علاء العلاف يكتب التكثيف والإيحاء في اللغة

حين تغيب الشمس، لا تكون الريح عاصفة بالضرورة؛ أحيانًا تهزّ الأشياء برفقٍ مدهش، كأنها تلاعب العالم ولا تعصف به، في تلك اللحظات، يبدو أن النفس والطبيعة بلغتا درجة من التفاهم الصامت؛ السماء ترسم ملامحها بهدوء والبحر يجيبها بانعكاس الضوء على صفحته، زرقة السماء لا تقل صفاءً عن زرقة البحر، وما بينهما يمتلئ بشعور خفيف، يشبه رذاذ البحر حين يلامس الوجه والذاكرة معًا، نحبّ نسيم البحر المبلّل، لا لأنه ينعش الجسد فحسب، بل لأنه يوقظ شيئًا قديمًا في الداخل، إحساسًا كامنًا لا اسم له، كنتُ على متن باخرة، مأخوذًا بالبحر رغم الجوع الذي أحاط بي، غير أنّني كنتُ مستعدًّا؛ ففي حوزتي حافظة صغيرة من السندويشات، أخرجتُ واحدا، ومعه شيءٌ من النبيذ، فشعرتُ كأن الحياة تُمنَح لي مرّتين: مرّةً وأنا أُبحر فوق الماء، وأخرى وأنا أترك قلبي يذهب حيث يشاء، كان إحساسًا غريبًا، لا يشبه ما عرفناه من قبل؛ متعة شعور لا يُقال بسهولة، لكنه يبقى طويلًا، كأثر البحر في الروح، يستدعي هذا المشهد إلى الذاكرة ما قاله ابن المعتز في وصف السماء بعد انقشاع السحابة،
حين تتداخل لحظة الفجر ببقايا الليل: “كأنَّ سماءَنا لمّا تجلَّت خلالَ نجومِنا عندَ الصباح/ رياضُ بنفسجٍ خُضْلٍ نراها تفتّحُ بينَها نورُ الأقاحي” إنه تصوير بالغ الرهافة للحظة انتقالية، حيث لا الليل اكتمل ولا الصباح أعلن حضوره الكامل، فتبدو السماء كحديقة مفتوحة على الضّوء. وفي الحديث عن الشّعر، لا يمكن فصل الموسيقى عن المعنى. فموسيقى الشّعر الحديث لم تعد قائمة على التّطريب الخارجي أو القابليّة للغناء، بل على إيقاع داخليّ يتشكّل من انسجام الصّوت مع التّجربة. الإيقاع هنا ليس زينة، بل جزء من البنية الشّعورية، يخلق توتّرًا أو هدوءًا، ويقود القارئ إلى عمق النّصّ لا إلى سطحه. يستبطن الشّاعر في جوهر تجربته النفسَ الإنسانية ويكثّف انفعالاتها في أقل عدد ممكن من الكلمات، عكسَ الروائي الذي يمتلك فسحة أوسع للسرد والشرح وبناء العوالم، حيث تتسع اللغة للرؤية والتفصيل وتعدّد الأصوات. أما الشعر، فمساحته أضيق وقيوده أكثر صرامة، لا سيما في القصيدة القصيرة، ما يدفع الشاعر إلى التكثيف والإيحاء بدل الإسهاب، يذكّرنا هذا بمحمد الماغوط، أحد أبرز من حرّروا الشعر من العبودية الشكلية، حين قال: “ذلك الشارع المنكفئ على نفسه كخيطٍ من الوحل وراء كل نافذة” جملة قصيرة لكنها مشحونة بصورة كثيفة تختصر عالمًا كاملًا من القهر والعزلة .أما المسرح، بصفته فنًّا جامعًا، فيبقى مرآة للواقع، والمسرح الشرقي، في كثير من تجلياته، يقترب من المسرح الراقص، معتمدًا على الجسد بوصفه أداة تعبير أساسية وأحيانًا يعيدنا إلى فكرة المسرح الشامل كما عرّفه الإغريق، حيث يلتقي التمثيل بالموسيقى والغناء والرقص في تجربة فنية واحدة، لا تفصل بين الفنون بل توحّدها، في النهاية، تبقى الكتابة محاولة لفهم هذا التداخل بين الإنسان والعالم، بين الصوت والصمت، بين البحر والروح، محاولة لا تبحث عن الإبهار، بل عن تلك اللمسة الخفيفة التي تترك أثرها طويلًا… كأثر البحر في الذاكرة.



