دينا العزة تكتب قراءة نقدية في نص تمرينَ على الجنون بصوت لا يسمع
للكاتب أحمد أمير

بداية نقف قليلا أمام نص يشتغل على منطقة دقيقة بين الاعتراف العاطفي والهذيان الفلسفي؛ فهو لا يقدّم خطاب حب بالمعنى التقليدي، بل يبني تجربة لغوية تُحوّل الحب إلى حالة ذهنية مختلِفة ومُختلّة، أو إلى “تمرين على الجنون” كما يعلن العنوان منذ البداية.
العنوان ليس مجرد اسم لهذا النص فقط، إنه عبارة مفتاحية تأويلية للنص كله: فالمتكلم لا يحب المرأة بوصفها شخصا، بل بوصفها اختلالًا في نظام الإدراك نفسه.
أول ما يلفت في النص .. التوتر بين اللغة المجازية الكثيفة والنبرة الباردة شبه المتعالية، المتكلم لا يتوسل، لا يحنّ، لا يبكي، لا يعبر عما يخالج صدره من مشاعر اعتدنا عليه في الحب؛ بل يتكلم كمن يُجري تشريحا داخليًا لوعيه وهو ينهار.
هذه ميزة لا توجد بمعظم نصوص الحب بأن تقوم بتشريح ذاتك، لهذا تبدو الجمل وكأنها تنتمي إلى خطاب فلسفي مصاب بعطب عاطفي.
عبارة “أنا أُعيد اختراعكِ / كما لو أنني إلهٌ متعب”
تكشف منذ البداية عن مركزية “الأنا” في النص، المرأة هنا ليست ذاتا مستقلة، بل مادة لإعادة التكوين، احتمالا ذهنيا، مشروعا تخيليا.
من هنا يمنح هذا النص قوةً شعرية، لكنه يفضح أيضا نزعة استحواذية خفية: الحبيب لا يريد الوصول إلى المرأة، بل يريد إعادة خلقها داخل منطقه الخاص، ربما ليجد ما ينتظره من هذه التجربة بشكل يعيد وعيه إلى حيث بدأ وينهيه حيث يشاء.
النص ذكي جدا في استخدامه لفكرة “الاحتمال”، حين يقول:
“أنتِ الاحتمالُ الذي هرب من الواقع”
فهو ينقل المرأة من كونها كائنا ملموسا إلى كونها خللا أنطولوجيًا، شيئا غير مكتمل التعيّن. هنا تظهر نبرة قريبة من أدب ما بعد الحداثة أو حتى من الكتابة الوجودية المتأخرة، حيث يصبح الواقع أقل صلابة من التخيل، وتغدو الذات سجينة ما تتصوره لا ما تعيشه.
لغويا، النص يعتمد على جمل قصيرة متتابعة تُنتج إيقاعً متوترا يشبه التنفس المتقطع.
هناك اقتصاد محسوب في الروابط، وكأن كل جملة تُلقى بوصفها ومضة إدراك مفاجئة، هذا يجعل القارئ في دهشة ذهنية لاستيعاب الفكرة واللغة، ويمنح النص قوة شفوية عالية، يجعله قريبًا من النصوص التي تُكتب لتُلقى لا لتُقرأ فقط.
لكن من جهة نقدية صارمة، يمكن القول إن النص يقع أحيانا في فخ “البلاغة المفرطة”. بعض الصور قوية جدًا إلى حد أنها تبدو واعية بقوتها أكثر مما ينبغي، فرغم رصفها البسيط إلا أن عمقها شرس وعميق مثالا على ذلك:
“كجنينٍ بلا اسم، / يكبر كلما أنكرتِه”
صورة فعالة نفسيا، لكنها تنتمي إلى حقل مجازي مُستخدم بكثرة في الكتابة الحديثة التي تمزج الحب بالمرض النفسي.
أحيانا يشعر القارئ أن النص يلاحق الإدهاش أكثر من ملاحقته للحقيقة الشعورية العارية.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يميّز النص هو نجاحه في تحويل العاطفة إلى بنية تهديدية، الحبيب هنا ليس عاشقا آمنا، بل أشبه بفكرة تتنازع والحقيقة على تسلل الخوف، أو “قنبلة لا تريد الانفجار بل تريد أن تُفهم”. هذه الجملة تحديدا من أذكى جمل النص، لأنها تلخّص منطقه كله: الرغبة ليست في التدمير، بل في الاعتراف. الجنون هنا لا يريد الفوضى، بل يريد أن يُصغى إليه.
النهاية موفقة جدًا من الناحية النفسية:
“يكفي أن تحاولي الهروب / وتفشلي.”
إنها خاتمة لا تُغلق النص بل تُبقيه مفتوحا على شعور بالحصار الهادئ. لا يوجد انتصار عاطفي مباشر، بل اقتناع مرعب بأن الأثر قد حدث بالفعل.
يمكن القول في النهاية إن النص ينجح بوصفه كتابةً عن التملّك الوجودي أكثر من كونه كتابة حب. حيث يكتب عن محب يحاول يحاول أن يفهم نفسه عبر اختلاله أمام امرأة، ولذلك تبدو المرأة فيه أقل حضورا من أثرها.
قوته الحقيقية ليست في رومانسية عباراته، بل في هذا الإحساس المستمر بأن اللغة نفسها تتفكك تحت ضغط الشعور.

النص
تمرينٌ على الجنون… بصوتٍ لا يُسمَع”
إليها…
ليس هذا نصًا، بل ارتباكٌ تعلّم كيف ينطق باسمها ثم ضلّ طريقه.
لا أكتبكِ…
أنا أُعيد اختراعكِ
كما لو أنني إلهٌ متعب
نسيَ كيف خلق الأشياء أول مرة
فجرّبكِ من جديد… كخطأٍ مقصود.
أنتِ لستِ أنتِ،
أنتِ الاحتمالُ الذي هرب من الواقع
واختبأ في صدري
كقنبلةٍ لا تريد الانفجار
بل تريد أن تُفهم.
أنا لا أتسلل إليكِ،
أنا أُبدّل قوانينكِ من الداخل،
كفكرةٍ خبيثة
تزرع نفسها في رأسكِ
ثم تُقنعكِ أنها كانت هناك منذ البداية.
هل تعلمين؟
أنتِ لا تُشبهين شيئًا…
وهذا مرعب.
لأن كل ما لا يُشبه
لا يمكن النجاة منه.
أنا لا أشتاق—
الاشتياقُ مسافة،
وأنتِ كارثةٌ تلغي المسافات
وتضعني فجأةً
في منتصفكِ…
دون أن أتحرّك.
أكتبكِ كما يُكتب الجنون:
بلا مقدمات،
بلا شفقة،
بلا نيةٍ للشفاء.
كلما حاولتُ نسيانكِ
تتذكّرني أعضائي،
كأن جسدي يحتفظ بكِ
كسرٍ لا يثق بعقلي.
أنتِ ليست فكرة،
الفكرةُ يمكن قتلها—
أما أنتِ
فشيءٌ كلما حاولتُ دفنه
نبتَ بطريقةٍ أكثر وقاحة.
أنا لا أدور حولكِ،
أنا أسقط.
والسقوطُ ليس حركة،
بل اعترافٌ متأخر
بأن الأرض كانت دائمًا أنتِ.
قولي لليل:
إنني لم أعد أميّز بينكِ وبينه،
كلاكما
يبتلعني ببطء،
ويتركني أضيء من الداخل
كحريقٍ خجول.
وهل تشعرين الآن؟
ليس بي—
بل بذلك الارتباك الذي يتكوّن فيكِ
كجنينٍ بلا اسم،
يكبر كلما أنكرتِه.
أنا لم أقترب،
لكن شيئًا فيكِ
انكسرَ بانتباه.
وللمرة الأولى…
ليس عليكِ أن تتذكّريني،
يكفي أن تحاولي الهروب
وتفشلي.





