أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

محمد رضوان يكتب الحلاج: لغة العشق وسكر الوجد

 

لا يمكن النظر إلى الحلاج بوصفه شاعرًا صوفيًا فحسب، لأن هذا الوصف، رغم شيوعه، يختزل تجربة أكثر تعقيدًا وأشد توترًا، تجربة لا تدور فقط حول الله بوصفه موضوعًا للمعرفة أو العشق، بل حول الإنسان بوصفه كائنًا مهددًا بالمعنى، محاصرًا باللغة، ومطلوبًا منه أن يقول ذاته في عالم لا يحتمل قولها. إن شعر الحلاج، حين يُقرأ قراءة حديثة، يكشف عن أزمة وجودية عميقة، أزمة ذات وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع سؤال الهوية، لا بوصفها معطى ثابتًا، بل بوصفها بناءً هشًا يتفكك كلما اقترب من الحقيقة. في هذا السياق، لا تبدو عباراته المثيرة للجدل تعبيرًا عن نشوة روحية بقدر ما تبدو علامات على انفجار داخلي، على ذات لم تعد قادرة على الاحتماء بالصياغات الجاهزة، سواء كانت دينية أو لغوية أو اجتماعية. الحلاج يكتب من موقع التمزق، لا من موقع اليقين، ولهذا تبدو لغته مضغوطة، حادة، وكأنها تُنتزع انتزاعًا من صمت أثقل منها. إن قوله «أنا من أهوى ومن أهوى أنا» لا يمكن قراءته فقط بوصفه ذوبانًا صوفيًا، بل يمكن فهمه بوصفه إعلانًا عن انهيار المسافة بين الأنا وما يمنحها معناها، انهيار يجعل الهوية غير قابلة للتعريف التقليدي، ويضع الذات في منطقة رمادية لا هي مستقلة ولا هي مندمجة بالكامل، بل معلّقة في فراغ وجودي. هنا لا يعود العشق تجربة عاطفية ولا حتى روحية، بل يصبح صيغة قصوى للبحث عن معنى في عالم لا يمنح المعنى بسهولة. الحلاج لا يسأل: من هو الله؟ بل يسأل، بطريقة أكثر خطورة: من أكون حين أفقد كل الأسماء التي أُعطيت لي؟ ولذلك فإن شعره يبدو كأنه كتابة ضد الهوية، ضد الاستقرار، ضد الطمأنينة التي توفرها الأطر الكبرى. اللغة عنده لا تعمل كوسيط للمعرفة، بل كمساحة صراع، وكل جملة هي اختبار لمدى قدرة القول على حمل التجربة دون أن ينكسر. وحين قال «أنا الحق»، فإن الصدمة لم تكن في العبارة ذاتها، بل في البنية الفكرية التي هددتها، بنية تفترض وجود ذات واضحة، متكلمة، يمكن محاسبتها وفق منطق ثابت. لكن ما يقترحه الحلاج هو العكس تمامًا: ذات تتكلم في لحظة تفككها، ذات لا تقول «أنا» لتؤكد حضورها، بل لتعلن فقدانه. من هنا يصبح الكلام فعل مخاطرة، لا لأنه يتجاوز المسموح دينيًا فقط، بل لأنه يكشف هشاشة النظام الذي يضبط العلاقة بين القول والذات والمعنى. إن محنة الحلاج يمكن قراءتها بوصفها صدامًا بين نمطين من الوجود: وجود مؤسسي يقوم على التعريف والتصنيف والضبط، ووجود فردي متوتر يرفض أن يُختزل في صيغة واحدة. شعره، بهذا المعنى، ليس خطابًا دينيًا بقدر ما هو تمرين قاسٍ على الحرية،

حرية لا تُفهم بوصفها اختيارًا مريحًا، بل بوصفها عبئًا وجوديًا يدفع صاحبه إلى أقصى حدود العزلة. إن الصور التي يستخدمها الحلاج، من نار ودم وخمر وموت، لا تعمل هنا كرموز صوفية تقليدية، بل كعلامات على جسد محاصر، جسد يكتب لأنه لا يملك وسيلة أخرى للدفاع عن حضوره. الجسد في شعره ليس وعاءً للروح، بل ساحة صراع بين الرغبة في المعنى والخوف من العدم، ولهذا فإن العنف الذي انتهت إليه تجربته لم يكن طارئًا، بل كان كامنًا في النص ذاته، في تلك اللغة التي ترفض المساومة. الحلاج لا يطلب التعاطف، ولا يسعى إلى تبرئة نفسه،

بل يواصل الكتابة كأنها ضرورة وجودية، كأن التوقف عن القول يعني السقوط الكامل في الفراغ. ومن هنا تأتي حداثته؛ فهو لا يقدم إجابات، ولا يؤسس منظومة فكرية مغلقة، بل يترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة، أسئلة لا تتعلق بالإيمان بقدر ما تتعلق بالمعنى، وبحدود ما يمكن للإنسان أن يحتمله حين يواجه ذاته دون أقنعة. إن استدعاء الحلاج في الزمن الحديث لم يكن مصادفة، بل لأن أزمته تشبه أزمات الإنسان المعاصر: الشعور بالاغتراب، فقدان اليقين، الشك في اللغة، والخوف من أن يكون الكلام نفسه جزءًا من المأزق. شعره يسبق الفلسفات الوجودية في تشخيص هذا القلق، لكنه يختلف عنها في أنه لا يحاول تنظيره، بل يعيشه حتى نهايته. ولهذا فإن نصه لا يشيخ، لأنه لا يرتبط بإجابات ظرفية، بل بسؤال دائم: ماذا يحدث للإنسان حين يصرّ على قول تجربته كاملة، دون أن يخففها لتصبح مقبولة؟ الحلاج يقدّم مثالًا قاسيًا على ثمن هذا الإصرار، لكنه في الوقت ذاته يترك أثرًا لا يمكن محوه، أثر ذات واجهت العدم بالكلمة، حتى وإن كانت تلك الكلمة سبب فنائها. في هذا المعنى، لا يعود الحلاج شهيد التصوف، بل شاهدًا مبكرًا على مأزق الإنسان الحديث، الإنسان الذي يكتشف أن أخطر ما يمكن أن يفعله ليس العصيان، بل الصدق الكامل مع تجربته، وأن اللغة، حين تُدفع إلى أقصاها، قد تتحول من أداة تعبير إلى حكم نهائي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى