أخبار ثقافيةأخبار خارجية وشئون دوليةأخبار عاجلةالرئيسية

“عائد من نتساريم” لعبد الكريم أبو مصطفى.. حين يصبح الجوع فخّاً للرصاص

 

عمّان- متابعة أوبرا مصر

ينقل لنا الكاتب الفلسطيني عبد الكريم أبو مصطفى في مجموعته “عائد من نتساريم” واقعاً قصصيّاً تدور أحداثه على محور نتساريم بفلسطين، أو ما شاع تسميته “محور الموت”؛ وهو الحاجز الفاصل بين شمال غزة وجنوبها والذي أنشأه الاحتلال لتحقيق أهدافه العسكرية.
يستهلّ الكاتب مجموعته الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن (2026)، والتي تُعدّ الإصدار الثالث ضمن مبادرة “غزّة تبدع”؛ بمقدمة تضع إطاراً لما هو قادم من سطور، تغيب فيها البطولة عن الشخوص وتُوكّل إلى مكانٍ تُنزع عنه صفة الجماد ويُستحال إلى بطلٍ شاهدٍ على أحداثٍ تدّنت فيها معاني الإنسانية إلى قاع حدودها؛ حين تُصبح كسرة الخُبز أمنية، والبحث عنها منفذاً مباشراً إلى الموت:
“نتساريم ليست مكاناً في هذه الصفحات،
بل حالة إنسانية تتكرّر بأسماء مختلفة،
طريقٌ يدخله كثيرون،
ويخرج منه البعض…
بأثقالٍ لا تظهر في الأيدي.
هذه القصص لا تطلب التعاطف،
ولا تشرح ما حدث.
هي فقط تفتح الباب،
وتترك للقارئ أن يقرّر
أيّ طريق كان سيختار”.
تأتي القصص مباشِرة كاشفة، بلا خطابات رنّانة أو نهايات درامية، لتخترق حواسّ المُطالِع بلا عناء. هي ليست قصصاً عن أبطال عانوا وكوفئوا كما في قصص الخيال الإنسانيّ، بل تتحدث عن أشخاصٍ حقيقيين سِيق إليهم الموت أشكالاً وأحاطتهم ألوانه من كل جانب.
تتواتر القصص تباعاً، بأسماء تتباين وغايات تتفق؛ جميع الشخوص خرجوا إلى طريق الموت في سبيل البقاء، أبٌ يبحث عن الخبز لبناته فيعود إليهنّ جثّة، وآخر يهرب من الرصاص فتبتلعه الأرض ليعود مصاباً عاجزاً. هذا يفقد أحد أطرافه، وتلك تجرّ رفيقتها المصابة بعيداً عن الموت لتلفظ أنفاسها في مكانٍ آخر. طفلٌ كبُر قبل الأوان، يخرج في سبيل الحطب فيموت وهو بين يديه الصغيرتين، وآخر يرتحل نحو الخطر طواعيةً فيُفقد في حُرقة المجهول إلى الأبد.
في تلك القصص من غزّة حيث تكون الكلمات الأولى للأطفال “بابا.. خبز”، وتنحصر أمانيهم في سقفٍ قائم، وحساباتهم في تقسيم الوجبة الأخيرة التي لا تتعدى الرغيف. نرى الخوف، والرعب، والدمار، واليأس.. والمقاومة للبقاء مع ذلك كلّه. قصصٌ شاهدة على أقسى مآسي الإنسان وعلى أشدّ تصرفاته وحشيّة؛ من كتائب تتسابق للقتل وتتبارى فيما بينها مَن يحصد أرواحاً أكثر.
غابت دراميّة الحدث والنهاية عن سرديّة القصص، فهذه ليست أسطورة من خيال الإنسان، بل واقعاً يائساً؛ جميع النهايات معروفة، وجميعها مفتوحة بلا خاتمة، فكأنّ هذه القصص التي فقد أصحابها كل رفاهيات الحياة -وأساسياتها- فقدت حتى رفاهية الختام الحزين.. إذ يستمرّ الفقد والألم والصراع في مشاهد تالية لم نرها، لأننا تحوّلنا بالقلم إلى مأساةٍ أخرى لا نهاية لها. كما يعترف الكاتب صراحةً:
“هذه ليست حكايات عن الموت،
بل عن الطرق التي تقود إليه دون أن تعلن ذلك.
في نتساريم، لا يبدأ الجوع من المعدة، بل من السؤال اليومي:
كيف ننجو… دون أن نفقد أنفسنا؟”.
اتّبع الكاتب أسلوباً بليغاً من الجمل القصيرة المجزّأة إلى أسطر، في بناء يقارب البناء العمودي للشعر، تمكّن به من خلق إيقاع لكلماته في ذهن القارئ، كأنّه يقرأ ملحمة شعريّة في قالب نثري آسر، دون أن يُخلّ بالبناء السردي الطبيعي للقصّة. كما حافظ ذلك الأسلوب على مسحة التوتّر والترقّب التي تكسو الأحداث ليعايشها القارئ بكلّ حواسه.
ينجح أبو مصطفى في مجموعته التي تقع في ثمانين صفحة، في توثيق الواقع الغزيّ على الورق بمختلف معاناته، ويتنوّع في أسلوبه بين الرواية بضمير المتكلّم تارة وضمير الغائب تارة أخرى، فكأنّه يقترب ويبتعد من الأحداث كحال المواطن الغزيّ فهو إمّا يعيش المأساة بنفسه أو يسمع بها من حوله ولا خيار ثالث عدا هذين. كما يثري تلك التجربة بعناوين رئيسة شاملة اتّسمت بالمباشرة وأخرى فرعية تؤطّر الفقرات الجزئية من بعدها.
اختُتمت غالبية القصص بفقرة تقريرية تنأى عن لهيب الأحداث قبلها، وتتّخذ زاوية بعيدة تضجّ بأمنيات في قلب الكاتب ومشاعر تتأرجح من السخط إلى الرجاء، كأنها صرخة ختامية من داخل نَفس كلّ غزيّ. يقول في ختام قصّته “من أجل خبزٍ للبنات”:
“العائلة صامتة، تنتظر معجزتها الصغيرة؛
أن يصل يومٌ لا يُقتل فيه الأب بسبب رغيف،
أن تنجو البنات،
أن يُصبح الخبز حقّاً وليس فخّاً،
وأن يعيش الناس في غزة فقط… على قيد الحياة”.
تُنبئ “عائد من نتساريم” باحتلالها مساحةً في نفوس قرائها، وأول ما لاقته من صدًى كان من قِبَل لجنة التقييم، إذ يقول الكاتب العراقي زهير كريم: “حقق عبد الكريم أبو مصطفى أربعة انتصارات تتعلق بالكتابة بشكلٍ عام، وبالسرد بشكل خاص، انتصارات واضحة غير مغشوشة. فقد رصد بعين المجروح مشاهد الخوف ﰲ داخله، وكان شاهداً أيضاً على خوف الآخر، واستمع بصدق كبير لصوت الفاجعة، دون أن يرفع الحدث مستوى الفاجعة، بل أنزله من طبقة الضوضاء والتشويش إلى تجربة الإنسان العادي البسيط ﰲ مواجهة آلة تسحق كل شيء بدون رحمة”.
أما القاصّ الأردني د.هشام مقدادي فيبلور في تصديره ما يمثّله الكتاب من قيمة للقرّاء، يقول: “يفتح هذا العمل الأدبي باباً مشرعاً للقارئ ليتأمل ﰲ ثمن النجاة، وﰲ تلك الرحلات التي تُقاس بما ننجو منه لا بما نعود به ﰲ أيدينا. نتساريم هنا هي الحالة الإنسانية التي تتكرر بأسماء مختلفة، وهي الذاكرة التي تعود محملة بما لا يُقال، وأثقال الروح التي تظلّ عالقة ﰲ الوجدان. إنّ تقديم هذه القصص للقارئ العربي هي دعوة لمشاركة هؤلاء الناس العاديين رحلتهم نحو النجاة، وفهم استراتيجيات البقاء ﰲ مواجهة الفناء الممنهج. إنه كتاب يمنح صوتاً للأجساد التي تنتظر، ويجعل من الوجوه التي صهرها التعب منارة تحكي قصة إنسان يصوغ أبجديته الخاصة من قلب الحصار والجوع، فلا يتحول البشر إلى مجرد أرقام على الشريط الإخباريّ”.
