محمد رضوان يكتب لا تخلط بين التعب والفشل

لا ينبغي الخلط بين التعب والفشل، فالتعب حالة إنسانية طبيعية، بينما الفشل حكم متسرّع قد يُلصق بالذات ظلمًا. كثيرون ينسحبون من طرقهم لا لأنهم أخطأوا الاختيار، بل لأنهم أرهقوا أنفسهم أكثر مما تحتمل، ثم فسّروا الإرهاق على أنه علامة النهاية. والحقيقة أن التعب لا يقول إن الطريق خاطئ، بل يقول إن الإنسان بذل ما يكفي ليحتاج إلى توقف مؤقت.
في لحظات الإنهاك، يصبح العقل قاسيًا، ويبدأ في إصدار أحكام سريعة على التجربة كلها. يتحول يوم صعب إلى شك في المسار، وتتحول مرحلة مرهقة إلى شعور بالفشل الكامل. هذا الخلط هو أحد أكثر أسباب الانكسار شيوعًا، لأن الإنسان لا يميّز بين الحاجة إلى الراحة والحاجة إلى المراجعة. فالإرهاق يحتاج استعادة للطاقة، بينما الفشل الحقيقي يحتاج وعيًا وتصحيحًا، وبين الاثنين مسافة كبيرة.
التعب غالبًا ما يكون نتيجة الاستمرار دون إنصات للنفس، أو محاولة القيام بكل شيء في وقت واحد، أو الإصرار على القوة الدائمة. أما الفشل، فهو أن يستمر الإنسان في طريق يؤذيه وهو مدرك لذلك، أو يكرر الأخطاء نفسها دون تعلّم. الأول حالة عابرة، والثاني قرار غير واعٍ. لكن حين يتشابهان في الإحساس، يظن المرء أنه خسر كل شيء، بينما هو في الحقيقة يحتاج فقط إلى أن يهدأ.
كثير من القرارات الخاطئة تُتخذ في لحظات التعب لا في لحظات الفشل. يترك الإنسان عملًا، أو علاقة، أو حلمًا، فقط لأنه وصل إلى أقصى طاقته، لا لأنه اكتشف أن الطريق لا يشبهه. ولو أنه منح نفسه مساحة للتنفس، لتغيّر الحكم، وربما تغيّر المصير. فالطريق الطويل لا يُقاس بقوة الانطلاق، بل بقدرة الاستمرار.
الوعي الإنساني لا يُنكر التعب ولا يجلد الذات بسببه، بل يعترف به كجزء من التجربة. هو وعي يفهم أن الراحة ليست تراجعًا، وأن التوقف أحيانًا ضرورة، لا علامة ضعف. كما أنه يميّز اللحظة التي يحتاج فيها الإنسان إلى استعادة نفسه، عن اللحظة التي يحتاج فيها إلى تغيير اتجاهه.
الفرق بين التعب والفشل ليس لغويًا، بل وجودي. الأول صوت الجسد والروح حين يطلبان العناية، والثاني إنذار العقل حين يدرك أن المسار لم يعد صحيحًا. ومن لا يتعلم الإصغاء لكليهما، يظلم نفسه مرتين: مرة حين يتجاهل التعب، ومرة حين يتهم ذاته بالفشل دون سبب.





