أخبار عاجلةأخبار فنيةأراء حرةالرئيسية

الإذاعي شريف عبد الوهاب يكتب المتر سمير حين يتحول القانون من ميزان للعدل

إلى مرآة لانكسار الإنسان

في ذروة موسم درامي اعتاد أن يراهن على الإبهار السريع، يختار مسلسل “المتر سمير” طريقًا أكثر وعورة… طريق السؤال لا الإجابة، وطريق الشك لا اليقين.
فمنذ لحظاته الأولى، لا يكتفي العمل بحكاية محامٍ بارع في قضايا الأسرة، بل يفتح بابًا ثقيلًا على مصراعيه:
ماذا لو لم يكن القانون، في بعض تجلياته، أداة لتحقيق العدالة بقدر ما هو أداة لإعادة توزيع الألم؟
هنا لا يعود القانون نصًا جامدًا، بل كائنًا حيًا… يتشكل وفق من يستخدمه، ويتلون بذكائه أو بنزعاته، بل وقد ينقلب عليه في لحظة عدالة كاشفة.

الإعلامي القدير شريف عبد الوهاب
الإعلامي القدير شريف عبد الوهاب

سقوط البارع… حين تفضح الأدوات صاحبها
المتر سمير ليس مجرد محامٍ ناجح، بل هو نموذج لوعي قانوني حاد، يعرف كيف يتسلل بين النصوص، وكيف يوظف الثغرات لصالح موكلاته، حتى وإن بدا ذلك—في بعض الأحيان—اقترابًا محسوبًا من حافة العدالة.
لكن الدراما هنا لا تحتفي بالمهارة بقدر ما تختبرها.
فعندما يجد نفسه طرفًا في معادلة كان يصوغها لغيره، تتكشف المفارقة القاسية:
الأدوات التي منحته التفوق… هي ذاتها التي تسلبه توازنه.
الخلاف الزوجي لا يظل خلافًا إنسانيًا، بل يتحول—بفعل القانون—إلى ساحة صراع بارد، تُدار فيها المعركة بالأوراق لا بالمشاعر، وبالإجراءات لا بالحقيقة.
وهنا تتحقق المقولة الشعبية، لكن بمعناها الأعمق:
ليس فقط لأنه “حفر حفرة”، بل لأنه ظن أن الحفرة لن تتسع له يومًا.
الطفل… حين يصبح الحب أداة صراع
في قلب هذا الصراع، لا يقف القانون، بل تقف الطفولة.
الابنة ليست مجرد تفصيلة درامية، بل هي مركز الثقل الأخلاقي للعمل.
هي الكائن الوحيد الذي لا يملك صوتًا… لكنه يدفع الثمن كاملًا.
قضية “الرؤية” تخرج هنا من إطارها الإجرائي، لتتحول إلى سؤال وجودي:
كيف يمكن لحق طبيعي—كحق الأب في رؤية ابنته—أن يتحول إلى امتياز مشروط؟
وكيف يسمح النظام، في بعض تطبيقاته، بتحويل العلاقة الإنسانية إلى ورقة تفاوض؟
المسلسل لا يتهم، بل يكشف.
لا يهاجم القانون، بل يضعه أمام مرآته.
المنطقة الرمادية… حيث لا أحد بريء بالكامل
واحدة من أهم نقاط قوة العمل، أنه لا يقدم أبطاله في صورة ملائكية أو شيطانية.
الزوجة—التي تقدمها ناهد السباعي—تعيش حالة رمادية شديدة التعقيد؛
ليست شريرة بقدر ما هي أسيرة تأثيرات نفسية وعائلية، عاجزة عن الفكاك من دائرة تشكل وعيها.
إنها لا تقود الصراع بقدر ما تنجرف فيه.
وعلى الجانب الآخر، تقدم سلوى خطاب شخصية “الحماة” بوصفها قوة محركة، لكنها ليست نمطية، بل واعية بأدواتها، ومدركة لتأثيرها، لتصبح جزءًا من منظومة ضغط اجتماعي تتجاوز الفرد إلى البنية.
الكوميديا… كآلية دفاع ضد الألم
ما يميز “المتر سمير” أنه لا يختار بين الضحك والبكاء، بل يجعلهما وجهين للحظة واحدة.
الكوميديا هنا ليست ترفًا، بل ضرورة.
هي الأداة التي تسمح للمشاهد باحتمال هذا القدر من القسوة.
تنشأ من الموقف، من المفارقة، من التناقض بين ما يجب أن يكون وما هو كائن.
ولهذا تبدو صادقة… بل جارحة أحيانًا.
إنها كوميديا تفضح الواقع، لا تهرب منه.
أداء يمشي على حافة الشعور
يقدم كريم عبد العزيز أداءً مركبًا، قائمًا على الاقتصاد لا الاستعراض.
يتحرك داخل الشخصية كمن يسير على خيط مشدود:
لا يسقط في فخ الكوميديا السهلة
ولا يغرق في التراجيديا الثقيلة
وتأتي لحظة المرافعة الأخيرة كذروة إنسانية، لا استعراضية؛
حيث يترافع المحامي… ضد تاريخه، وضد نفسه.
في تلك اللحظة، لا يدافع عن قضية، بل عن معنى العدالة الذي أفلت منه.
نص يكتب من الداخل… لا من الخارج
يقدم المؤلف ممدوح متولي نصًا مشبعًا بتفاصيل الحياة القانونية، لا بوصفها مهنة، بل كعالم نفسي واجتماعي:
دهاليز المحاكم
تكتيكات القضايا
هشاشة العلاقات تحت ضغط النزاعات
تشعر أن الكتابة خرجت من معايشة، لا من مراقبة، وهو ما يمنح العمل صدقه وقسوته في آنٍ واحد.
إخراج يحترم المعنى قبل الصورة
بقيادة خالد مرعي، يحافظ العمل على إيقاع دقيق، يتجنب الترهل، ويمنح كل مشهد مساحته دون إفراط.
لا يفرض الإخراج نفسه على النص، بل يخدمه.
ولا يطغى الأداء على الفكرة، بل يكشفها.
وهنا تكمن الحرفية الحقيقية.
ما بين الموهبة والامتداد
لا يمكن تجاهل الخلفيات الفنية لصناع العمل:
امتداد عائلي يرتبط بالإذاعي محمد مرعي والفنان أحمد مرعي
ناهد السباعي حفيدة فريد شوقي
كريم عبد العزيز ابن محمود عبد العزيز
لكن العمل يذهب إلى ما هو أبعد من فكرة “الجينات الفنية”، ليؤكد أن الموهبة ليست إرثًا يُستدعى… بل مسؤولية تُثبت.
خلاصة القول
“المتر سمير” ليس عملًا عن محامٍ خسر قضية،
بل عن إنسان خسر يقينه.
هو عمل يضعنا أمام حقيقة مربكة:
أن العدالة ليست دائمًا في النص… بل فيمن يطبقه.
وحين تتحول العلاقات إلى ملفات، والمشاعر إلى مستندات،
لا يبقى هناك منتصر حقيقي… بل خسارات متفاوتة.
لقد نجح المسلسل في أن يجعلنا نضحك…
لكن الأهم، أنه جعلنا نشك.
نشك في بساطة الأحكام،
وفي وضوح الحق،
وفي اطمئناننا إلى أن القانون دائمًافي صف العدالة.
كل عام وانت بخير
هل من الممكن نشر هذا النقد لمسلسل المتر سمير

الإذاعي شريف عبد الوهاب
رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى