أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

منال رضوان تكتب الإيهام والاستدعاء في ظل أمي للشاعر الشيشاني سليمان أوتاييف

بترجمة أ. د. نصر الجبالي.

 

في ديوان ظل أمي الصادرة ترجمته عن دار أم الدنيا للدراسات، تعد تجربة الشاعر الشيشاني القدير سليمان حاجي أوتاييف نافذة عرفانية وجسرًا جماليًا يربط بين الذات القومية والآفاق الإنسانية الرحبة؛ إذ تتجلى أهميتها القصوى في العمل محل القراءة، الذي نقله إلى العربية أ. د. محمد نصر الجبالي، فأضاف به -كعادته- إلى المكتبة العربية الكثير من أعمال نوعية ألقت بظلالها على التجربة الإنسانية الفريدة التي عاشتها جمهوريات ما بعد الحقبة السوڤيتية.
وكما هو معلوم فقد
شكلت نهاية القرن العشرين، وتحديدًا الحقبة التي تلت انتهاء العصر السوفيتي، لحظة فارقة في تاريخ الجمهوريات المنفصلة؛ إذ واجهت هذه الثقافات ضرورة ملحة لإعادة صياغة علاقتها بالذات، والتاريخ، والمحيط. وفي هذا المخاض، برزت استعادة الهوية كعامل رئيس لترسيخ الوجود الإنساني والحفاظ على القومية، هي الهوية ذاتها التي تجسدت في تفاصيل الحياة اليومية، والعبادات، والقيم الاجتماعية.

وقد اضطلع الأدب، بأجناسه كافة، بمسؤولية عميقة تجاه الإنسان؛ فاستدعى القيم الأخلاقية المقيمة في الوجدان الجمعي، سواء تلك المستمدة من التراث الشفهي أو الناتجة عن التفاعل الممتد مع الثقافة الروسية وثقافات الاتحاد السوفيتي السابق كحاضنة ثقافية كبرى جابت شهرة آدابها الآفاق.
من هنا؛ سعى الخطاب الثقافي في هذه الجمهوريات إلى بناء توازن يستوعب تعددية الانتماء، كما يؤكد حضورها داخل تلك الحاضنة الثقافية الكبرى، معتبرًا الهوية ممارسة تفاعلية مستمرة، وهو ما منح الشعر الشيشاني الحديث مكانة مركزية للتأمل في معاني الحياة، والتقاليد، والقدرة على تجاوز الجراح بالجمال والمعرفة كما علمنا من مقدمتين جادتين لهذا العمل بقلمي د.إيفان جالوبنيتشي عضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب الروس، وشاريب تسوروييف نائب رئيس اتحاد جمهورية الشيشان، فضلًا الصياغة العربية المحكمة للمترجم التي برعت في نقل نمط الحياة هناك.

وعن الشاعر سليمان حاجي أوتاييف، فقد ولد عام ١٩٥٨ في كازاخستان، وصقلت تجربته مسارات أكاديمية ومهنية متنوعة؛ حيث أتم دراسته الجامعية في المعهد الزراعي بإقليم القوقاز، قبل أن ينتقل إلى القاهرة للدراسة في المعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع لوزارة التعليم العالي المصرية.

وقد تقلد أوتاييف مناصب رفيعة عكست زنة حضوره الاجتماعي والسياسي؛ إذ عمل قاضيًا ونائبًا لمفتي جمهورية الشيشان، ومنذ عام ٢٠٠٠ التحق بالممثلية الدائمة للجمهورية لدى مكتب الرئيس الروسي، ليشغل منذ عام ٢٠٠٨ منصب النائب الأول لممثل الشيشان المفوض لدى الرئيس الروسي، وتتويجًا لعطائه؛ نال تكريمات مرموقة منها ميدالية الاستحقاق ووسام الاستحقاق؛ وفي رصيده الأدبي ثلاثة أعمال شعرية هي: “معنى الكلمة”،”كتاب الحياة”، و “ظل أمي”.
تكتسب النسخة العربية من ديوان “ظل أمي” أهميتها لدقة ترجمة التي أنجزها د. الجبالي، أستاذ اللغة الروسية والعميد الأسبق لكلية الألسن، وقد تجلت حنكة المترجم واحترافيته في اعتماده نظام الصفحة المقابلة، واضعًا النص الروسي الأصلي أمام الترجمة العربية؛ ليجعل من العمل مرجعًا رصينًا للدارسين والباحثين، محققًا بذلك انتقالًا أمينًا للتجربة الشعرية من سياقها اللغوي إلى وعي عربي يستقبل أبعادها الإنسانية والجمالية.

وتعززت هذه التجربة بقراءتين نقديتين لكل من جالوبنيتشي، عضو مجلس إدارة اتحاد كتاب روسيا، وتسوروييف؛ حيث قدمت هاتان الرؤيتان أوتاييف كتعبير ناضج عن روح ثقافية توازن بين الجذور والآفاق، مستندة إلى وحدة الرؤية للعالم ضمن الفضاء الروحي الإسلامي الذي يجمع المبدعين الشيشان، واصفين تجربته بأنها حلقة وصل معرفية وروحية تجمع بين الإيمان والخبرة الإنسانية في خطاب يتجاوز الحدود الضيقة.

وفي تلك السطور سنتناول ظل أمي، بنزر يسير من تحليل لبعض ما جاء فيه من قصائد غلب عليها الحس التأملي، كما تشربت بروح صوفية عالية شفيفة.

يعد عنوان الديوان «ظل أمي» عتبة نصية تربط بين الكائن والمرئي؛ فالظل هنا أثر دائم يحدد الذات والمكان والزمان، وتمسي الأم كامتداد للأصل البيولوجي للوجود فضلا عن رمزيتها
للأرض، والجذور، والهوية الثقافية؛ فالظل يعكس استمرارية الحضور رغم الغياب، محولًا الرثاء إلى أثر معرفي وجمالي يجعل من الذاكرة اختبارًا دائمًا للوجدان.
لينجح أوتاييف في جذب القارىء وتهيئة مشاعره عبر العنوان المفعم بالحنين والعاطفة
وفي قصيدة “صوت أمي”، يتصل أوتاييف بتقليد إنساني عريق في أدب الرثاء؛ فغياب الأم يمثل تصدعًا في نظام المعنى، وهو ما يضعه في سياق واحد مع مراثي “أنتيجون” سوفوكليس (مع التأكيد على الاختلاف الشديد في الموضوع والحبكة في التراجيديا الإغريقية، والخنساء في التراث العربي، وصولًا إلى ريلكه في مراثي دوينو و”بول تسيلان”… إلخ، فالقصيدة خطاب حزن يتحول إلى تجربة وجودية يحاصرها الزمن وهو ما نلمسه بوضوح في تجربة أوتاييف .

أما من حيث
منظور التحليل النفسي الثقافي، فيتجلى النص في قصيدة صوت أمي -كمثال- لبنية زمنية مغلقة تعيد إنتاج الفقد؛ حيث يؤدي تكرار عبارات مثل “مر عام” و”سنة كاملة” إلى ترسيخ زمن دائري يتوقف عند لحظة الرحيل ورغم الإيمان والتسليم؛ غير أنه غير قادر على تجاوزها. وتتحول الصور الشعرية مثل (حمل ثقيل للأبد، وصوت أمي يحمل السكينة،) إلى تجسيد حسي لصدى الحضور المفقود؛ ليتماهى الحنين مع الوعي الوجودي، وتتحول مرارة الفقد إلى تجربة روحية متكاملة تمنح النص عمقًا إنسانيًا شاملًا.
أما في القصيدة موضوع الديوان فهي ظل أمي يقول الشاعر:

مر عامان منذ ذلك اليوم
حين تركتني أمي وحيدا
واليوم يخفق قلبي
توقا إليها
صباحا ومساءً
وأحمد الله
الذي رزقني السكينة والراحة مرة أخرى
في ظلها
في مكة حيث ولد
محمد رسول الله
في تلك الأرض
حيث لا مكان تستظل به
من حرارة الشمس
شعرت بظل أمي حبيبتي
كسحابة في السماء تظللني
وتداعبني
إنه النعيم بعينه.
هنا يظهر النص كبنية شعرية مكثفة تعيد صياغة مفهوم الفقد عبر آليات نفسية وجمالية بارعة، محولةً الغياب من ثقب وخواء في الروح إلى مظلة من السكينة!

كما يستخدم الشاعر حيلة الاستدعاء المكاني لربط الذاكرة الشخصية بالذاكرة الكونية؛ إذ يختار “مكة” -مهبط الوحي- مسرحًا لهذا اللقاء الروحي؛ استدعاء المكان المقدس، يمنح صورة الأم قدسية إضافية، ويخرج رثاءها من حيز الحزن الفردي إلى فضاء الرحمة الإلهية.

الاستدعاء هنا يتجاوز مجرد التذكر، ليصير الاستحضار الكياني للمرئي؛ والشاعر يربط بين “اليتم” الشخصي وبين مكان ولادة الرسول ﷺ، مما يخلق توازيًا شعوريًا يجعل من فقد الأم تجربة تطهر وصعود روحي، هذا الربط الذكي يستدعي في ذهن القارئ مفاهيم السكينة والاصطفاء، ليصبح وجود الأم في النص موازيًا لوجود الغمامة التي كانت تظلل الرسول.
وتبرز تقنية الإيهام في القصيدة عبر تحويل “الظل” من مجرد عرض بصري إلى كيان حسي ملموس، في بيئة صحراوية تتسم بـ “حرارة الشمس” وغياب المأوى، يقر الشاعر بوجود “سحابة” تداعب جسده، هذا الإيهام الجمالي يقلب قوانين الطبيعة؛ فالظل الذي يتبع الجسد عادةً، نجده يسبق الشاعر هنا ليصبح هو المحتضن والحامي.

تصل براعة الإيهام لدى اوتاييف إلى ذروتها حين يصف الظل بأنه “يداعبه”، وهي استعارة تنقل الظل من مساحة الرؤية إلى مساحة اللمس… لينجح في إقناعنا بأن هذا “النعيم” هو حقيقة واقعة لا مجرد خيال، مستفيدًا من حالة الوجد الصوفي في الحرم المكي، حيث تذوب الحدود بين المرئي والمتخيل، ويصبح “ظل الأم” هو اليقين الوحيد وسط هجير الفقد.

تبدأ القصيدة بـ “مر عامان”، وهو زمن خطي ثقيل، لكنها تنتهي بـ “النعيم”، وهو زمن أبدي مطلق لا حد له، لقد استطاع أوتاييف عبر التكثيف اللغوي أن يحول “الظل” من علامة على الغياب إلى دليل قاطع على الحضور المستمر، معتبرًا أن السكينة التي رزقه الله إياها هي تجلٍ عملي لهذا الظل الذي لا يزول بزوال الشمس، بل يزداد كثافة كلما زاد الشوق.
ليظل هذا العمل الفارق من الأعمال المهمة الجديرة بالقراءة وعقد مقارنات نقدية جادة بينها وبين تجارب مماثلة تعكس مدى أهمية تلك التجربة ورصانتها

منال رضوان ناقد أدبي
رئيس لجنة الإعلام بجمعية الصداقة المصرية الروسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى