فاتن صبحي تكتب ظل الياقوت

فى مساءٍ خافتٍ، فى شقتها الصامتة التى شهدت معها سنواتٍ مريرة، جلست تستعيد شريط الذكريات؛
خطواته الثقيلة كغيوم سوداء، نظراته الحادة كسكاكين، وصوته الأجش الذي يسبق العاصفة دائمًا..
أرتجفت يدها، رغم أنه رحل تاركًا خلفه بردًا يتسلل إلى عظامها، وكلمات كالمشانق تلتف حول عنقها، وإكتئابًا يلفها كضبابٍ كثيفٍ حتى اكتنفها خاطر السقوط الصامت، لكنها نفضت عنها اليأس، محاولةً استرداد حياتها التي سرقها بأنانيته وقسوته المرضية.
بخطى ثابتة؛ دون أن تلتفت إلى الوراء، انتزعت ضحكات صغارها ابتسامتها، فعادت كفراشةٍ خجولة خرجت من شتاءٍ طويل.
هناك رأته:
هادئًا، يحيي الجميع، ينحني ليقبل الأطفال، يربت على أكتاف العاملين، والقلوب تلتف حوله بمحبة صافية.
لفت انتباهها تواضعه ونقاء روحه؛ لوح لها من بعيد، ثم اقترب منها مهنئًا بعودتها، فرحبت به وفى صوتها ارتعاشة خفية؛ هذه أول مرة تراه عن قرب، رغم أنها اعتادت رؤيته فى اجتماع مجلس الأمناء الذى يترأسه، حيث تعمل هى في أحدى مدارسه.
توالت زياراته، وصارت اللقاءات السريعة شيئًا فشيئًا جسورًا من كلمات قليلة.
حدثها عن ابنته البعيدة،
عن زوجة رحلت مبكرًا وخلفت وراءها فراغًا لا يملأ.
حدثته..عن كل شئ إلا جراحها،
لكنه كان لفطنته يقرأ ما بين السطور؛ يرى الظلال فى عينيها،
ويجيب عن أسئلةٍ لم تنطق بها،
ثم طلب أن يلتقيا فى المقهى القريب لأمر هام.
حين لاح طيفها نهض مستقبلًا،
أجلسها برفق، وأخرج من جيب سترته علبة سوداء صغيرة.
فتحها..
أضاء ببريق لمعة عينيه؛ خاتم ياقوت بسيط، يشع دفئًا.
أمسك يدها، ألبسها الخاتم،
وهمس:
“أتقبليننى زوجًا لك؟”
ابتسمت بخجل، والدموع تحبس الضوء فى عينيها،
أجابته:نعم
ليدوي التصفيق من حولهما،
شعرت كأن جبالًا من الجليد تذوب فى صدرها، كادت أن تطير من فرط الفرح.
لكن…
شق الهواء صوته الأجش.
فتحت عينيها فزعة؛
لا مقهى..
لا وجوه..
لا تصفيق..
فى إصبعها لم يكن ياقوتًا دافئًا،
بل خاتمًا قديمًا يلمع ببريق بارد.
فاتن صبحي





