الأديب أشرف بدير يكتب دقائقٌ في القَبرِ (قصة قصيرة)
من المجموعة القصصية: زهر البنفسج

و اللهِ لقد كانت دقائق معدودة، سَكَنَتْ فيها الرَّوحُ سَكَن الرَّاحلين، و بدأ القلبُ يَركَنُ هادئًا في خُشوعٍ العارفين، إلى تلك الغُرفة المُظلمة شديدة الوَحشَة، و هَدأَت معه كلُ الجَوارحِ على غير عادتها، و بغير اتفاق بينها، و رُحتُ أُغْمِضُ عَينيّ طَوعًا، مُستسلمًا لمصير لا يعلم مَدَاهُ إلا الله.
لقد كَنتُ بمفردي هناك، كأنهم قد أتَوا بي و تركوني وَحدي لأواجه مصيري المَحتوم، ثم زُجَّ بي في هذا النَّفق الضيق مُمَدَّدًا مُكَبلًا بأصفادٍ قد أُحكِم رباطُها عليّ، كأنِّي مَيِّتٌ و قد لُفَّت أعضاؤه بإتقانٍ شديدٍ.
في هذا الجهاز، الذي يكاد يضيق بكَ حَدّ الاختناق، فلا تستطيع أن تَتَقَلب فيه يُمنَةً ولا يُسْرَةً، هذا الأنبوب الذي يَطبقُ على أنفاسِكَ، فلا تستطيع إلا أن تُثَبِّت عينيكَ طوعًا أو كرهًا، في سَقفٍ أملسٍ يعلوهما بِبِضعِ سنتيمترات.
يا الله! ما أشبه هذا المكان بِقَبرٍ ضيِّقٍ مُوحِشٍ، كأنكَ تنتظر سؤال المَلَكَين؛ لذا أغمضتُ عينيّ في هدوءٍ تامٍ، و أخَذتُ أقرأ بعضًا مما أحفظ من آي القرآن الكريم، عَلَّها تَشفَعُ لي، في هذا الموقف العصيب، كنتُ أتَلعثَم في القراءة؛ فيرتجِف قلبي بِشدَّة، و تزدادُ نَبَضاتُه سُرعة، فأُحاول جاهدًا أن أستجمع قُواي، و أستعيد ذاكرتي كي أُتِمّ القراءة.
و بدأَت تَمُرّ بِخُلدي بعضُ الذكريات من حياتي البعيدة العميقة، و كأنَّ الله يُذَكِّرني بأنَّ العُمرَ قد طال بي كثيرًا، و أنَّ ما مضى لن يعود أبدًا، و أنَّ عليّ أنْ أُذعِن هنا لقدَري المحتوم، فقط تَذكَّرتُ الآن أنَّ هذه الحياة لا شيء، و أنَّ الدنيا غيرُ آمنة، و أنَّ ما نحن فيه ما هو إلا نعيم زائف، و أنَّ البقاء فيها غير مضمون ولو للحظات قلائل، و أنَّ على المَرء مِنَّا أن يَفيق من غفوته، قبل أن ينتهي به الطريق إلى بئرٍ سحيقٍ، أو إلى مَآلٍ غير محمود عقباه.
و في هذه اللحظات، شعُرتُ بيدٍ تربتُ على كَتِفي – الذي نَسيتُ أنه يُؤلمني بشدة – و سمعت صوتًا خافتًا يهمِسُ في أُذُني قائلًا؛ حمدًا لله على سلامتِكَ، إنهض يا سيدي فقد انتهينا توٍّا من إجراءِ الأشعة الدقيقة على كَتِفكَ المُصاب .






