أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

منال رضوان تكتب ميكانيزمات الإسقاط التاريخي وتفكيك البنية الأيقونية في قصة خروف غير حي

لناديجدا لوخفيتسكايا ـ تيفي ـ (١٨٨٩ - ١٩٢٤).

 

ـ المراوحة بين جمود الرمز الإمبراطوري وديناميكا التآكل الطبقي.

 

ناديجدا لوخفيتسكايا أو (تيفي) هي كاتبة روسية، ولدت قبل الثورة البلشفية وهاجرت بعد قيامها، لتواصل مسيرتها الإبداعية، التي ضمت مقالات أسبوعية، إضافة إلى قصص ساخرة.
عرف عن تيفي؛ أنها حادة الذكاء، إضافة إلى الحس الشعري الملاحظ في تراكيب جملها الوصفية.
وهنا قصة من أذكى ما كتبت بعنوان (خروف غير حي)
هذه القصة المشبعة ببنية رمزية مغلقة، أجادت كاتبتها إعادة إنتاج صيرورة التآكل التاريخي، عبر استخدامها ميكانيزمات الإسقاط في النص الأدبي(للمزيد علم النفس والأدب م. ح. غانم)،
تبدأ القصة بفتاة صغيرة تحصل على خروف شديد الشبه بالخراف الحقيقية، تظل كاتيا بإدراكها الطفولي واثقة من قابلية عودته إلى الحياة!
هنا يتجلى الخروف ذو الفراء الأبيض الكث، كتمثيل أنطولوجي للنظام القيصري في لحظة أفوله؛ إذ نلاحظ وصفه ككائن جامد، أبكم، يمتلك ملامح الوجود المكاني من دون فاعلية دينامية؛ هو يستمد مشروعيته من ذاكرة العيد وما يحققه من بهجة، وصورة الهيبة البصرية التي تخدع إدراك الطفولة الغرير المتمثل في كاتيا.

إن هذا الرمز الذي تفوح منه رائحة الصوف والليمون، المنفصل عن تراتبية الكائنات الحية، يجسد الرمز الأيقوني الفاقد نبضه السياسي، والمتحول إلى عبء جمالي مستهلك في الوقت ذاته؛ تراه ينتظر في زوايا الغرف المظلمة ذلك المصير المحتوم، وسط أجواءً قمعية، تفرضها سلطة الحاضنة، التي تمارس دور الرقيب البيروقراطي النمطي، وعصا غاشمة تمثلت في المعلمة شديدة التسلط، بينما على الجانب الآخر ​تتشكل الطبقة البرجوازية الخاملة في نص تيفي، عبر سوسيولوجيا النسوة اللواتي يغرقن في الثرثرة، واللمز، واحتساء النبيذ، محتميات بجدران المطبخ والبيت؛ ليمارسن انفصالًا معرفيًا تامًا عن الوعي بحقيقة الانهيار الوشيك، وتسلل الجرذان إلى القبو.
هؤلاء النسوة يمثلن الفراغ القيمي، الذي يحيط بالعرش المتآكل؛ إذ يكتفين بالسخرية من محاولات كاتيا التي مثلت (الوعي الفطري) لبث الحياة في جسد الرمز، ومنحه الحليب أو الخبز.
بيد أن فعل الإطعام الهزلي الذي تمارسه كاتيا تجاه الخروف غير الحي، إنما يعكس محاولات استبقاء النظام عبر طقوس واهية، بينما النسوة اكتفين بالضحك الهستيري، الذي يشي ببلادة طبقية ومعرفية؛ لا تُدرك أن تَحَلل الخروف هو بداية لتحلل الدار بأكملها!

كما نلاحظ أن مجموعة الجرذان تبرز في هذا النص بمثابة قوة بيولوجية وتاريخية حتمية؛ إذ تمثل العناصر الهمجية، أو القوى التحتية التي تحاول أن تقتات على الرموز الراسخة.
إن فعل الالتهام، الذي تمارسه مجموعة الجرذان تجاه حشوة الخروف الليفية، يعد إزاحة إبستمولوجية للمادة القديمة وحلول للمادة العضوية الشرسة محل هذا الرمز الخامل.
الجرذ الذي رأته كاتيا في الحديقة وظنته قطًا ضخمًا، وصفته المربية بأنه جرذًا قويًا، ليمكننا اعتباره النقيض الوجودي للخروف الهادىء الذي تطمئن كاتيا إليه؛ بينما الجرذ يعد كائنًا له القدرة على العض، والتخريب، والحركة، والتكاثر في الأقبية، تمامًا كما تتشكل حركات التمرد جميعها، في عتمة الأزقة المتفرعة قبل أن تلتهم المركز.
تتمثل اللحظة المفصلية في شروع الجرذان في تمزيق أحشاء الخروف؛ فهي تعلن نهاية مرحلة الخداع البصري، ومحاولة تحويل الهيبة إلى نُتَفٍ من القش، والكتان المتسخ، وهو ما يفسر رعب كاتيا التي تدرك بحدسها أن سقوط الخروف يعني سقوط البيت أمام القوى الكامنة في الظلام.

​تتحرك الشخصيات (كاتيا، الأب، الأم، النسوة، المربية، المعلمة،) داخل النص وفق استراتيجية حذر شديدة؛ فالأب الصامت، غير المكترث الذي يُسقط إبريق الشاي، والأم التي تشيح بوجهها الذي يشبه العصفور، يمثلان النخبة الصامتة التي تعاين الانهيار، لكنها تعجز عن صياغة موقف حاسم، تاركين الساحة لصراع مرير بين براءة الطفولة، وقبح الواقع.
إن المعلمة، بوجهها الشبيه بوجه الكلب وصرامتها الخشبية، لعبت هنا دور المؤسسة التي تحاول شرعنة موت البراءة، وتجريد العالم من سحره عبر تحطيم الألعاب، ونفي الخيال، وهي بذلك، تهيمن على الصيرورة العدمية؛ تلك التي تقود الخروف إلى مخازن المؤن حيث تنتظره الجرذان الجائعة.

​يصل نص ناديجدا بنا إلى ذروته التراجيدية، عندما تكتشف كاتيا أن الخروف لم يعد يثغو؛ لأن أحشاءه باتت مرتعًا للجرذان التي تكاثرت في صمت.
وتجلت حيلتها السردية في استبدال صوت الجرذان بغثاء الخروف، الذي مثل التحول المعرفي الأخطر في هذه القصة؛ إذ تحدث الرمز بلسان قاتليه!
كما أمست الأيقونة وعاءً للخراب؛
لتنتهي القصة بنوع من الاستسلام للواقعية القاسية؛ حين تنزوي كاتيا في ركن فراشها، مدركة أن الخروف غير الحي كان قادرًا على حمايتها؛ لأنها آمنت بذلك.
وأن النسوة اللواتي يضحكن في الخارج، لسن سوى كائنات عابرة في مشهد الانهيار الكبير الذي بدأ بتكاثر الجرذان حول الرمز.

إن الخروف هنا هو ضحية لميكانيزمات التاريخ التي لا ترحم الرموز من سيل التجرؤ والهمجية، والجرذان هي الحقيقة العارية التي تبرز عندما يسقط القناع عن الوعي الجمعي الخامل أو المتواطئ، والبرجوازية المستهترة معًا، في مناخ يطبعه الصقيع الروحي، والترقب المرير، لما ستسفر عنه حوادث أقبية القصر المتصدع جراء نخر الجرذان.
منال رضوان
القاهرة ٢٦ من أبريل ٢٦

القصة من ترجمة: د. باسم الزعبي.
من كتاب مسمار في الحائط قصص من الأدب الروسي الكلاسيكي.. دار نشر أنباء روسيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى