د. إسحاق بندري التنوير في مواجهة الأصولية قراءة في فكر البروفيسور مراد وهبة

يُعَدُّ الفيلسوف المصري الدكتور مراد وهبة (1926- 2026) صاحب ريادة فارقة في تاريخ الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ليس فقط لصفته الأكاديمية المرموقة، بل لأنه أيضًا مفكر ومناضل قد تبنى العقلانية كمنهج عملي والعلمانية كعقيدة فكرية. وُلِدَ مراد وهبة في 13 أكتوبر 1926 بمحافظة أسيوط، درس الفلسفة في جامعات القاهرة (فؤاد الأول)، وشغل درجة الأستاذية في الفلسفة بجامعة عين شمس بجانب عضويته في مجموعة من الأكاديميات والمنظمات الدولية كما أنه مؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير.
الفلسفة كأداة لتغيير الواقع
نشأ مراد وهبة في بيئة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى، مما أسهم في تشكيل وعيه المبكر وغرس في ذهنه ضرورة الإصلاح الثقافي والمجتمعي على نحو جذري. ولذا جاء مشروعه التنويري نتيجةً لقراءة متأنية في طبيعة صراع العقل العربي مع المُطلقات التي قيدته لقرون، ليشكل محاولة دؤوبة تهدف إلى نشر فكرة جوهرية قوامها أن تتحول الفلسفة من مجرد رفاهية فكرية إلى وسيلة للتلاحم مع الواقع والسعي إلى تغييره.
يشرح الدكتور وهبة أزمة العقل العربي شرحًا شاملًا يتناول حالته الحضارية في لحظة احتقانها القصوى، إذ ينطلق من فرضية راديكالية تتجاوز فكرة أن الخلل مجرد عارض سياسي أو تدهور اقتصادي، بل هو جريمة معرفية مكتملة. تتمثل هذه الجريمة في إحلال ذهنية الإذعان محل العقلية النقدية والركون إلى جمود المطلق بدلًا من مجاراة حركة التاريخ المستمرة.
فك الاشتباك بين المطلق والنسبي
تتأسس فلسفة وهبة على دراسة التشابك بين المطلق والنسبي في تشخيصه للمجتمعات التي تعاني من الدوجماتية. يرى وهبة أن تأليه النسبي هو أساس الأزمة؛ أي إسباغ طابع القداسة على نتاج بشري هو بطبيعة الحال وليد لسياقاته الزمانية والمكانية.
وفي رأيه أيضًا أن المطلق هو العدو اللدود للحضارة لأنه يصادر على حرية التساؤل؛ أي تتحول القراءة البشرية للنص الديني، أو النظرية السياسية، أو الشخصية القيادية إلى يقين نهائي غير قابل للمراجعة، وبذلك نجد أنفسنا في مواجهة عملية تجميد للزمان. يطرح وهبة تعريفًا للعلمانية يغيب عن أذهان الكثيرين؛ لأن العلمانية ليست مجرد فصل مؤسساتي بين الديني والدنيوي، بل هي إبستيمولوجيا عقلية تتمحور حول التفكير في النسبي بما هو نسبي. أي الاعتراف بمحدودية العقل البشري، مما يفتح الباب أمام التعددية وقبول التنوع في الرؤى النسبية وتجنب الانخراط في صراع بين الحق والباطل.
مراحل إنتاج الإرهاب
يفسر مراد وهبة آليات الانهيار الحضاري عبر تحليل سوسيوفلسفي دقيق يتتبع المسار التراتبي لتلك العملية؛ لأن تحول العواطف الإيمانية إلى دوجما رافضة للاختلاف لا يحدث عشوائيًّا.
تبدأ المرحلة الأولى من خلال اختزال التجربة الروحية إلى قواعد ذهنية منغلقة لا تتقبل فكرة الاختلاف. ينجم عن ذلك حدوث الصدام الاجتماعي من جراء فرض التنميط على واقع متعدد بطبيعته. أما منبت ذلك الصدام فهو توهم امتلاك الحقيقة المطلقة النهائية بما ينفي مشروعية أي آخر مغاير. ثم تأتي النتيجة الحتمية في استخدام الإقصاء الذي تتسم به الحقيقة المطلقة بطابعها الحصري مما يؤدي إلى خروج المخالف من إطار التنوع والتعدد إلى اعتباره باطلًا يخالف الحق. ثم تحل المرحلة الأخيرة الباعثة على الأسف ومفادها تصفية الجسد بعد تصفية المعاني إذ يصبح القتل واجبًا في نظر أصحاب الحقيقة المطلقة بفعل ما يسببه لهم النسبي من إزعاج بالغ.
يرى وهبة أن كسر هذه السلسلة العدمية لا يتأتى عبر السجالات السطحية وحدها، بل باستعادة مشروعية التأويل. وهذا الأمر لا يقتصر على مجرد التلاعب بالألفاظ، بل هو بمثابة تحرير للنص من قيود الحرفية والدوجما، وإعادة دمج الفكر الديني في حركة التطور الدائمة.
جرثومة التخلف وسر الجمود
ابتكر مراد وهبة مصطلحًا أطلق عليه “جرثومة التخلف”، وقد أفرد لهذا المصطلح كتابًا كاملًا يتناوله بالشرح التفصيلي. تُعتَبَر هذه الجرثومة فكرًا طفيليًّا؛ فهي تسكن العقل الجمعي وتحد من انطلاق تفكيره وتعوق مساره عن الحداثة. في رأي وهبة أن هذه الجرثومة تتغذى على تغييب العقل وتعمل على إحلال النقل محله. تظهر هذه الجرثومة في رفض المجتمع لكل ما هو جديد أو غريب عن موروثه، مما يسفر عن حالة من الاستعلاء الحضاري. الإصابة بهذه الجرثومة تتسبب في تخوف العقل من السؤال، وتفضيله للتبعية، فضلًا عن استمتاعه بالبقاء في كهف الماضي، ينتهي الأمر إلى ما يمكن وصفه بالانتحار العقلي. لا تأتي مقاومة هذه الجرثومة إلا بزعزعة الثوابت الوهمية وإعادة الاعتبار للشك المنهجي والنزعة العقلية.
تحالف الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية
من وجهة نظر مراد وهبة فإن أحد أخطر التحالفات السلبية التي وقعت في العصر الحديث هو التحالف بين الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية. لم يأتِ هذا التحالف بالمصادفة؛ لأنه في المقام الأول تزاوج للمصالح الآنية. من ناحية، تضمن الأصولية الدينية انتشار السطحية وتغييب العقل الجمعي في خضم الغيبيات والحقائق المطلقة بما يمنعه من حرية التفكير وفهم آليات الجمود والمطالبة بحقوقه. ومن ناحية أخرى تعمل الرأسمالية الطفيلية على استمرار حالة انعدام التنوير، لأنها رأسمالية لا تنتج المعرفة، بل تعتمد على الأرباح السريعة، في تناقض تام مع الرأسمالية الصناعية التي أنتجت العلم والاستنارة. عندما يسود ذلك النمط من التحالف غير المقدس في مجتمع ما، فإن النتيجة الكارثية له تتضح في تآكل الطبقة المتوسطة المستنيرة، إذ تحل محلها طبقة هجينة تتألف قيمها من الثروة الطفيلية والخطاب الديني المتشدد، مما يعرقل طريق أي نهضة علمية أو صناعية حقيقية.
الفلسفة الرشدية كجسر للعبور
ثمة قيمة مركزية لفلسفة ابن رشد في فكر مراد وهبة؛ لأنها كلمة السر التي استغلها الغرب واستثمرها في نهضته في حين تغافل الشرق عنها. تكمن المفارقة البالغة في أن أوروبا لم تخرج من غياهب العصر الوسيط إلا عبر بوابة الرشدية اللاتينية. تمكن الغرب من فصل الحقيقة العلمية عن المطلقات الدينية مما مهد للثورة العلمية والصناعية. أما الشرق إذ تجاهل ابن رشد فقد ارتكن إلى رفض إعمال العقل في النص، ومن ثم أتت المحصلة الكارثية المعبرة عن حالة التناقض: استهلاك منتجات الغرب التكنولوجية مع رفض المنظومة المعرفية والقيمية التي أنتجتها. ولذلك يشدد مراد وهبة على أهمية تأسيس الرشدية العربية كجسر للعبور نحو المستقبل.
المثقف الخائن والمثقف الرؤيوي
يوجه وهبة نقدًا قاسيًّا إلى دور النخبة المثقفة؛ لأنه غالبًا ما تكتنف المثقف العربي حالة فصام حضاري، فهو يتبنى قشور الحضارة، لكنه يتردد أمام نسقها الفكري، كما أنه يتراجع نحو مفاهيم قبيلته أو طائفته في لحظات الأزمة. يشير وهبة إلى أن خيانة المثقف تتبين في صمته عن مجابهة المطلقات وتفكيكيها بالإضافة إلى مجاراته للعقل الجمعي الغارق في الخرافة. في حين أن المثقف الرؤيوي في منظور وهبة هو من يملك شجاعة الانحياز لصالح المستقبل الإنساني؛ لأنه يدرك أن الحضارة الإنسانية وحدة عالمية لا تتجزأ مهما تعددت الثقافات، وأن الانفصال عنها تحت ذريعة الخصوصية الثقافية لا يزيد عن كونه ترديًّا حضاريًّا مُقَنَّعًا. يقتضي التنوير التحلي بشجاعة البداية؛ الشجاعة في إعلان أن العقل هو المرجعية النهائية للحقيقة الإنسانية.
إرث مراد وهبة
لم يكتفِ مراد وهبة بشرح نظريات الفلسفة، بل أخذ على عاتقه أن يرسخ السؤال الفلسفي في الثقافة العربية، إذ عمل طوال حياته على تشخيص الداء العربي بدقة: العيش في مفارقة حضارية تستخدم مظاهر الحداثة الغربية وتحارب العقلانية التي أنتجتها.
وبالتالي فإن مشروع مراد وهبة يقدم دعوة لاستئناف ما بدأه جيل الرواد في مسيرة التنوير. لا يتوقف التنوير بانتهاء مرحلة تاريخية معينة، لكنه عملية مستمرة تصبو إلى تحرير الإنسان من سلطة الغيبيات. في دعوة البروفيسور وهبة إلى الرشدية المصرية والعربية طريق واضح للخروج من نفق الطائفية والإرهاب والتخلف؛ لأن العقلانية في مفهومه ليست فكرة مجردة، بل هي نضال يهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي علماني، يسود فيه العقل، ولا حقيقة فيه إلا تلك الخاضعة لمعيار الاختبار والنقد باستمرار.




