منال رضوان تكتب ترتيلةُ الزيفِ الجميل: بنيةُ الغدر وتَشَظِّي الذات في «كان يا ما كان» لبليغ حمدي
لا شك أن إعادة الفنان مدحت صالح لأغنية «كان يا ما كان» في تتر أحد الأعمال الدرامية الناجحة في السباق الرمضاني لهذا العام جعلتنا نتذكر تلك القصيدة المغناة التي شدت بها الفنانة ميادة الحناوي قبل ثلاثة عقود، من كلمات وألحان الموسيقار بليغ حمدي وتوزيع عمار الشريعي.
يجعلنا ذلك نتناول كلمات الأغنية بنزر يسير من التحليل؛ إذ تعد الأغنية بمثابة وثيقة أدبية تجسد مأساة الوعي العاطفي حين يصطدم بحتمية الغدر.
تبدأ البنية الداخلية للنص منذ استحضار صيغة تشبه الترتيلة الحكائية الراسخة في الوعي الجمعي (كان يا ما كان)؛ وهي استهلالية تهدف إلى تعميق الفجوة الزمنية بين حاضر محطم وماضٍ كان يتكئ –ربما– على دثار الحنان. هذا النكوص نحو الماضي يعكس توترًا دلاليًا يكشف عجز الذات عن استيعاب صدمة التحول. كما يُلاحظ أن الزمن يبرز في هذا النص قوةَ سلبٍ غاشمة، ونعته بالسارق (سرق منا فرحتنا) يحوله من مجرد إطار للأحداث إلى خصم مباشر يمارس فعل اللصوصية على وجدان الذات الساردة. هنا تبرز أهمية السؤال عن وجود الصيغة الثنائية في: (لنا، منا، زارنا، فرحتنا).

الإجابة بوضوح تحملها الكلمات التالية، وهذه الوحدة الشعورية للذات الساردة مع الحبيب (حبيبي يا أنا)؛ لذا فإن اختيار الصيغة الثنائية هنا في ضمير المتكلم يبدو موفقًا وفي محله؛ إذ يتجلى صراع الذات مع المخاطب في حالة من التماهي القاتل. فالذات الشاعرة تخاطب الآخر كجزء من وجودها؛ إن جملة (حبيبي يا أنا) تجعل فعل النسيان الذي مارسه المخاطب بمنزلة محو للهوية الكلية.
فحين تقول الذات الساردة: (نسيت مين أنا)، فهي تعلن أن وجودها مرتهن بذاكرة الآخر؛ وبانقطاع خيط الذاكرة تسقط الذات في تيه اللاشيء.
هذا الانكسار يولد مفارقة وجودية حادة؛ فالذات التي تشتكي الغدر تعلن الاستعداد للفناء من أجل فرح الغادر أو سعادته، في اعتراف ضمني بقسوته في اتخاذ قرار الهجر. تستمر الكلمات في إبراز الانكسار لتزداد حدته في اتخاذ قرار الانسحاق: (فداك قلبي اللي حبك)؛ مما يكشف عن بنية قد تصل إلى شيء من المازوخية في الحب، يقتات الوفاء فيها على ألم الجرح، وتتحول التضحية فيها إلى وسيلة أخيرة للحفاظ على صورة المحبوب حتى وهو يمارس فعل السحق.
هنا يصل الألم في النص إلى ذروته التعبيرية حين يتجاوز المناجاة الفردية ليشمل الوجود بأكمله؛ فالحجر يذوب من حرقة الفقد، والشكوى ترتفع لتتجاوز سقف البشر نحو المطلق واللامحدود، مع اليأس من وجود مخلص يملك قرار العودة المطمئنة. هنا يبدأ الانفصال اليقيني، ويظهر الصراع مع المخاطب في أقصى تجلياته التناقضية؛ حيث يُحاصر الآخر داخل ثنائيات ضدية: عسل ومر، وفاء وغدر، حب العمر والكذب.
لنصل معًا إلى ذروة النص أو بيت القصيد:
كدبة أنت كدبة
لكن أحلى كدبة بعتها لي الزمن
رقة أنت رقة
لكن شوك ودمعة وبحر من الأحزان
هنا يُلاحظ استخدام بحر الرمل –ربما مع وجود الخبن والحذف– وهما من الأمور المستساغة؛ طالما أن هذا الخبن لم يؤثر في سلاسة التلقي. كما أن استخدام الرمل هنا، وهو البحر الذي يُعرف في الأدب كإيقاع للشجن والبوح الرقيق، يكشف عن دقة البناء العروضي في تجسيد الحالة الدرامية؛ حيث ينساب الإيقاع محاكيًا تأرجح الذات بين عذوبة «الكدبة» ومرارة «الأحزان».
يمكن القول إننا أمام لحظة تنوير قاسية؛ حيث تنتقل الذات من طور الاستغراق في التذكر والشجن إلى طور المواجهة الوجودية المباشرة مع حقيقة الآخر. هذا التوصيف المتناقض يمثل تعرية لجوهر العلاقة التي اكتشفت الذات أنها شُيدت فوق فراغ. وبتكرار كلمة «كدبة» يتحول اللفظ من صفة عابرة إلى كيان كلي يختزل شخصية المخاطب؛ فالآخر هنا صار في ذاته تجسيدًا للزيف والخديعة.
ينتقل صراع الذات إلى درجة أعمق في مفارقة الاستعذاب؛ فالاعتراف بكونه كذبة يتبعه فورًا نعته بـ «أحلى كدبة». هذا الربط القاسي يعكس بنية الألم المركبة في نفس العاشق؛ حيث تدرك الذات العقلانية الخديعة، وتأبى الذات العاطفية التخلي عن جمالية هذه الخديعة. كما ينقل الأمر من حيز الفعل الشخصي للمحبوب إلى قدرية حتمية ساقها الزمن لتضليل الذات.
هنا يبرز الألم حالةَ وعيٍ شقية؛ هو الوعي الذي يرى الحقيقة عارية ويختار أن يغلفها بقداسة العشق، مما يجعل «الكدبة» في هذا السياق الحقيقةَ الوحيدة التي تمتلكها الذات المنكسرة، والقشة التي تتمسك بها لتبرير أفعال الفناء والضياع.
وللزمن في تلك الكلمات أهمية قصوى؛ إذ يتحول من مجرد وعاء للأحداث إلى شخصية درامية فاعلة، وإن شئت قل: هو المحرك الأساسي لمأساة الذات. فالنص لا يتعامل معه كخط مستقيم في السرد، بقدر ما يقدمه قوةً غاشمة وقدرية تتلاعب بمصائر بطلي القصة حتى تحيلها إلى رماد الذكرى.
يتجسد الزمن في البداية في صورة لص قاسٍ: (زارنا الزمان، سرق منا فرحتنا). وهنا تكمن المفارقة؛ فالزمن الذي كان في الماضي وعاءً يغلفهما بحماية ودفء هو ذاته الذي انقلب ليمارس فعل السلب.
هذا التشخيص يجرده من حياده الفيزيائي ويجعله خصمًا واعيًا، مما يعمق شعور الذات بالعجز؛ إذ كيف للمرء أن يسترد ما سرقه الدهر؟
تتجلى رمزية الزمن أيضًا في كونه مضمار الخديعة؛ فالمخاطب كدبة تتحول الخديعة معها من سلوك بشري فردي إلى إرسالية قدرية ساقها الزمن بإحكام. فالذات هنا لا تلوم المحبوب وحده بقدر لومها لتلك اللحظة التاريخية التي سمح الزمن فيها لهذا الزيف بأن يلبس قناع الحقيقة.
هو الذي منح الكذب رداء الجمال، وهو الذي نزعه في أوان الغدر؛ مما يجعل الصراع وجوديًا بامتياز، حيث تصارع الذات اللحظة التي فات أوانها والعمر الذي يذوب كالشمع.
تنتهي رمزية الزمن في هذا النص الغنائي بحالة من الاغتراب الزمني؛ حيث تقف الذات على الأطلال، في استعادة حزينة لوقت البراءة الذي انقضى من دون عودة. كما أن هذا الاستحضار المتكرر لمفردة «الزمن» يعمل كترجيع جنائزي يؤكد أن الهوة بين الماضي والحاضر غير قابلة للردم، وأن هذا الجرح لا يصلحه الرتق.
الزمن في «كان يا ما كان» هو القوة التي تمنح صفقة الحب، ثم تسترد الثمن أضعافًا من دمع وهمّ وذكريات؛ ليصبح في النهاية السجان الذي يحبس الذات في ذكرى رماد الحب، مجردًا إياها من حقها في امتلاك حاضرها أو استشراف مستقبلها.




