الرئيسيةدراسات ومقالات

علاء العلاف يكتب الكاتب ممثلاً للحياة: ماركيز وكونراد أنموذجين

الله على جمال ماركيز!

ذلك الكاتب الذي لا يخطئ القارئُ طريقه إلى قلبه، ولا يخرج من عوالمه كما دخل. ما أروع تمكّنه، وما أعمق فرادته بين الكُتّاب والروائيين. لم يأتِ ماركيز من فراغ، بل خرج من رحم الحياة، ابنًا لتجاربها ومُترجمًا أمينًا لتفاصيلها الدقيقة، عاشها أولًا بوجدانه، ثم نحتها على الورق بلغة تشبه السحر. ليس من السهل على أي كاتب أن يخلق حياة داخل النص. فالقصة الجيدة ليست حكاية فحسب، بل عالمٌ متكاملٌ نابضٌ بالأحاسيس والمفارقات، يتطلب من الكاتب وعيًا ثقافيًا عميقًا وخيالًا مركبًا وتجربة إنسانية واسعة بل ذاكرة حادة تشبه الموسوعة، تستدعي وتستحضر ما هو شخصيّ وما هو جمعيّ في آنٍ معًا. يذكّرني ماركيز بالممثل العظيم الذي يؤدّي أدواره بتقمّص كامل، حتى في أكثر الأزمنة اضطرابًا، فيصنع من كل ظهور له لوحةً لا تُنسى. فالكاتب الحقيقي كالممثل الحقيقي، لا يمثل الحياة، بل يعيد خلقها بتفاصيلها، بانفعالاتها، بصمتها وضجيجها معًا.

وإذا كان ماركيز قد أدهشنا بسحر الواقعية، فإن جوزيف كونراد يأسرنا بنقائه النفسي واللغوي. كونراد، الكاتب الذي رسم عوالم البحر والمغامرة، استند في إحدى رواياته إلى حادثة حقيقية وقعت لإحدى السفن في بحر الصين، وبلغت أصداؤها كل الموانئ المطلة عليه. ورغم أنه لم يلتقِ بأي من الناجين من تلك الرحلة القاسية، إلا أنه استطاع، بطريقة فريدة، أن ينسج تفاصيل دقيقة تكاد تجعلك تظن أنه كان معهم في قلب العاصفة. لكن ما ميّز نصه لم يكن وصفه للإعصار الذي داهم السفينة، بل اهتمامه العميق بردود الفعل البشرية في لحظة الذعر الكلّي. لم تكن الكارثة الطّبيعية هي المحور، بل الكارثة الإنسانية التي تتكشف حين يجد الإنسان نفسه تحت الضغط، وحين تصبح كلّ حركة أو قرار مسألة حياة أو موت. كان الطّاقم مرتبكًا والخوف سيّد اللحظة والسفينة على حافة الهلاك. لكن القبطان -ذلك الرجل البسيط قليل الخبرة وبطيء الحركة- تحوّل إلى بطل هادئ، بفضل قراراته الحكيمة وبُعد نظره في إدارة الأزمة. هنا، تبرز عبقرية كونراد، الذي صوّر هذه اللحظة الحرجة بلغة آسرة، تنقل المشهد لا إلى عينيك فحسب، بل إلى أعماقك. إنه الأدب حين يكون أكثر من سرد… حين يصبح كشفًا للنفس الإنسانية، مرآةً للقرار تحت الخوف، وللنّجاة من الدّاخل قبل الخارج.


يجتمع ماركيز وكونراد في أمر واحد على تباين أساليبهما وتوجهاتهما: القدرة على تحويل التّجربة الإنسانيّة، مهما كانت خارقة أو عادية، إلى عمل فني خالد. فهما لا يكتبان فحسب، بل يعيدان تشكيل الحياة، ويمنحان القارئ فرصة ليعيش أكثر من حياة، ويشهد على أكثر من عالم. ولهذا، تبقى أعمالهما شاهدة على أن الأدب ليس ترفًا، بل ضرورة… وسيلة لفهم أنفسنا في مرآة القصص التي نرويها.

الأديب علاء العلاف ـ العراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى