أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

شريف عبد الوهاب يكتب حين تتكئ الأمة على عموديها: لقاء القاهرة والرياض في زمن العواصف

الإذاعي شريف عبد الوهاب
وكيل وزارة الإعلام الأسبق
رئيس الشبكة الثقافية بالإذاعة المصرية الأسبق
رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون اللقاءات بين القادة مجرد مواعيد بروتوكولية، بل تتحول إلى إشارات استراتيجية تعكس اتجاه البوصلة الإقليمية. ومن هنا تبرز أهمية اللقاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وسمو الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، في توقيت بالغ الدقة تمر به المنطقة العربية والعالم بأسره.
إننا نعيش زمناً تتشابك فيه الأزمات؛ صراعات مفتوحة في الإقليم، توترات سياسية متصاعدة، تحديات اقتصادية غير مسبوقة، وواقع دولي يعاد تشكيله على وقع صراعات النفوذ وتبدل موازين القوى. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح التنسيق بين القاهرة والرياض ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي.
ثقل التاريخ ومسؤولية الحاضر
مصر والسعودية تمثلان، كلٌ بطريقتها، ركيزتين أساسيتين في معادلة الأمن العربي. فمصر، بتاريخها السياسي وثقلها السكاني وموقعها الجغرافي الفريد، ظلت على الدوام قلب النظام العربي النابض. والسعودية، بمكانتها الروحية والاقتصادية وتأثيرها في أسواق الطاقة، تمثل عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه في استقرار الإقليم.
وحين يلتقي قادة هاتين الدولتين، فإن اللقاء لا يُقرأ في إطار ثنائي ضيق، بل في سياق أوسع يشمل مستقبل العمل العربي المشترك، وأمن البحر الأحمر، واستقرار الخليج، وتطورات القضية الفلسطينية، فضلاً عن الأزمات في عدد من الساحات العربية.

رسالة سياسية إلى الداخل والخارج
يحمل اللقاء رسالة مزدوجة: إلى الداخل العربي، بأن هناك إرادة سياسية واعية تسعى لتنسيق المواقف وتوحيد الرؤى؛ وإلى الخارج، بأن المنطقة ليست ساحة فراغ، بل لديها دول محورية قادرة على حماية مصالحها وصياغة خياراتها.
ففي عالم تسوده التحالفات المتغيرة، يصبح من الضروري أن تمتلك الدول العربية نقاط ارتكاز ثابتة. والقاهرة والرياض تمثلان أحد أهم هذه الارتكازات، بما تملكانه من خبرة سياسية وثقل اقتصادي وقدرة على التأثير في مسارات الأحداث.
البعد الاقتصادي… شراكة في مواجهة التحديات
لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. فالعالم يشهد موجات تضخم، وتقلبات في الأسواق، وضغوطاً على العملات الوطنية في العديد من الدول. وفي هذا السياق، تتعاظم أهمية التعاون المصري–السعودي في مجالات الاستثمار، والطاقة، والصناعة، والأمن الغذائي.
السعودية تمضي قدماً في تنفيذ برامجها التنموية الطموحة، ومصر تواصل تنفيذ مشروعاتها القومية الكبرى، ما يخلق مساحات واسعة للتكامل الاقتصادي. والتكامل هنا لا يعني مجرد تبادل مصالح، بل بناء شبكة أمان اقتصادية تعزز مناعة البلدين أمام الصدمات الخارجية.
الأمن القومي… وحدة المصير
المنطقة العربية تواجه تحديات أمنية متشابكة؛ من الإرهاب إلى التدخلات الإقليمية، مروراً بتهديدات الملاحة في الممرات البحرية الحيوية. وأمن البحر الأحمر، على سبيل المثال، لم يعد شأناً محلياً، بل قضية دولية تمس حركة التجارة العالمية.
وفي هذا الإطار، فإن التنسيق بين مصر والسعودية يعزز من قدرة الدول العربية على حماية حدودها ومصالحها، ويؤكد أن الأمن القومي العربي مفهوم متكامل لا يتجزأ.
القضية الفلسطينية… الثابت الذي لا يتغير
وسط كل التحولات، تظل القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في السياسة العربية. والتنسيق بين القاهرة والرياض يمنح زخماً للموقف العربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، ويعيد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل عادل وشامل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق المرجعيات الدولية.
إن وحدة الموقف العربي في هذا الملف تحديداً تشكل صمام أمان ضد محاولات فرض حلول مجتزأة أو تصفية القضية تحت ضغط الوقائع الميدانية.
البعد الرمزي… طمأنة الشعوب
في أوقات القلق، تبحث الشعوب عن إشارات طمأنة. واللقاءات بين القادة الكبار لا تُقاس فقط بنتائجها المعلنة، بل بما تبعثه من رسائل ثقة واستقرار. فحين تتلاقى الرؤى بين القاهرة والرياض، يشعر المواطن العربي بأن هناك من يدرك حجم التحديات، ويتحمل مسؤولية المواجهة.
كما أن المستثمرين والأسواق الدولية يقرؤون هذه اللقاءات بوصفها مؤشراً على استقرار البيئة السياسية، وهو ما ينعكس بدوره على مناخ الاستثمار والتنمية.نحو أفق عربي أكثر تماسكاً
ربما يكون الأهم في هذا اللقاء أنه يعكس وعياً بضرورة الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات. فالعالم يتغير بسرعة، ومن لا يمتلك رؤية واضحة قد يجد نفسه خارج معادلة التأثير.
إن التنسيق المصري–السعودي يمكن أن يكون نقطة انطلاق لمرحلة عربية جديدة، قوامها التعاون الحقيقي، وتغليب المصالح المشتركة، وإعلاء مفهوم الدولة الوطنية، والحفاظ على استقرار المجتمعات.
خاتمة
إن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وسمو الأمير محمد بن سلمان يأتي في لحظة تاريخية دقيقة، تحتاج فيها الأمة إلى التكاتف أكثر من أي وقت مضى. إنه لقاء يعيد التأكيد على أن العمودين الرئيسيين في النظام العربي يدركان حجم المسؤولية، ويتحركان برؤية استراتيجية تستهدف حماية الاستقرار وصون المصالح العربية.
وفي زمن العواصف، لا يبقى صامداً إلا البناء الذي يستند إلى أعمدة قوية. والقاهرة والرياض، عبر هذا اللقاء، تؤكدان أن الأمة ما زالت تمتلك القدرة على الاتكاء على عموديها بثقة، وهي تمضي نحو مستقبل أكثر أمناً وتوازناً.

شريف عبد الوهاب رئيس الشعبه العامه للاذاعيين العرب رئيس الشبكة الثقافية بالإذاعة المصريه الاسبق
شريف عبد الوهاب

رئيس الشعبه العامه للاذاعيين العرب

رئيس الشبكة الثقافية بالإذاعة المصريه الاسبق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى