زكريا صبح يكتب تناص أم اقتباس أم توارد أفكار؟
قراءة في قصتي (ليلة في بومباي) للكاتب المبدع الرائد الأستاذ محمود البدوي، وقصة (بيت من لحم) لفارس القصة القصيرة الدكتور يوسف إدريس.
قراءة في قصتي (ليلة في بومباي) للكاتب المبدع الرائد الأستاذ محمود البدوي، وقصة (بيت من لحم) لفارس القصة القصيرة الدكتور يوسف إدريس.
في عام 1959 نُشرت مجموعة بعنوان (الزلة الأولى) للأستاذ محمود البدوي، والتي ضمت قصة (ليلة في بومباي)، بينما في عام 1971 نُشرت مجموعة (بيت من لحم)، والتي حملت عنوانها عنوان القصة الأولى فيها.
وربما كان القدر وحده سببًا في عقد المقارنة بين القصتين في عام 2026، فما أجمل أن يجد القارئ نفسه حلقة وصل بين جيلين عظيمين من كتاب القصة القصيرة. وسأذكر بعد قليل لحظة التنوير التي لمعت في رأسي وجعلتني أجمع بين القصتين في دراسة خاطفة.
—
بين القرط والخاتم
بعد أن ينتهي القارئ من قصة (ليلة في بومباي) سيجد أن الكاتب احتفظ بالمفارقة والمفاجأة في الفقرة الأخيرة من القصة، ولم تكن المفاجأة سوى (فردة قرط)، تلك التي وجدها في فراشه بعد ليلة ساخنة مع امرأة لم يستطع تحديد هويتها.
فقد كان ضيفًا عابرًا على أسرة هندية استضافته لليلة واحدة، ولأنه كان شابًا متوهج الرغبة، فقد واقع امرأة دخلت عليه غرفته بحجة إسدال الستارة على النافذة. ولأن للأجساد لغتها وطاقتها وجاذبيتها، فقد وجدت المرأة نفسها في حضن الشاب، أو وجد الشاب نفسه في حضن المرأة؛ فأي كائن خرافي وفّق بينهما في تلك الليلة الساخنة؟
فلما كان الصباح، وجد فردة القرط منسية بجواره على الفراش. فأي خمرة تلك التي أسكرتهما حتى نسيت المرأة قرطها؟
ولما التبس عليه الأمر: أيُّ امرأة من ثلاث (الأم وابنتاها) كانت في حضنه البارحة؟ ولما كان الدليل بين يديه، راح يتطلع إلى آذانهن حتى وجد إحدى أذني الأم خالية من قرطها، فعلم مع من بات ليلته الساخنة.
وتكمن المفارقة في أن الشاب، والقارئ معه، كان يتوقع أن إحدى البنتين ستكون بطلة تلك الليلة، بما لهما من جمال فائق وأنوثة طاغية (وكانتا توأمًا)، بيد أن الكاتب أصابنا بالدهشة عندما اكتشفنا صنيع الأم النزِق.
نعود إلى العلاقة بين القرط والخاتم؛ فإذا كان القرط هو بطل لحظة التنوير في قصة (ليلة في بومباي)، فإن الخاتم كان بطل القصة كلها في (بيت من لحم). فالخاتم كان رمز اليقين (المفتعل أو المصطنع)، ودليل التواطؤ الصامت.
فها هي الأم التي ذاقت حلاوة حضن الرجل تأبى أن تستأثر لنفسها بهذه المتعة، ولأن بطل القصة كان كفيفًا لا يعرف امرأته إلا من خلال الخاتم الذي أهداه لها عشية الزواج، فقد استمرأ لنفسه أن يستمتع بأربع نساء يحرم عليه منهن ثلاث، والحجة أن الخاتم في إصبع إحداهن، كأنه لا يستطيع التفرقة بينهن إلا بالخاتم.
ومن هنا يتضح للقارئ وجه الربط بين القصتين، ليس في القرط والخاتم في ذاتهما، وإنما لكون كليهما زينة للمرأة. فأي شياطين الفن نفثت في روع الأديبين دليل الإدانة؟ هل قلت الإدانة؟ ربما قصدت عنصر الحبكة في كلتا القصتين.
—
** بين المبصر والكفيف
الملاحظة الأخرى التي استرعت انتباهي أن البطلين في القصتين كلاهما شاب موفور الصحة والشبق، حاضر الرغبة والجرأة.
فإذا كان بطل (ليلة في بومباي) شابًا اضطرته ظروف السفر إلى الهند أن يبيت ليلة عابرة في بيت أهله من النساء، فإن بطل (بيت من لحم) كان كفيفًا، لكنه موفور الصحة أيضًا، اضطرته ظروف فقره أن يدخل إلى بيت كله من النساء ليقرأ شيئًا من القرآن على صاحب البيت.
—
**صاحب البيت الميت.
من الأمور التي لفتت انتباهي أيضًا أن صاحب البيت في كلتا القصتين كان ميتًا.
فالأول مات وترك زوجته وابنتيه في رغد من العيش، بينما الثاني مات وترك زوجته وثلاث بنات في فقر مدقع.
الأول ترك زوجة لا تزال في نضارة الشباب، والثاني ترك زوجة في الخامسة والثلاثين، طويلة بيضاء ممشوقة.
الأول ترك ابنتين توأم، والثاني ترك ثلاث بنات متفاوتات عمرًا.
—
** الصمت والظلام مفتاحا السعادة
لن تكون في حاجة إلى كبير جهد لاكتشاف عنصرين آخرين يجمعان بين القصتين: الصمت والظلام.
في (ليلة في بومباي) تتحرك المرأة كالشبح في الظلام، وتهمس: «لا تتحدث لئلا يستيقظ النائمون».
وفي (بيت من لحم): الصمت يعمي الآذان، والظلام يعمي العيون، وفي هذا التواطؤ يتم اللقاء.
—
الراوي العليم
اختار الكاتبان الراوي العليم لسرد الحكاية، لأنه وحده القادر على نقل ما يحدث في الظلام، ليس ظلام الحجرات فقط، بل ظلام الصدور.
غير أن يوسف إدريس اعتمد عليه اعتمادًا شبه كامل، بينما أفسح محمود البدوي مساحة للحوار، فجاء نصه أكثر حيوية في بعض المواضع.
—
اللذة تضفي بشاشة وحبورًا
يظهر أثر الإشباع الجسدي واضحًا في ملامح الشخصيات، خاصة النساء.
في (ليلة في بومباي) تبدو البشاشة على الوجوه صباحًا، وفي (بيت من لحم) تتحول الأم من فانوس مطفأ إلى كائن مشع بالحياة.
—
مسرح الأحداث
تدور الحبكة في كلتا القصتين حول لحظة الكشف المرتبطة بالقرط والخاتم.
ورغم اختلاف طول الزمن السردي، فإن المشترك هو ضيق المكان: الغرفة والسرير بوصفهما مسرح الحدث الأساسي.
—
الرئيسي والثانوي
البطولة الذكورية حاضرة، لكن البطولة الأنثوية الحقيقية تتمثل في الأرملتين، بينما تتوزع الأدوار الثانوية على البنات، اللواتي يشتركن جميعًا في الحرمان.
—
الأسئلة التي يطرحها النصان
يثير النصان أسئلة إنسانية عميقة:
ما الذي يدفع امرأة لأن تخاطر بسمعتها؟
وما الذي يدفع أخرى للتواطؤ مع بناتها؟
وكيف يقبل الرجل أن يخدع نفسه، أو ينساق خلف رغبة عابرة دون تفكير؟
—
اللغة
لم يهتم الكاتبان كثيرًا بجماليات اللغة بقدر اهتمامهما بنقل الحدث، ومع ذلك تجنبا الفجاجة، واكتفيا بالتلميح بدل التصريح.
—
وأخيرًا
حرص محمود البدوي على تسمية أبطاله الرئيسيين، بينما استغنى يوسف إدريس عن الأسماء مكتفيًا بالصفات.
وفي الختام، لم تهدف هذه الدراسة إلى شيء بعينه سوى محاولة الربط بين قصتين لكاتبين كبيرين، للوقوف على المستوى الراقي لإبداعهما.
جميع ما يرد المقال يعبر عن رأي كاتبه.





