محمد رضوان يكتب لا تؤجل حياتك إلى أن “تستقر”

أنصحك بأن تعيش حياتك في لحظتها، وأن تتعامل مع يومك باعتباره مساحة حقيقية للحياة، لا مجرد مرحلة انتظار. كثيرون يربطون العيش بشعور الاستقرار الكامل، وكأن الحياة تُمنح فقط بعد اكتمال الشروط وهدوء المخاوف وتناسق الصورة. لكن التجربة الإنسانية تُبنى في الحركة، وتنضج في المسار، وتتشكّل في قلب الفوضى أكثر مما تتشكل في مناطق الاطمئنان.
الاستقرار فكرة متغيّرة، يختلف معناها من مرحلة إلى أخرى. ما تراه اليوم شرطًا أساسيًا للراحة، قد تكتشف لاحقًا أنه كان مجرد محطة عابرة. لهذا فإن تعليق الحياة على صورة مستقبلية مثالية يجعل الحاضر باهتًا، ويجعل الأيام تمرّ بلا أثر حقيقي. الإنسان الذي يمنح نفسه حق العيش الآن، يمنح ذاته فرصة الفهم والنمو والتصالح مع الواقع.
نصيحتي لك أن ترى ما تملكه اليوم كأرض صالحة للبداية. الإمكانيات البسيطة، والظروف غير المكتملة، والقلق الخفيف، كلها عناصر طبيعية في رحلة أي إنسان. الحياة لا تنتظر اكتمال المشهد، بل تستجيب لمن يشارك فيها وهو في منتصف الطريق. التجربة تصقل، والمواجهة تعلّم، والاحتكاك اليومي يصنع النضج الحقيقي.
كثير من التطور يحدث دون أن نشعر. يحدث وأنت تعمل، وأنت تحاول، وأنت تخطئ وتتعلم، وأنت تعيد ترتيب أولوياتك مرة بعد أخرى. هذا النمو الصامت يحتاج حضورًا، ويحتاج شجاعة أن تعيش اللحظة كما هي، لا كما تتمنى أن تكون. حين تسمح لنفسك بأن تعيش الآن، تتحول الحياة من عبء مؤجل إلى تجربة متحركة.
العيش في الحاضر لا يعني التخلي عن الطموح، بل يعني التعامل مع الطموح كرحلة مستمرة. كل خطوة، مهما بدت صغيرة، تحمل معنى حين تُعاش بوعي. وكل يوم تعطيه حقه في الاهتمام يصبح لبنة في بناء داخلي متماسك. الإنسان لا يصل فجأة إلى النسخة التي يحلم بها، بل يقترب منها تدريجيًا عبر اختيارات يومية واعية.
أنصحك أن تمنح نفسك الإذن بالحياة وسط عدم الاكتمال. أن تفرح بما يتحقق، وتتعلّم مما يتأخر، وتتحرك دون انتظار لحظة مثالية. فالحياة التي تُعاش الآن تصنع إنسانًا حاضرًا، قادرًا على التطور، ومتصالحًا مع طريقه. ومن يعيش رحلته بصدق، يكتشف أن المعنى كان موجودًا طوال الوقت، في السير نفسه، لا في نقطة الوصول.





