تعددية الأصوات السردية والحرية الرمزية في الطفلة التي خبأتني في عباءتها لفاطمة التليلي
منال رضوان

في رواية “الطفلة التي خبأتني في عباءتها”، تتجلّى براعة الكاتبة فاطمة التليلي في توظيف تقنية التعددية الصوتية التي نظّر لها ميخائيل باختين؛ حيث تتداخل الأصوات داخل النص بشكل متقن ليكشف عن تعدّد التجارب النسائية وتنوع الأدوار الاجتماعية والنفسية للمرأة، هذا التعدد الصوتي يمتد إلى الطبقات النفسية والاجتماعية والرمزية، ليصبح السرد فضاءً حيويًا يتنقّل بين عوالم الشخصيات المختلفة.
من أبرز مظاهر هذا التعدد الصوتي هو تنوّع أنماط الأم في الرواية، تلك التي ظهرت بأنماط ثلاثة، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنماط رئيسية: الأم الخاضعة وهي أم البطلة، التي تُظهر امتثالها للعادات والتقاليد، وتضحي برغباتها واحتياجاتها الشخصية لأجل الاستقرار الأسري والمجتمعي، وتتوافق ممارساتها مع فرضيات الموروث الاجتماعي، ثم هناك الأم السوية، أم الصديقة التي تسعى لإيجاد توازن بين واجباتها ورغباتها الذاتية من خلال دعم ابنتها، وتظهر وعيًا حاسمًا في مواجهة القيود المجتمعية، وأخيرًا الأم سيئة السلوك، المتمردة على القواعد، التي تعكس التمرد أو السعي للحرية، وتكشف عن أبعاد من الاستقلالية والبحث عن الذات غالبًا ما تظل غائبة في الشخصيات الأخرى، هذه الأنماط الثلاثة، إلى جانب تأثيرها المباشر على البطلة، تعكس رؤية الكاتبة لتعقيد شخصية المرأة في مجتمع يثقلها بالموروث والعادات.
كما تبرز الرواية تداخل صوت البطلة كساردة مع صوت صديقتها، ما يضفي على السرد طبقة إضافية من التفاعل والتعقيد، فعند افتتاحية الفصول يمكنك أن تسأل ذاتك عن أيهما التي تتكلم، أهي البطلة التي تعكس مشاعرها وأفكارها بلغة طفولية بسيطة، أم الصديقة حيث يقدّم صوتها نوعًا من التعليق الداخلي، وكأن الرواية تتحدث من خلال أكثر من نبرة متقاربة لكنها متباينة في الإحساس والتأثير؛ هذا التداخل الصوتي يسمح للقارئ بالشعور بالتناقضات والتوترات العاطفية والاجتماعية للبطلة، ويجعل التجربة القرائية أكثر ديناميكية وحياة.
في سياق الطفولة والتجربة النسائية، تتجلى وطأة الموروث والعادات بشكل مستمر؛ الكاتبة ترصد كيف تُفرض على المرأة قواعد غير مكتوبة، وكيف تشكّل التجارب اليومية ضمن هذه الضغوط، سواء من خلال الأسرة أو المجتمع أو الأعراف التي تحدد سلوكها وحدود حريتها؛ البطلة، من خلال عينيها الطفوليتين، تتعامل مع هذه القيود بطريقة دقيقة، فيشعر القارئ بثقل هذه الطقوس والعادات على النفس، ويكتشف المرونة والإبداع الذي يظهر في محاولات الفرد للاختراق أو التحرر من هذه القيود.
إضافة إلى ذلك، تستحضر الكاتبة شارع الحبيب بورقيبة كرمز للتوق إلى الحرية، ليس فقط مكانًا، إنما كإسقاط على التجربة الشخصية للبطلة، وعلى سعيها لإيجاد مساحة للحرية داخل القيود الاجتماعية والأسرية، والبحث عن استقلالها النفسي، هذا الرمز يضيف بعدًا مزدوجًا للسرد، البعد الواقعي للتاريخ والسياسة، والبعد الرمزي للتحرر الشخصي.
أما الشاعرية في السرد، فهي سمة بارزة، خصوصًا في الطريقة التي تختارها الكاتبة لصياغة الجمل والمفردات. الجمل قصيرة ومركّزة، ما يمنح النص إيقاعًا داخليًا يعكس التوتر أو الانفعال، وفي الوقت نفسه يسهل على القارئ الانغماس في شعور البطلة، فعند الحديث عن حبيبها، تعود مفرداتها إلى لغة طفلة صغيرة، ما يتيح للقارئ الإحساس بعذوبة التجربة وبراءتها، وفي الوقت نفسه العمق العاطفي الذي يتجاوز العمر الظاهر، هذا الجمع بين بساطة اللغة وعمق المعنى يخلق مساحة للتأمل ويجعل التجربة القرائية متعددة الطبقات.
كما أن الجمل المتلاحقة والمتقطعة تمنح السرد توترًا داخليًا يعكس لحظة الخطر أو الرهبة أو اليأس التي تعيشها البطلة، هذا الأسلوب يعكس وعي الكاتبة بتقنيات باختين في التعددية الصوتية، حيث يصبح السرد ليها متعدد الطبقات قادرًا على تمثيل عدة أصوات داخل نص واحد، دون أن يختفي صوت البطلة المركزي، بل على العكس، يصبح أكثر وضوحًا من خلال مقابلته بأصوات أخرى.
رواية “الطفلة التي خبأتني في عباءتها” إذًا، ليست مجرد سرد لتجربة طفلة، بل تأمل فلسفي واجتماعي في مكانة المرأة، في العلاقة بالموروث، وبالحرية الفردية، كما أن الأصوات المتعددة هي أداة لفهم الصراع الداخلي والخارجي للبطلة، ولإبراز التناقضات التي تواجهها، سواء في علاقتها بالأم أو الصديقة أو المجتمع الأوسع. كل صوت يحمل تجربة محددة، رؤية خاصة، وأسلوبًا لغويًا يعكس مكنون شخصية المتحدث، ما يجعل الرواية نموذجًا حيًا لتقنية التعددية الصوتية بامتياز.
في النهاية، ما يميز الرواية هو الوعي الدقيق في اختيار أسلوب السرد، الذي يتغير بتغير الموضوعات والمواقف. من عوالم الطفولة البريئة، إلى الصراع مع العادات والموروث، إلى الحب والمشاعر المركبة، تبدو اللغة أداة دقيقة ومرنة تتيح للكاتبة الانتقال بين طبقات المعنى، وتخلق تجربة قرائية معقدة ومتعددة، لكنها سلسة سماعيا، كما لو كانت البطلة تحكي القصة مباشرة للقارئ، بصوتها الخاص، مع كل التداخلات الصوتية التي تثري النص.
منال رضوان – ناقد أدبي
رئيس التحرير التنفيذي لموقع أوبرا مصر الإخباري





