمعنى، ويمنح المفهوم الفلسفي لحمًا ودماً. لقد كان أبو العلاء المعري مثالاً بارزاً على ذلك؛ إذ عبّر في اللزوميات عن شكّه العميق في الحياة والوجود، وكأنّه ينسج من الشعر فلسفة متشظّية، تتأرجح بين اليقين واللاأدرية. وهنا نجد ما ذهب إليه غاستون باشلار، الذي اعتبر أن الشعر يُعيد صياغة العالم من الداخل، في حين أن الفلسفة تحاول القبض عليه من الخارج.
_ البحث عن الحقيقة بين الشعر والفلسفة:
يتشابه الشاعر والفيلسوف في سعيهما إلى كشف الحقيقة، غير أن أدواتهما تختلف. فالشعر يقتنص الحقيقة بالحدس والصورة والرمز، بينما الفلسفة تفكّكها بالعقل والمنطق والمفهوم. ومع ذلك، فإن الحدس الشعري قد يسبق المنطق الفلسفي في التقاط جوهرٍ ما، كما في تجربة محمود درويش الذي صاغ مأساة الوجود الفلسطيني بلغة تتجاوز السياسي إلى الكوني، فتلامس سؤال الهوية والموت والحرية. وهنا يلتقي مع هيدغر في كون الشعر ضرباً من كشف الوجود .
_ التأثير المتبادل بين الشعر والفلسفة:
كثيراً ما ألهمت الفلسفة الشعراء، كما استقى الفلاسفة من الشعر. فأفلاطون، رغم نقده للشعراء في الجمهورية، لم يستطع أن يستغني عن الصور الشعرية في صياغة فلسفته، فيما وجد نيتشه في الشعر شكلاً للتفلسف الحرّ، حتى قال إن “أعظم الأفكار تُولد من رقص الكلمات”. أما أدونيس في عصرنا الحديث فقد انفتح على الموروث الفلسفي، مستلهماً من المتصوفة والفلاسفة على السواء، ليجعل من الشعر أفقًا للتجديد وكسر القوالب.
_ الرؤية والتفسير: الشعر والفلسفة كطريقتين لمعرفة العالم:
إذا كان الشاعر يقدم رؤيته للعالم عبر الانفعال الوجودي، فإنّ الفيلسوف يسعى إلى تفسير العالم عبر بناء النظريات. ومع ذلك، كلاهما يحاول تجاوز سطح الواقع نحو جوهره. إن الرؤية الشعرية، بما تحمله من ذاتية، قد تكمّل التفسير الفلسفي، بما يحمله من تجريد وموضوعية. هكذا يتّحد الجمال والحكمة في سبيل تقديم صورة أكثر ثراءً عن الإنسان والعالم.
_ الذات والوجود: بين التجربة والكلية:
الشعر غالباً ما يركّز على التجربة الذاتية وما يعتمل في النفس من مشاعر، بينما الفلسفة تبحث عن العام والكلّي. غير أن الذات ليست معزولة عن الوجود، بل هي جزء من الكلّ. وهكذا يصبح الشعر نافذة الفيلسوف على أعماق التجربة الإنسانية، كما تصبح الفلسفة سنداً للشاعر في تعميق لغته وتجربته.
_خاتمة: تكامل لا خصومة:

إن العلاقة بين الشعر والفلسفة ليست علاقة قطيعة، بل هي علاقة جدلية يتناوب فيها الجمال والفكر على التعبير عن الوجود. فالشعر يكسو الفلسفة بالصور والرموز، والفلسفة تمنح الشعر عمقاً ورسوخاً في البحث عن المعنى. وكما عبّر هايدغر: “الشعر يؤسّس الكينونة”، يمكن القول إن الفلسفة تمنحها المعنى النظري، وبذلك يتكامل الاثنان في بناء رؤية إنسانية شاملة، لا ينفصل فيها العاطفي عن العقلي، ولا الجمالي عن الحكمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى