د. حسين عبد البصير يكتب الإسكندرية… مدينة الفكرة الخالدة بين التاريخ والإنسانية
تظل الإسكندرية واحدة من أكثر المدن سحرًا وعمقًا في التاريخ الإنساني، مدينة لم تُبنَ بالحجر وحده، بل شُيّدت بالفكرة قبل أن تُشيَّد بالمعمار، وبالحلم قبل أن تُرسم على خرائط العالم القديم. حين قرر الإسكندر الأكبر تأسيسها عام 331 قبل الميلاد، لم يكن يبحث عن مدينة ساحلية جديدة فحسب، بل كان يضع تصورًا لمركز حضاري عالمي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويعيد صياغة العلاقة بين الشرق والغرب في إطار من التفاعل الثقافي والمعرفي.
لقد وُلدت الإسكندرية منذ لحظتها الأولى كمدينة استثنائية، مدينة لا تنتمي إلى جغرافيا واحدة بقدر ما تنتمي إلى الإنسانية جمعاء. موقعها على شاطئ البحر المتوسط منحها قدرة فريدة على أن تكون نافذة مصر على العالم، وجسرًا تتقاطع عليه طرق التجارة والأفكار والثقافات. ومنذ العصور الهلنستية، تحولت إلى مختبر حضاري مفتوح، تتجاور فيه اللغات وتتنوع فيه الهويات، دون أن تفقد المدينة روحها الجامعة.

ولعل أعظم ما يميز الإسكندرية في تاريخها القديم هو ذلك المشروع المعرفي العملاق الذي تجسد في مكتبتها الشهيرة، التي لم تكن مجرد مخزن للكتب، بل كانت عقل العالم القديم وذاكرته الحية. ففي رحابها، تلاقى العلماء والفلاسفة والباحثون من مختلف أنحاء العالم، ليؤسسوا تقاليد علمية وفكرية أثّرت في مسار الحضارة الإنسانية لقرون طويلة. وإلى جوارها، جاء موسيون الإسكندرية ليكون مؤسسة بحثية متقدمة، جمعت بين العلم والتأمل والفلسفة، في تجربة إنسانية غير مسبوقة.
إن الإسكندرية، في جوهرها، ليست مدينة حجرية بقدر ما هي مدينة معنى. فهي تمثل فكرة التعدد والانفتاح، وفكرة القدرة على تحويل الاختلاف إلى مصدر ثراء لا إلى سبب للصراع. في شوارعها القديمة، وفي موانئها التي استقبلت السفن من كل صوب، تشكلت هوية كونية نادرة، امتزج فيها المصري باليوناني، والشرقي بالمتوسطي، في نسيج حضاري فريد.
ومع تعاقب العصور، ظلت الإسكندرية قادرة على إعادة إنتاج ذاتها، رغم ما أصابها من تحولات وتحديات. ففي العصر الروماني والبيزنطي، ثم في العصر الإسلامي، استمرت المدينة مركزًا للعلم والثقافة والتجارة، وإن تغيرت أدوارها وأشكال حضورها. لكنها بقيت دائمًا مدينة لا تقبل الانطفاء، بل تعيد صياغة حضورها وفقًا لروح كل عصر.
وفي العصر الحديث، عادت الإسكندرية لتتألق كمدينة متعددة الثقافات، استقبلت موجات من البشر من مختلف الجنسيات والأديان، لتصبح نموذجًا فريدًا للمدينة المتوسطية المنفتحة، التي تحتفظ بذاكرتها القديمة، وفي الوقت نفسه تنفتح على الحداثة. كانت ولا تزال مدينة الشعراء والكتاب والفنانين، وملهمة الإبداع الإنساني في أشكاله المختلفة.
إن الاحتفال بذكرى تأسيس الإسكندرية ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل هو لحظة تأمل في معنى المدينة نفسها، وفي قدرة الإنسان على بناء فضاءات للمعرفة والتسامح والتعايش. إنه تذكير بأن الحضارة لا تُقاس بعمرها الزمني فقط، بل بقدرتها على الاستمرار في التأثير والإلهام.
واليوم، ونحن نعيد قراءة تاريخ الإسكندرية، ندرك أنها ليست مدينة الماضي فحسب، بل مدينة المستقبل أيضًا. فهي تملك من المقومات الثقافية والتاريخية والجغرافية ما يؤهلها لأن تستعيد دورها كإحدى أهم مراكز الإشعاع الحضاري في العالم، إذا ما أُحسن استثمار إرثها العريق ورُوعي في تنميتها روحها الأصلية.
إن الإسكندرية ستظل، مهما تغيرت الأزمنة، مدينة الفكرة الخالدة؛ فكرة أن الإنسان قادر على أن يصنع من التنوع وحدة، ومن المعرفة قوة، ومن التاريخ مستقبلًا لا ينتهي.





