“سطران في وجع الكلام” لعماد الشاعر.. حين يسير البوح على حافة الوجع

عمّان- متابعة أوبرا مصر
يقدم الشاعر الأردني عماد الشاعر في مجموعته «سطران في وجع الكلام» تجربة شعرية مشغولة على حافة اللغة والوجع، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة للبوح والاحتجاج والحنين، وتصبح الكلمات نفسها كائنًا يتألم ويتردد ويقاوم.
في هذا العمل الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن، لا يكتب الشاعر عن الألم بوصفه موضوعًا خارجيًّا، بل يكتبه بوصفه مادةً لغوية نابضة، فالقصيدة هنا ليست زخرفة للمعنى، بل اختبارٌ لقدرة الحرف على حمل ما لا يُحتمل، وقدرته في الوقت نفسه على أن يكون شاهدًا على الإنسان وهو يتهدّم ثم يعيد بناء نفسه من جديد.
يضم الديوان نصوصًا تتوزع على مقاطع وعناوين متتابعة، تتحرك بين التأمل الوجودي، والحنين، والهوية، وأسئلة الوطن، واللغة بوصفها قدرًا لا مهرب منه.
ويتقدم الديوان بخطاب كثيف الصورة، متوتر الإيقاع، لكنه شديد القرب من التجربة الإنسانية اليومية؛ فكل قصيدة تشبه نافذة تُفتح على ما هو شخصي وعام في آن واحد، لتبدو الذات الشاعرة فردًا يتكلم باسم نفسه وباسم جمعٍ كبيرٍ من العابرين في وجع هذا العالم.
منذ النص الأول يهيمن “الغياب” بوصفه مساحة للذاكرة، لا مجرد فقدٍ عابر، وفي نص آخر يحمل عنوان «تفاصيل امرأة في الغياب» يخاطب الشاعر الحلم كما لو كان شريكًا في الألم: «يا حُلمُ
ما كُلُّ هذا الضَّبابِ المُرَصَّع
بالذّاكِرَةْ!».
ثم يرسم الشاعر صورةً مدهشة للحلم وهو يقف على حافة الغيم:
“أَنتَ على حافَّةِ الغَيمِ
والغَيمُ دَمعُ السَّماءِ
وغصَّتُها الماطرةْ”.
وتبدو المرأة هنا وحيدةً في انتظار لا ينتهي:
“وحدها
عند بوّابةِ الغدِ تغفو
وبوّابةُ الغدِ مغلقةٌ
والنهارُ بعيدْ”.
هذه اللغة لا “تحكي قصة” بقدر ما تخلق مناخًا روحيًّا كاملًا: ضباب، ذاكرة، بوابة مغلقة، نهار بعيد… مفردات تُدخل القارئ إلى قلب الديوان من غير أن تشرح له كل شيء، بل تتركه يتلمّس المعنى كما يتلمّس الحزن.
وفي قلب الديوان تظهر القصيدة بوصفها معبرًا بين الذات والعالم، وبين الحياة والموت، وبين السؤال والإيمان. ويبدو الشاعر وهو يفتّش عن وجهته داخل هذا الفراغ الهلامي، فيكتب:
“هذا الفَضاءُ الهُلامِيُّ مَحْضُ طُفولَةْ»، وكأن القصيدة تُعيد الإنسان إلى طفولته الأولى، حين كان العالم كله سؤالًا ومجازًا”.
وفي مقطع آخر يصف تردد المعنى وارتباك الرؤية:
“أنا والرُّوحُ نِسرانِ
إذا خَفَّت مَوازينُ
على عَجَلٍ يَطيرانِ
وإن ثَقُلَت موازينُ
على عَهدٍ يَظَلّانِ”.
لتبدو الروح هنا طائرًا يعلو حين يخفّ الحمل، ويبقى حين تثقل التجربة، وكأن الشعر شكلٌ من أشكال الصمود.
ولا يكتفي الديوان بالهمّ الذاتي، بل يذهب إلى فلسطين بوصفها جرحًا ومعنى، وإلى المدن بوصفها ذاكرة مقاومة لا تُمحى. ففي نص «في فلسطين» تبرز نبرة البقاء والتشبث:
“في فلسطينَ
باقونَ
على الجُرحِ نحنُ”.
ثم تتكاثف المعاني في إعلان هوية لا تُقهر: «في فلسطينَ لنا ربُّنا/ واحدٌ وأحَدْ». وفي نص «قالت القدسُ» تتحول المدينة إلى صوتٍ يتجاوز الأزمنة:
“أنا القُدسُ
شَمسُ الفلسطينيِّ
أنا القُدسُ
نَفْسُ الفلسطينيِّ
أنا القدسُ
روحُ الفلسطينيِّ العَلِيْ”.

هذه المقاطع لا تقدّم خطابًا سياسيًّا مباشرًا بقدر ما تقدّم “نشيدًا شعريًّا” يجعل الوطن ذاكرةً وملامح ونداءً لا يخفت.
ومن أكثر المقاطع جذبًا في الديوان ذلك الذي يمنح الكتاب عنوانه وروحه في آن واحد، إذ يقول الشاعر:
“هذا المساءُ
أنا
سطرانِ في وجَعِ الكلامِ
ونقطتانِ على سبيلِ الوقفِ
ترتعشانِ من وجَلٍ وضيقْ”.
هنا تختصر الذات نفسها في سطرين، لكنهما سطران يفتحان بابًا عريضًا على معنى العجز والامتلاء معًا: العجز عن قول كل شيء، والامتلاء بما لا يمكن قوله. ويواصل الشاعر بناء المشهد: «الغيمُ تحتي… والطريقُ إلى رؤايَ مُعبّدٌ بالرّيح… والماءُ مُحتلٌّ»، فتتداخل الطبيعة بالجرح، ويصير الاحتلال حالةً تتسرب حتى إلى الماء، في صورةٍ تُبقي المعنى مفتوحًا دون أن تُفسده بالتقرير.
في المحصلة يمنح «سطران في وجع الكلام» القارئ ديوانًا شديد الكثافة، تتجاور فيه اللغة العالية مع حساسية التجربة، ويتحوّل فيه الحرف إلى مرآة للروح. إنه كتاب يقرأه القارئ بحثًا عن “جملة تواسيه”، أو “صورة تفتح داخله معنى”، أو “مقطع يعيد تسمية الأشياء” حين تضيق اللغة، وفي كل ذلك ينجح الديوان في أن يكون نصًّا يجذب دون أن يشرح، ويترك للقصيدة أن تقوم بوظيفتها الأعمق: أن تضيء العتمة بما يكفي كي نواصل السير.