يُذكر أنّ “غزة تُبدع” مبادرة أدبية ثقافية أطلقتها “الآن ناشرون وموزعون”، ومقرُّها العاصمة الأردنية عمّان، لإصدار باقة من الأعمال الإبداعية لكتّاب وكاتبات من قطاع غزة، في خطوة ترمي إلى “نقل التجربة الغزيّة بعيون أهلها، وتوثيق الواقع الفلسطيني من قلب المعاناة عبر الأدب”.
وأوضحت الدار في بيان صحفي، أن المبادرة “تأتي استجابة للحاجة الملحّة لإيصال صوت المبدعين الذين يعيشون ظروفاً استثنائية تحت الحصار والعدوان”، مؤكدةً أن “الكلمة قد تكون النافذة الوحيدة المفتوحة حين تُغلَق كل الأبواب”.
وقال د.باسم الزعبي، المدير العام للدار: “هذه المبادرة فعل ثقافي مقاوم كما نرى، ونحن نؤمن أن للمبدعين الفلسطينيين الحقّ في أن يُنشر نتاجهم دون عوائق، وأن تصل أصواتهم المحاصَرة إلى القارئ العربي دون حواجز”، وأضاف: “قطاع غزة لا يحتاج فقط إلى الإمدادات الغذائية والطبية والإغاثية وإعادة الإعمار، على أهمية كل ذلك، بل أن تُروى أيضاً حكايته من داخله، بأصوات أبنائه وبناته، شهود الحقّ”.
وتابع الزعبي بقوله: “لا يُراد أن تكون هذه الإصدارات مجرد كتب، بل شهادات أدبية حيّة على لحظة تاريخية كُتبت وما تزال بالدم والصبر والأمل رغم كل الظروف”.
بدوره، قال الكاتب جعفر العقيلي، المشرف على المبادرة: “تنحاز (غزة تبدع) للحياة التي تُكتَب رغم الموت، وللحكايات التي تُولد رغم الدمار. إنها مبادرة ثقافية وإنسانية، تعكس التزاماً أخلاقياً وجمالياً تجاه مدوّنة لن تجد لها مساحة في نشرات الأخبار، سطَرَها أصحابها وسط الركام والأنقاض وفي ظروفٍ تنعدم فيها أدنى مقومات العيش، لتبقى شاهدةً على العدوان، ولتذكّر باختلال الضمير الإنساني تجاه القضايا العادلة، ولتشكّل وثيقة إدانة لأعداء الحياة”.
وأضاف العقيلي: “ستحظى إصدارات المبادرة بتغطية إعلامية واسعة، وسيتم تنظيم سلسلة من الفعاليات الثقافية التي تعرّف بها وتسلط الضوء على المشاريع الإبداعية لأصحابها، ضمن خطة تستمر على مدار العام”.
بدوره، قال الناقد والأكاديمي د.خالد الجبر، رئيس لجنة التقييم: “أثمّن عالياً هذه المبادرة الثقافيّة الرائدة، ذات البعد الإنسانيّ الأصيل، والتي تفتح المجال أمام أصوات المبدعين في غزّة؛ ليعبّروا عن ذواتهم وصمودهم وتجاربهم بلغة الفنّ والأمل”. وأضاف: “أؤكّد أنّ اللجنة التي تضم نقاداً وأكاديميين وأدباء عرباً، ستلتزم بمعايير شفّافة قوامُها السّويّة والإنصاف، بحثاً عن قوّة الأثر الإنساني والجمالي في النّصوص، وصدق تعبيرها، وأصالتها، مع الحرص على تمثيل تنوّع التجارب والأنواع الأدبية”.
وختم الجبر بقوله: “أومنُ بأنّ هذه المبادرة تمثّل جسراً للتّضامُنش الإبداعيّ مع نبض غزّة، وروحها التي لا تنكسر”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى