أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات
د. محمد عبدالله الخولي يكتب متاهات السرد وتأويل الواقعي بالمتخيل الأسطوري

متاهات السرد وتأويل الواقعي بالمتخيل الأسطوري:
مقاربة نقدية لرواية “عروس السراديب”
رؤية نقدية: د. محمد عبدالله الخولي
لا تعبر الرواية – وفق منظور ما بعد الحداثة – عن الواقع ولا عن شخوصه وأحداثه، كما لا تقول شيئا عن العالم إلا بعد تجريده من سياقاته الحاكمة على مبدأ التأويل. فالعالم يستعصي علينا، يمارس لعبه، يتأبّى على التأويل بسياقاته وتعقيداته وتغيراته. ولذا، تتخلَّى الرواية الحديثة – أو ما بعد حداثية – عن ركيزتين أساسيتين كانتا تنبني عليهما الرواية الكلاسيكية: الحكاية بوصفها واقعا مباشرا يحمل سلسلة تراتبية من الأحداث. ولم تعد الشخصية (البطل) محورا/ مركزا أساسيا للرواية.
وهذا ما وجدناه عند ناتالي ساروت، حيث “تركز في الرواية – ومن وجهة نظر خاصة – على رفض البطل التقليدي والتركيز على الحركات النفسية الدقيقة غير المرئية، التي تتخافى في الداخل الإنساني قبل أن تتمظهر في العالم السردي. بهذا تدعو ساروت إلى رواية جديدة تعتمد على الموضوعي لا الذاتي.
تراهن ساروت – في نظريتها – على القارئ والتفاعل معه عن طريق الجمل السردية – المحتشدة بالشعوريات الإنسانية- بغية الكشف عن تعقيدات النفس البشرية. وهذا ما اعتمدته عبير العطار في “عروس السراديب، فلم تكن بغيتها الحكاية ولا شخوصها، ولكنها ركزت على الجانب النفسي للشخصيات، وركزت في بنائها السردي على تمظهرات هذه الشعوريات والانهمام بها، بوصفها غاية قصوى تسعى “عروس السراديب” إلى تحقيقها.
لم تقدم العطار شخصية محورية في بنيانها السردي، بداية من الأسطوري إلى الواقعي، فليست “إيزادورا” – مع هيمنتها على البنية السطحية لعروس السراديب – شخصية محورية. ولم تكن شخصية من شخوص الواقع محورية كذلك؛ فالعطار لم يكن انهمامها منصبا على الشخصية – بوصفها ركيزة أو محورا – بل تتبع شعورياتها واستنطاق دواخلها الباطنية. فالشخصية المحور – في الرواية الجديدة – فقدت هيمنتها على العالم الروائي،”حيث ترى ساروت أن البطل التقليدي وهيمنته على العالم السردي لم يعد ممثلًا للواقع الإنساني الجديد، فتدعو ساروت إلى شخصيات غامضة وذات دوافع داخلية.”، وهذا ما اعتمدته العطار لتخرج بــ “عروس السراديب” من الكلاسيكي إلى فضاءات التجريب في الرواية الجديدة.
كما تسعى ساروت إلى تقديم رواية مجردة من تدخلات مباشرة من السارد، مع الانهمام بالتفاصيل الدقيقة والمكثّفة لخلق بنيان سردي يهشم السرد التقليدي الواضح. فلم يعد التدخل المباشر للسارد مرغوبا فيه بل مرغوبا عنه، ولذا تخافى التدخل المباشر من السارد في “عروس السراديب”؛ فمن وجهة نظر فنية: أن تدخل السارد بالتعليق على الأحداث أو الشخصيات يحد من تدفق السرد وسيولته.. ولهذا انمازت “عروس السراديب” بسيولة سردية؛ فتدامجت أزمنتها، وتداخل الأسطوري مع الواقعي دون إرباك، فتمظهرت تراتبية المضامين في سلسلة منصهر عقيقها في محاريب القصديات الشعورية المغيبة في ذات السارد.
إذن، لم تنبنِ “عروس السراديب” على حكاية ممنطقة أو شخوص بأعينهم؛ فــ “رواياتنا لا تستهدف خلق شخصيات، ولا سرد حكايات؛ إنها مجرد ضربة قاصمة للرواية الكلاسيكية، إذ ماذا تبقى من عناصرها الفنية والجمالية..! إذا حذفنا ركيزتيها الأساسيتين وهما عنصرا (الحكاية-الشخصيات)، فالرواية لم تركز همها على واقع واحد أو شخصيات مؤطرة محورية. فــ “عروس السراديب” ومثيلاتها لا تعتمد على الصراع بين الشخصيات، ولكنها وفق ما يرى لوكاتش في كتابه المؤسس: (نظرية الرواية)، “أنّ الرواية تقوم على ثنائية الذات والموضوع، حيث يرى لوكاتش أن كينونة الرواية تكمن في الصراع الجدلي بين الذات ووعيها من جهة، والعالم من جهة أخرى؛ فالبطل الروائي يسعى لتحقيق ذاته في عالم يرتكز على مبدأ اللايقين، وهو ما يسبب مأساته وشعوره بالاغتراب.
يتضح من كلام “لوكاتش” أنّ الرواية الكلاسيكية لم تعد مطمحًا للروائي الجاد، ولعل السبب في ذلك هو طبيعة العصر أو تغيرات العالم من حولنا أو شعور الذات الإنسانية بما أطلق عليه لوكاتش “مبدأ اللايقين” بوصف الأخير تيمة لحاضرنا الذي نعيشه، فكل ما حولنا يشعرنا بنقيض اليقين؛ ولذا اعتمدت الرواية الجديدة معالما/أسسا لها، ومنها: محاولة طرد الإنسان من عالمه الواقعي، وذلك بتجريده من ماضيه وحاضره، ومن قيمه الأخلاقية المكتسبة من صراع الحضارات المختلفة. سعيها إلى إبداع الشكلية الصارخة، وذلك من خلال ابتعادها عن الواقع وغلوها فيما أطلق عليه “الموضوعية المطلقة”
كون الرواية الجديدة كتابة متميزة بمعنى أنها (لخاصة الخاصة) على حد تعبير المتصوفة، فهي لا تكتب إلا للمثقفين ولا يفهمها إلا القارئ النخبوي لصعوبتها وغموضها.. وهذا متحقق في “عروس السراديب” من خلال استدعائها لنمط أسطوري متخيل يتداخل بشكل فني مع الواقعي، وهي بذلك تطبق على القارئ مبدأ “اللايقين”، فالبنية السردية في الرواية يتنازعها الواقعي والمتخيل، ولذا توهمك السردية بتفككها، وما الأخير سوى تفكك العالم من حولنا وتشظي مبدأ “اللايقين” في سرديات الواقع.
فالعطار تقصي شخصيات “عروس السراديب” من العالم الواقعي – تمامًا- فلا وجود لشخصية إلا وتناوشها البناء الأسطوري المتخيل، ليس هذا فحسب، ولكن مارست العطار عنفها السردي عندما عبثت بالوثيقة التاريخية ذاتها، وأعادت “إيزادورا” للحياة واندماجها مع شخوص العالم الواقعي، وهذه الممارسة التي ارتكزت عليها العطار جعلت جميع شخوص روايتها ممسوسين بالمتخيل الأسطوري، فلم تعد تفرق بين المتخيل والواقعي بوصفك قارئًا، وبهذا تدخلك الروائية في غابة إمبرتو إيكو، وتتحول الرواية إلى لعبة تشبه المتاهة.
العبث بنظام الأسطورة وتأويل الواقعي بالمتخيل:
لم تقم العطار بتسريد تاريخ “إيزادورا” كما نصت عليه الوثيقة التاريخية، وإن لم تفعل الروائية هذا لخفت وميض المادة التاريخية في عالم السرد. قلنا – آنفًا – بأنّ دخول التاريخ له غايته الفنية- الجمالية، حيث يتلاشى الواقعي في المتخيل، لتتخلص الرواية من جفاف الواقع وتتعالى على أنماطه الماديّة، فثمة سُّراد يلتزمون بالوثيقة التاريخية دون خرقها، “وفي هذا الصدد يقول صنع الله إبراهيم في مقابلة معه:-(إنّ المؤرخ الجيد هو الروائي وأنا أتصور أنّ الكاتب الروائي، يستطيع أن يجعل روايته تاريخا. وبالفعل قد جسد هذه الفكرة في روايتيه: نجمة أغسطس، وبيروت بيروت، حيث نجده لا يستعمل الأسطورة والرمز والموروث إلا في أحيان قليلة، ولكنه يعتمد على الوثيقة التاريخية، التي تساهم في بناء الواقع الموضوعي بأدق تفاصيله وجزئياته. وهو ما جعل النصين يعوزهما شيء أساسي ومركزي: هو التشبع بالخلفية الرامزة التي تعطي بعدًا في الحاضر يجد أُسَّه في الماضي التليد على أقل تقدير يتكأ عليه ليتمكن من إعادة أسطرته. ولعل إنجازه الأبرز في (نجمة أغسطس- 1974) على المستوى الفني والتقني/الجمالي يتمثل في ارتكاز الراوي على أوجه الشبه بين الفرعون رمسيس الثاني ومعابده من جهة، وعبد الناصر وسده العالي من جهة مقابلة. ولا يخفى على القارئ تجليات الدلالة التاريخية من أوجه المقارنة بين رمسيس وعبد الناصر، ولعلني أرى فيها عظمة التاريخ المصري (الفرعوني) القديم، حيث يمتد نسق العظمة مجسدا في عبد الناصر وسده العالي، حيث انولدت الدلالات من المقارنة بين التاريخين: القديم- الحديث.
ثمة تقنية أخرى يعتمدها الروائيون حال ارتكازهم على مادة التاريخ: وهي تفتيت الوثيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي مرة أخرى واستنطاقه بما يتلاءم مع الموضوعة السردية. وهذا ما فعلته عبير العطار مع “إيزادورا”، فقد فككت الوثيقة التاريخية وأعادت بناءها تلبية لما تطمح إليه موضوعتها السردية، وهي بذلك تمارس فعلين: الأول، تهشيم الوثيقة لتتناغم مع بنيانها السردي. والثاني، استنطاق الأسطورة محمِّلة إياها دلالات شعورية غيرت نظرة القارئ إلى الأب من كونه ظالما إلى كونه مظلوما محبا لابنته الوحيدة.
يقدم لوغوف رؤية مستقلة للوثيقة التاريخية، فهي بالنسبة له ليست حقيقة مطلقة، بل أثر تركه الماضي يتوجب علينا مساءلته، ولا نكتفي بما تقوله الوثيقة/التاريخ، بل يجب مساءلة الوثيقة: لماذا كتبت؟ ولمن كتبت؟ وما الذي تعمدت إخفاءه؟، فالعبث بالتاريخ ليس من أجل تقويض مركزيته، بل إعادة بنائه وفق ما تقتضيه مضامين العالم السردي.
ليس هذا فحسب، فربما يتعمد الروائي مساءلة التاريخ بغية إعادة تشكيله دون النظر إلى موضوعة البناء السردي، “وعليه فإننا ننبه إلى ملاحظة تبدو هامة من الوهلة الأولى، وتتمثل في كون العنصر الميثولوجي قد يجد متنفسه الخاص، وأجواءه المناسبة، خلال توظيفه الجيد، بحيث تنبعث فيه الروح التي افتقدها منذ رقدته الأولى.”، فلولا “عروس السراديب” – التي ساءلت إيزادورا وأباها في آن – لظلت الوثيقة التاريخية دليلا على مظلومية إيزادورا وتعسف أبيها، بيد أن “عروس السراديب” هشمت منطق الوثيقة التاريخية وأعادت تشكيلها في أفق إنساني أرقى، فجعلت إيزادورا تطلب العفو من أبيها بعدما تجلت لها الحقيقة.

الأزمنة السائلة وجدلية الذات والعالم:
إن اللحظة التاريخية التي نعيشها – الآن – تتغير فيها نسقية الزمن، فلم يعد الزمن مستقرا هادئا، بل مشوشا، لا يتخذ مسارا أفقيا متقدما، ولكنه أصبح عرضة لقوى متنوعة تتقاطع معه فتهشم خطيته/أفقيته، والمتلاحظ – لدينا جميعا – أن السرعة أصبحت تيمة ملازمة للزمن، ولذا،”يقدم زيجمونت باومان في كتابه: (الأزمنة السائلة) تصورًا معمَّقا للتاريخ أو للحظة التاريخية التي نعيشها، والتي تجعلنا في زمن سائل يتسم بسرعة التحول، وغياب اليقين، وتفتت الروابط التقليدية. فاللحظة الراهنة لا تقاس بالثبات أو انضباط القيم، بل بتغير مستمر يمس كلّ شيء في العالم من حولنا بداية من الأسرة حتى الهوية.
في هذا الزمن يغدو الفرد مطالبًا بإعادة تشكيل ذاته باستمرار في عالم لا يوفر له هوية مستقرة… هذا التغير السريع الذي وسم به الزمن كان عاملا أساسيا في تداخل الأزمنة في الرواية الحديثة، فسيولة الزمن وتشظيات اللايقين في سرديات الواقع فككا العالم من حولنا، وأصبحت الذات الإنسانية في صراع دائم مع العالم بحثا عن هويتها.
يركز (باومان) بحثه على الإنسان المعاصر بأنه يعيش مشتتا بين الرغبة في الأمان والبحث عن الحرية. وهكذا يرى الفرد نفسه في مواجهة عالم يتغير بسرعة تفوق قدرته على التكيف، وفي عالم كهذا يعاني الإنسان قلقا وجوديا، وبوصف الأخير تيمة من تيمات هذا العصر، يشعر الإنسان بالضعف والهشاشة والتشرذم… وقد لاحظنا هذه السيولة الزمنية بشكل تقني-فني في “عروس السراديب: فكل الذوات التي انبنت عليها السردية تعاني قلقا وجوديا، تسائل العالم من حولها باحثة عن هويتها المفقودة، وقد ركزنا – فيما سبق – على تيمة تنبني عليها الرواية الجديدة، وهي عدم تمحورها حول شخصية بعينها، إذن، كل الشخصيات في رواية “عروس السراديب” تتخذ شكلا أيقونيا موحدا، يعبر عن الذات الإنسانية أو الــ (أنا) الإنسانية العليا.
بشكل تقني استدعت العطار أزمنة مختلفة تحركت بشكل متقاطع مكونة بنية زمنية متسقة، تشكل منها زمن خاص بــ “عروس السراديب”، ولست – أعني بالضرورة – الزمن السردي للحكاية، ولكن ما أعنيه: هو التدامج بين الأزمنة المختلفة، حيث تحرّك الزمن الماضوي (الأسطوري) متماهيا مع الزمن الحاضر، وكأنّ العطار فككت زمن الأسطورة من أبديته – حيث يتخذ الزمن هيئة دائرية- بغية أن يتسق مع الزمن الحاضر (الطبيعي) متخذا مسارا خطيا متقدما، وقد تم هذا التدامج بطريقة احترافية – فنية؛ حيث حررت الروائية “إيزادورا” من زمنية الأسطورة وقبضة التاريخ واستدخلتها – بعد تحررها الجسدي- بوصفها شخصية فاعلة حاضرة في اللحظة الآنية، ليس هذا فحسب، ولكن الساردة سحبت الزمن الحاضر – باحترافية إلى اللحظة الماضوية (الأسطورية)، فــ “كاميليا” العائشة في زمنها الخاص أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نسيج الأسطورة، فأصبح للزمن الحاضر حركة ارتدادية إلى اللحظة الماضوية. ومن هنا نستطيع القول أن الزمن خرج – وفق آليات المتخيل السردي – عن سياقه إلى سياقات مغايرة، فأصبح للزمن (السائل) إيقاع يحمل مضامين العالم والذات معًا.
تمثلات الجسد في عروس السراديب:
تعتني الرواية بقراءة “الجسد” من منظورات مختلفة، فالجسد هو الحقيقة المرئية في العالم، فلم يقتصر الوعي الإنساني على الذات فحسب، ولكنه اعتنى بتمظهرات الجسد كما اعتنى بتجليات الروح. لم تهمل الأديان السماوية – قاطبة – قراءة الجسد وتجلياته كلّ دين وفق معتقداته، فلم يزل الجسد واقعا – وفق معتقدات دينية مختلفة – في ثنائيات/جدليات؛ فالجسد إما رمزا للطهارة، وإما مدعاة للنجاسة. ولم تختلف نظرة الدين إلى الجسد عن منظورات فكرية مغايرة، فتلك الحركيات التي يتمثلها العالم الجسداني من ركوع وسجود ووقوف وقيام تحمل رمزيات عقائدية، لا تتجلى إلا في حركية الجسد في العالم.
فطهارة الجسد تتعلق بطهارة الروح، ونجاسة الجسد متعلقة بما ينتاب النفس/ الروح، ولذا لم يفصل الدين بين العالمين: الجسدي – الروحي، فالوضوء (الجسدي) شرط لتمام صحة الصلاة، والصوم عن الطعام والشراب عند مناولة القداس- في التقاليد الكنسية- دليل على ارتباط الروح بالجسد؛ فالأديان تريد تخليص الجسد ورفعه إلى المراتب العلوية، والخروج به من عوالم الشهوة والوضعيات الدنيوية عن طريق العبادات والطقوس الدينية.
ارتكزت “عروس السراديب” على أيقونة “الجسد” وتوزعت رموزيته بين الطهارة والنجاسة، وقد تتبعت مسيرة تمثلات الجسد في “عروس السراديب” فوجدتها متشظية في معمارها السردي. وكان لزاما ألا تغفل سردية “عروس السراديب” أيقونة الجسد التي أولتها الحضارة الفرعونية القديمة عناية خاصة، بداية من تحنيط المومياوات والعناية بالجسد بوصفه دليلا على وجود الإنسان والعالم، ولذا لم تهمل سردية “عروس السراديب” فكرة الجسد وتمثلاته في العالم.
بعد انتحار “إيزادورا” تحول جسدها إلى أيقونة تحمل فكرة التحرر والخلاص من القيود والقوانين، بل تفجرّت أيقونة الجسد لتجعل من “إيزادورا رمزا للحب الكوني، حيث تحول حبها لــ “حابي” من الذاتي الفردي إلى الكوني الأيقوني، ولذا أصرّ “حابي” على احتضان الجسد ودفنه بطريقة المصريين القدماء، فتقول العطار: “لقد منعت عني نفسًا كنت أتنفسه بكل صدق وحب، فمهما بلغت قسوتك فهي لي أولًا وأخيرًا، وهي حبيبتي وإن رحلت إلى عوالم أخرى، إن كانت الأقدار قد منعتنا من اكتمال حلقة الحب فسأظل وفيا لها ما حييت. أنا جندي باسل والفرسان لا يتركون ساحة معاركهم إلا منتصرين.. لذا، اترك لي جسدها بعدما حرمتني من روحها.”
أصرَّ حابي أن تدفن “إيزادورا” كما يدفن المصريون القدماء موتاهم، وهذا يدل على أهمية الجسد في الحضارة الفرعونية وعند المصريين، فالحضارة المصرية – من منظور محي الدين بن عربي – كانت مصدرا لنظرية رمزية خطيرة في التفكير اليوناني وما تلاه، وهي نظرية “المِثل”، ومن النصوص الثمينة التي تدل على اتجاه المصريين الرمزي وأثره قول “أثولوجيا” أو على الأصح الترجمة العربية لــ “تاسوعات أفلوطين”: ونقول: “إن حكماء مصر قد رأوا بلطف أوهامهم هذا العالم العقلي، والصور التي فيه، وعرفوها معرفة صحيحة؛ إما بعلم مكتسب، وإما بغريزة علم طبيعي، والدليل على ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يصفوا شيئا بينوه بحكمة صحيحة عالية، وذلك أنهم لم يكونوا يرسمونه رسما بكتاب موضوع بالعادة التي رأيناها بكُتُب، ولا كانوا يستعملون القضايا والأقاويل والأصوات والمنطق، فيعبرون به عما في نفوسهم إلى ما أرادوا من الآراء والمعاني، لكنهم كانوا ينقشون في حجارة أو في بعض الأجسام فيصيرونها أيقونات… وهذا ما يؤكده أبو الفيض المنوفي من أنّ ديانة المصريين مرت بطور رمزي… ونجد لهذا الاتجاه نظيرًا في الاتجاه الإشراقي عند السهروردي وعند ابن عربي عندما يتحدثان عن نور الأنوار والتجلي الشمسي المثالي وعالم الخيال.
كما نلاحظ أن نصوص ابن عربي لم تكن بعيدة عن ذكر التراث المصري القديم حين يحدثنا عن براعة المصريين، فيما يسميه بــ”التوسم” الذي يتصل عنده بعالم من عوالم الخيال الرمزي، وهو “حضرة السمات”، وحين يحدثنا عن بناء المصريين للأهرامات والشمس في برج الأسد…ويتوجب علينا أن نسجل ملاحظة هامّة، وهي أن التصوف لم يكن بعيدًا عن هذه المعاني التي اهتم بها المصريون القدماء. ولذا، أصبح حب حابي لإيزادورا حبًّا صوفيا مؤطرا بعقيدة المصري القديم.
أصرّ حابي أن يجعل من جسد إيزادورا رمزا للحب الكوني الطاهر، فتقول العطار: “لقد تصالحا أخيرًا واتفقا على بناء بيت جنائزي يليق بها، ووضع شاهدًا من أبيات شعره داخل البيت: “هناك على امتداد الصحراء على جبل تونة تقبع إيزادورا ذاك الجسد المهشم، بينما القلب المحطم لحابي، ويقسم أنه ليضيئن بيتها الجنائزي مادام حيًّا! ليشعل شمعة مع كلِّ مغيب، تذكره بطقس الحب الذى ولَّى مبكرًا، وتركه أثرًا لتلك الصحراء تأكله الرياح يوميا.
هذا التصالح بين حابي ووالد إيزادورا يدل على هيمنة الهوية المصرية العريقة، فــ “حابي” لم يكن سوى فلاح من أسرة بسيطة ولكنه يحمل هوية مصرية محتشدة بالمعاني الإنسانية السامية، وبهذا انتصر على الحاكم الإغريقي ولم يهابه، فتصالحا على بناء بيت جنائزي يحمل جسدا أيقونيا/مثالا للحب والطهارة.
جعلت “عروس السراديب” – وفق متخيلها السردي – الطفل “محب” امتدادًا لحابي، هذا الطفل لم يكن تجسيدًا لــ “حابي” فحسب، ولكنه تجسيد للهوية المصرية، حيث حولت “عروس السراديب” الهوية المصرية إلى جسد أيقوني وهو جسد الطفل “محب”، هذا الأخير الذي يحمل جينات جده “حابي” ويحمل سمات الهوية المصرية. ولكنه – أعني “محب” – أصبح مطمعا، وآلة اختبار لمعرفة أسرار الفراعنة، بل قربانا به تعود إيزادورا إلى الحياة، وأصبح ميزانًا تختبر عليه الآلهة ضمير وإنسانية إيزادورا، وفي هذا تقول: “حاصرتها الأسئلة وفخّخ الشك عقلها ليوقعها في أسر الضمير وسجنه، طالت سهرتها حتى الصباح لعلها تستطيع أن تجد المخرج.. لم تجد بُدا من رصد وتفحص المعلومات التي عرفتها من الدكتور برايان الذي خلق طفلا من دم المصري القديم الذي يعرفه جيدا، ولربما هو الدم البريء من نسل الحبيب.
لم يكن “محب” بالنسبة لأبيه – في العالم الواقعي- سوى جسد يمثل وسيلة لا غاية، فـالجد “عرفان” كان يبتغي ولدا يرثه، فقد حرم من الذكور، ولم تهب له السماء سوى ابنته “هبة” التي تزوجت من حسن، هذا الأخير الذي أنبأتنا عنه السردية بالآتي: “كانت خدعته لها قوية جدا وغير متوقعة، لاتفاقه مع الطبيب على تلقيحها بالطرق الحديثة التي سمع عنها من العالم الموجود في المنيا الدكتور برايان، الذي شرح له كيفية الحصول على طفل من تزاوج خليتين جذعيتين. فهو لم يستطع قط مصارحتها بأنه عقيم، وأن نسبة الحيوانات المنوية لديه صفر، وأحد أسباب عقمه شراهة التدخين.”
كان “حسن” يريد الولد بغية ألا تخرج ثروة حماه من قبضة يده، فلم يكن ” محب” لأبيه سوى جسد يمثل وسيلة لتحقيق مآرب دنيئة دنيوية، فلم يكن سعيه وراء إنجاب طفل تلبية لغريزة الأبوة، بل كان طمعا في الدنيا. من خلال ما سبق نجد الطفل “محب” يتوزع جسده بين ما هو مطهر تارة، ومدنس تارة أخرى- بوصفه منظورًا إليه لا ناظرًا-، نجده حلما لأمه، ووسيلة لأبيه، وقربانا تقدمه إيزادورا لتعود إلى الحياة، ومطمعا لــ “برايان” للعبث بالهوية وتفكيكها، تقول العطار: “فرغم قراءة إيزا لأفكاره وقتها حين تقابلا من قبل، لم تخبر أحدًا بما علمته أن (محب) يحمل جينات وصفات جده القديم حابي التي تبحث عنها، لكن برايان لم يكن يعرف أنها لحابي.

متاهات السرد: ما وراء الحكاية في “عروس السراديب”:
يقول توماشفسكي: “المتن الحكائي هو ما وقع بالفعل، أما المبنى الحكائي فهو الطريقة التي يدرك بها القارئ هذا الذي وقع.”، ولذا تعتمد البناءات السردية لعبة المتاهة مع القارئ وتخاتله عن طريق تخييل الواقعي وواقعية المتخيل. ولذا، “علينا أن نعرف كيف يسقط النص عوالم ممكنة لا تعيش إلا في المخيلة/الذاكرة، وأخرى واقعية ولكنها لا يمكن أن تمتد في الوجدان إلا من خلال مضافات الاستيهام والرؤيا الشعرية (الاستعارية). يتعلق الأمر بتحديد الروابط بين عالم نعرفه ونحس داخله بالضيق والقسوة، وبين عوالم تخييلية متحركة ومتغيرة تمنحنا اللذة والراحة النفسية…فكما أن التجول في الغابة له طعم اللذة المبهمة والمغامرة والخروج عن العادي والمألوف، فالتجول في العوالم السردية له نكهته الخاصة أيضا. إنه التخلص من إكراهات الواقعي وقوانينه الصارمة التي لا نستطيع التخلص منها ونحن نهفو إلى تشكيل الحياة وفق أهواء لا ترى من خلال السلوك المألوف. فهذه العوالم لها طابع خاص، فهي لا تقول الحقيقة، ولكنها لا تكذب، إنها تصف حدود الحياة التي نحياها، ولكنها تنزاح عن المعيش الواقعي… وهناك ما هو أعمق من ذلك، فإذا كان التجول في الغابة لعبة نتعلم من خلاله كيف نتبين طريقنا وسط فضاء بلا خريطة، فإن الأمر كذلك في العوالم السردية، فقراءة نص سردي ما (معناه ممارسة لعبة نتعلم من خلالها كيف نعطى معنى للأحداث الهائلة التي وقعت أو تقع أو ستقع في العالم الواقعي. إننا، ونحن نقرأ روايات، نهرب من القلق الذي ينتابنا عندما نحاول قول شيء حقيقي عن العالم الواقعي، وتلك هي الوظيفة الاستشفائية للسرديات الواعية.
مارست العطار لعبها السردية بما يشبه المتاهة أو غابة إمبرتو إيكو، فلم تكن سردية “عروس السراديب” سهلة التناول، فكل تفصيلة من تفاصيلها تحمل دلالات مشحونة بمضامين السارد وقصدياته وموضوعه، فكأنها تمارس علينا متاهة سراديب إيزادورا.
ومن هذه اللعب/المتاهات: تمظهرات الآلهة في الحلم واليقظة ومساعدتهم لإيزادورا. ربما يتعاطى القارئ هذه التمظهرات بوصفها متخيلا سرديا يتسق مع طبيعة العالم الذي تنوجد فيه الرواية، ولكنها – أعني تمظهرات الآلهة – لم تكن سوى تجسيد للأخلاق والقيم الإنسانية، فكل إله يحمل خلقا إنسانيا مقدسا، فلم يكن ظهور الآلهة متخيلا سرديا فحسب، بل كان منظومة رمزية مجسدة للأخلاق التي يرتقي بها الإنسان.
يمثل “الحلم” متاهة كبرى محتشدة بالرموز والدلالات في “عروس السراديب”، حيث ترسم الأحلام خريطة أخرى مغايرة لاتجاه الحكاية في عالمها الروائي، فكلما فكك الحلم لغزا أضاف إلى السردية ألغازا، وجعل كثيرا من الشخصيات تقفز من الهامش (الحلمي) إلى المتن (الواقعي). كانت “إيزادورا” مشتتة تبحث عن حبيبها وأمها وعالمها وهويتها وبيتها، وتطلب عفو أبيها. انوجدت في عالم مغاير لعالمها، وتلبستها هوية غير هويتها، فاستدعت العطار “طه حسين”؛ ليكون دليلا لها في رحلتها، فتقول: “أنا إيزادورا، سمعت أنك أحببت زيارتي وبنيت هذه الدار لتبقى جواري. أشعلت شموعا كمن هام في حبي، فهل أسألك عن شيء غامض يؤرقني؟ ما معنى: إنّ الحق هو هدم الهدم؟ هل الشك بداية اليقين؟ وهل توصلت إلى حقيقة الحق؟… يا ابنتي، رحلتي في الحياة كانت شائكة، وما توصلت إليه أنّ لولا شكُّنا فيما يملى علينا، لما وجدنا الطريق.
تمارس “عروس السراديب” تقنية/متاهة الحلم باحترافية فائقة، فأحيانا يتبدّى الحلم دليلا، وأحيانا يحتشد بالرموز والألغاز، فمن الأول قولها: “وجدته ممتلئًا بقرابين موت ذهبية: علب ذهبية وجرار وعملات مكسورة. انتهى بها الطريق إلى شارع مسدود ببوابة عريقة ذكّرتها ببوابة قصرهم مكتوب عليها: إنّ أبغض الكائنات المتكبرون، وإذا اشتهيتم الغفران فعليكم بالصلح.”، ومن الثاني: “في المنام حلمت بلقائها بوالدتها التي لم تميز ملامحها، لكنهم أخبروها بأنها هي. رأتها تعصر العنب وتعتقه خمرًا لأنّ أباها يحب النبيذ. ثم تأتي بالفواكه الصيفية بصورة دائمة، فيندهش أبوها من قدرتها على تحقيق أمنياته الصعبة، يضحكان معًا ويفرح كطفل صغير برعايتها له وتحملها لكل تناقضات شخصيته، بسبب طموحاته وأحلامه التي تفوق قدراته. أخبرته أمها أن هناك مزارع للعنب تثمر صيفًا عنبًا أحمر وشتاءً عنبًا أبيضَ.”، تحتشد الفقرة السابقة برموز وألغاز تنفتح على مسارب متعددة من التأويل: فاكهة الصيف التي تأتي في الشتاء/العنب الأحمر/ العنب الأبيض، فكل ما سبق يحمل تأويلات لا نهاية لها تنفتح على الواقع كما تنفتح على الأسطوري المتخيل.
تنزع سردية “عروس السراديب” إلى شحن الأجزاء الصغيرة بدلالات شعورية- تواصلية، ربما لا يلتفت إليها القارئ، ولكنها تمثل مفاتيح لسراديب “عروس السراديب. تعتمد الكاتبة كثيرا من المفاتيح التي يمكننا الاستعانة بها لنفهم النص من داخله، تلك المفاتيح التي تعين القارئ على الوصول إلى دهاليز النص ومركزيته؛ “فالنص يبنى كعالم مغلق مكتف بذاته من حيث التحديد الدلالي المسبق الذي يسقطه المؤلف.”، ولذا تلزم كل سردية غامضة مفاتيح يتوصل من خلالها القارئ إلى أسرار النص. تختلف هذه المفاتيح من سارد لآخر، فمنهم من يتعمد التصريح بمفاتيحه كي لا يضل القارئ في المتاهة السردية، وبعضهم يومض إليها من بعيد، فتتحول إلى شفيرات متناهية الصغر فلا تتجلى إلا في التفاصيل البسيطة. فعدم رؤية “خميس” لــ “إيزادورا” ليس سحرا كهنوتيا تمارسه الآلهة، ولكنه العمى الذي أصابه فضل الطريق وخان هويته. ومن التفاصيل الصغيرة التي تحمل مفتاحا غاية في الأهمية عقد الياقوت الأحمر الذي تشاركتا في ارتدائه: كاميليا- وإيزادورا، حيث تدل طاقة الياقوت الأحمر على التواصل الباطني بين الشخصيتين، وهذا متلاحظ في قولها:”وهناك امرأة ناضجة بشعرها الذهبي المنسدل على كتفيها، تشير إليها للتقدم، كانت تلبس عقدًا من الياقوت الأحمر تظن أنها تعرفه جيدًا حتى اقتربت، شاورت لها: – اجلسي أحتاج إلى نصيحتك.
أما اللعبة السردية الأيقونية الكبرى التي تمارسها “عروس السراديب” على القارئ، هي مخاتلة العالمين: المتخيل- الواقعي، حيث يحل كل منهما مكان الآخر، بل ويتأول كل عالم من خلال نقيضه وهذه تيمة إبداعية انبنت عليها “عروس السراديب”، فدخول الغرائبي/الأسطوري – بتمثلاته المختلفة- على السردية جعلها “تنفتح أمام القارئ، ليقطف من آلام الماضي، ما شاء قطفه، اعتبارا من أنّ خصيصتها المركزية، في كونها دائمة السريان والإشعاع الصوري، خاصة فيما نعتقد أن الكاتب يجيد استعماله، والمتمثل في حسن التوظيف المناسب، وفي طرق الاستخدام المؤدلج المفيد لبنائية موضوعه، وهناك تكمن أهمية استرجاع التاريخ.
تمثلات أنا الأنوثة في “عروس السراديب”:
تعتني “عروس السراديب” لــ عبير العطار بــ (أنا) الأنوثة وما تحتمله من شعوريات، هذه الأنا التي تعبر عن وجودها من منطلق إنساني محض، فــ”ليست الأنثوية التي نقصدها مرادفة للنسوية أو الأنثوية بوصفها حركة متقدمة عليها؛ فالأنثوية التي نقصدها تتصل بالتعبير عن رؤية المرأة للحياة وما يجري فيها، وتصوير مشاعرها.. بوصفها مكملا للرجل، وبوصفه مكملا لها.”، فلسنا في “عروس السراديب” بصدد النسوية المناوئة للخطاب الذكوري أو الفحولة الذكورية “فالحقيقة أنّ الكتابة التي تخاطب الإنسان لا تأخذ قيمتها الحقيقية من حيث كونها إبداع رجل أو إبداع امرأة؛ فالكتابة نفسها هي التي تفرض حضورها القوي في المجتمع. إن وظيفة الناقد في اكتشاف الجانب الأنثوي في النص الروائي، وليس تصنيف الأدب؛ فالجانب الأنثوي، والجانب الذكوري نجدهما في تشكل النص الإبداعي بصفة عامة.”، فقد لاحظنا أن الخطاب النسوي اتخذ مسارا مغايرا لوجهة الإبداع ذاتها، فالرجل يمارس حقه في الكتابة والأنثى كذلك، ويتوجب على النقد أن يسائل الخطابين على منصة الإبداع دون تصنيف جندري لهما، فالفن بعيد كل البعد عن مثل هذه التصنيفات؛ فالكل يمارس حقه في الإبداع دون تمييز أو عنصرية. إنّ المرأة – من وجهة نظر خاصة – تمارس إبداعها وتبث للآخر شعورياتها الوجدانية وما ينتاب أناها الأنثوي من ممارسات مجتمعية عنيفة تتشاركها هي ونصفها الآخر، فالكل واقع تحت وطأة المعاناة.
على هذه التيمة انبنت “عروس السراديب”، بل تشظّت أنا الأنوثة في عالمها السردي، بداية من “إيزادورا” التي مورست عليها إكراهات سلطة الأبوة فأسلمت نفسها للخلاص والتحرر من هذه القيود، وكان في انتحارها – من وجهة نظرها – الخلاص من هذه القيود. ولكن بعد عودتها إلى الحياة – وفق المتخيل السردي لعروس السراديب – بدأت البحث عن هويتها الإنسانية لا الأنثوية، وهذا هو الخلاص/التحرر الذي تنشده أنا الإنسان، فكان وجودها في العالم السردي فرصة ثانية لتحقق الذات من هويتها، وكأنّ العطار -بتلميح دون تصريح- تعاتب “إيزادورا” على انتحارها، ولذا منحتها فرصة أخرى -في عالمها السردي- للحياة.
تجلت “إيزادورا” في “عروس السراديب” بوصفها شخصية أسطورية، واستطاعت الساردة إدماجها في اللحظة الآنية للحكاية. تعددت صور/تمثيلات إيزادورا في الرواية، فــ “كاميليا” و “سهاد” و”إيزيس” و”هبة” ظلال/صور أيقونية متحققة في الحاضر لــ “إيزادورا”، فكل شخصية من هذه الشخصيات تعاني انكسارًا أنثويا من مجتمعها أو محيطها الأسري، وكل منهن تحاول الخلاص بطريقة ما، أو تواجه مجتمعا إنسانيا عنيفا وتنطوي وحدها على انكساراتها. فـ “سهاد” بعد أن أوهمها “شيتفان” بالحب، مع شغفها (المتوهم) بالعلم تركت بناتها وزوجها وفرّت هاربة خارج وطنها، بعد أن خانت هويتها وسمحت لــ “شيتفان” – بعد أن دفع لها الثمن – أن ينفرد ويتوغل في السراديب لمعرفة أسرار المومياوات، ولم يكن من مبرر لها سوى عنف زوجها “خميس” ومعاملته الفجة/القاسية لها. وبهذا ارتكبت “سهاد” الخطيئة نفسها التي ارتكبتها “إيزادورا”، حيث وقعت في براثن الشر عندما تركت بيتها/وطنها طمعا في تحررها من قيود الزوج، كما فعلت “إيزادورا” وتعجّلت خلاصها/حريتها قبل أن تتأكد من صدق أبيها ومحبته لها؛ فكان لزاما عليها أن تبحث عن هويتها وحقيقتها وحقيقة العالم من حولها قبل أن تقدم على الانتحار.
أما “كاميليا” بوصفها صورة من صور “إيزادورا” في الواقع تعاني انكسارين: الأول، انكسار الأمومة حيث انفلتت ابنتها “إيزيس” من قبضتها ومن قيود الأعراف المجتمعية وفرت هاربة إلى باريس بعد أن تآمرت مع أعداء أمها. أما الثاني: انكسار الأنثى التي تعاني حرمانا شعوريا وفقدا لهويتها الأنثوية وهي تكابد وحدتها ورغباتها المكبوتة، فتقول: “ربما عليّ أن أقتنع بسنن الحياة في تقادم خلاياي وانتقاص رغباتي التي تضمر مع بلوغ سن اليأس كما يدَّعون، ولو تسلل أحدهم إلى نبض امرأة مثلي ربما سيكون من باب الفضول أو العبث.. آه من هذا الباب الواسع الذي يقتحم العقل لأنه يرفض كلَّ غيب مجهول… الحقيقة أنّ القلب تطل على شغافه بيوت العنكبوت، ولا يعرف أنّ الطرق في الأماكن الموحشة ما إن تسقط منه على غفلة قطرة اهتمام واحدة على تربتها، إلا وكانت دعوة للحياة. كل هذا يفضي بالمرأة نحو موت روحي، لأنّ الراغب في إشباع فضوله سيكتفي بالمعرفة ولو من ظاهر النبض… وحين يتأكد أنها أرض عطشى للارتواء، كروح ثكلى تعاقبت الأزمان عليها بالأحزان دو ملمح فرح قريب.
تعاني “كاميليا” شرخا كبيرا في أناها الأنثوية، فاستسلمت لكلام العرَّافين وآمنت بــ “العكوسات” وفاعلية السحر عليها، مع أنها حاصلة على درجة الدكتوراة في تخصص علمي دقيق، وهذا يعني – أنها مع مرتبتها العلمية – لم تصل إلى مرحلة اليقين بعد، ولذا يتوجب عليها أن تواجه نفسها وتشك في العالم من حولها، وتسائل ذاتها، وتواجه حقيقتها وخطاياها لتستعيد بناء نفسها مرة أخرى تحت ظلال اليقين.
الصراع على الهوية في “عروس السراديب”:
تركّز “عروس السراديب” على الهوية المصرية بوصفها موضوعة تنبني عليها السردية. يدور الصراع حول هذه الهوية – التي لم يكتشفها العالم بعد – والعمل على تقويضها/هدمها. تآمر على هذه الهوية الخارج والداخل فكلاهمها يريد أن يحقق مآربه من هذه الهوية. فمن الخارج: شتيفان- برايان- إيزيس، ومن الداخل: خميس- سهاد – كريم، حسن. فالخارج يريد أن يكتشف كنه هذه الحضارة ومعرفة أسرارها عن طريق أبحاثهم العلمية الخطرة، ليس هذا فحسب، ولكن (الخارج) – المتمثل في بعض القوى الخارجية- يريد أن يقضي على الإنسانية في مستقبلها، وهذا ما تعرفت عليه “سهاد” بعد دخولها مختبراتهم العلمية. لك أن تقارن – الآن – بين حضارتين: المصرية التي تأسست على مباديء متعالية في إنسانيتها، حيث كانت مصر مصدرا للعلم والقمح للعالم كله، وستظل مصرنا غصة في حلوق أعدائها.
أما من الداخل: فــ “حسن” خان هويته -دون تعمد منه – عندما جعل من رحم زوجه محل اختبار للشيطان برايان، وإن لم يخن “حسن” هويته عن قصد، فقد خان زوجه عن عمد، وهو بهذه الخيانة هدد هوية الوطن. أما خميس فقد خان الهوية وحاول تقويضها وهو ينقب عن آثارنا التي تحمل سرنا؛ بغية بيعها للخارج. أما “إيزيس” برعونة المراهقة تآمرت – دون أن تدري – مع أعدائنا في الخارج نكاية في أمها. وعن “سهاد” التي أوهمها خيالها أنها تسعى في طريق العلم، ولكنها في الحقيقة كانت تسعى للخلاص من قيود زوجها، فخانت أمومتها، وأنوثتها، وبيتها، وزوجها، ووطنها، وأوقعت نفسها في شرك الشيطان، ولم ينقذها في الخارج سوى الوطن، عندما اتصلت بالسفارة المصرية هناك، فالوطن ليس مساحة على الخريطة، بل هوية مسافرة معك أينما كنت.
الأكوان الاستعارية المبتكرة في “عروس السراديب”:
تتوزع الأكوان الاستعارية (الرمزية) في “عروس السراديب” على ثلاثة مستويات: الأول، الشخصية، وقد أخبرت عنها – آنفًا – أنها ليست مقصودة لذاتها، والدليل على ذلك أنك إن استبدلت شخصية بأخرى لن تتهشم البنية السردية ولا عالم الرواية، فلو استبدلت “هبة” أو “سهاد” أو ” شتيفان” أو “برايان” بشخصيات أخرى لها ملابساتها الواقعية المغايرة، لن يهتز البناء السردي، شريطة أن تتبع السردية نفس المضامين/الشعوريات الداخلية التي تتواءم مع الموضوع السردي. وبناء عليه، نستطيع القول: أن الشخصيات في البناء السردي لعروس السراديب بمثابة أكوان استعارية يتمظهر عليها الداخل النفسي الذي يتواءم – ضرورة – مع موضوعة البنية السردية.
أما الثاني: فهو “رمزية الأشياء”، حيث تتحول الأشياء إلى منظومة رمزية تتدامج مع البناءات النفسية للشخصيات في الرواية، فالعقد الياقوتي الذي انتقل من كاميليا إلى إيزادورا يمثل رمزية روحية محمّلة بشحونات دلالية، فهو في الثقافات القديمة: حجر الملوك والمحاربين، وارتبط بـ الدم، القلب، الخلود، وفي الأدب يستخدم بوصفه استعارة للحرارة الداخلية والرغبة والصراع، كل هذه الدلالات تنطبق على الشخصيتين: كاميليا- إيزادورا.
كما تتفكك رمزية “العنب الأحمر” من خلال جوهر الياقوت، فالعنب الأحمر الذي تراءى لــ “إيزادورا” في حلمها وفي حديث أمها لأبيها، لا تتفكك رمزيته إلا بالياقوت الأحمر، حيث يصبح الأخير مؤولا للأول، فيتحول العنب الأحمر إلى رمزية منفتحة على تأويلات متعددة منها، صراع زوجها من أجل السلطة، أو العلاقة الجنسية بينها وبين زوجها، ويكون العنب الأبيض رمزا للراحة والهدوء بعد صراعه الطويل.
كما يحمل العدد سبعة رمزية دينية/ مقدسة، في (ص: 94) تقول: ” لك سبعة من أيامنا، اختبارات متعددة توصلك للحكم النهائي عليك، لو تجاوزتِ.. انتهيتِ؛ الآن أغمضي عينيك وعودي بذاكرتك للآخرة كي تستعدّي لمواجهة الدنيا من جديد. العدد سبعة في سياقه الديني يحمل دلالات متعددة كلها تميل إلى القداسة: سبع سموات/ سبع أرضين/مراتب النفس السبعة، كل هذه الدلالات ينغمس فيها العدد سبعة في ماء معمودية القداسة الدينية، وأعتقد – من وجهة نظر خاصة – أن العدد سبعة في “عروس السراديب” يحيل إلى مراحل الترقي الروحي للنفس البشرية.
أما المستوى الثالث في بنية الأكوان الاستعارية: هو الجملة السردية التي تصور ولا تصف، فتتحول عبر التجسيد الصوري إلى كون استعاري محمل بالدلالات، ففي قولها في (ص:98) تقول: “وفي كل خطوة تخطوها في دنياها الجديدة تتحول جثتها بالتدريج إلى جسد حيّ، لكن حين رآها الحارس لم يكن جسدها ارتدّ بالكامل، فارتعب منها صارخًا حين وجّه الكشاف إلى وجهها الذي أبان تشوهات رأسها كالجثة المتحللة. مسك بزمام جلابيته وفرّ نحو فريق الحراسة. ربما يتوهم القارئ بساطة الفقرة السابقة، ولكنها غير ذلك، فتخلصها من حياة البرزخ ليس أمرًا سهلا، فعملية التحرر من قبضة البرزخ لا تتم دفعة واحدة، وهذا يدل على مدى المعاناة التي تعانيها “إيزادورا” وهي تحرر نفسها من قبضة الموت وعالم البرزخ، وهذا دليل على استمرارية المعاناة في حيوات “إيزادورا” المختلفة.
لم تظهر “إيزا” لـ “خميس” وهو ينتهك حرمة الموتى، وقدسية الهوية المصرية، فهو خائن متورط في عالم الشهوة، وإيزادورا” في حالة ترق إلى الأعلى المقدس، ولذا، لم يرها ولم تكشف نفسها له، بينما ظهرت للحارس الفلاح البسيط فهو المنوط به حمايتها وحماية الهوية المصرية المتجسدة في الآثار.
وظائف السرد في “عروس السراديب”:
كلُّ فن من الفنون يؤدي وظائف متعددة، فالفن رسالة إنسانية وليس ترفا. يؤدي كل فن أدبي وظائفه المتوزعة على البنية والإنسان معًا، ويتوجب على النقد أن يلتفت لوظائف كل فن من الفنون، فـ للسرد وظائف متعددة منها: السردية الحكائية، وتعتني بسرد الأحداث، وتسريد الأماكن والشخصيات. الوظيفة التواصلية: وهي السردية التي تخلق لنفسها إطارًا معينا بغية خلق حالة من التواصل بين السارد والقارئ. الوظيفة التقييمية: تعليق السارد على الأحداث أو الشخصيات؛ للتعبير عن موقف أخلاقي أو أيدولوجي للكاتب. وظيفة الإيهام بالواقعية: وهي الوظيفة – التي عبر تقنيات سردية معينة – توهم القارئ أنه يعيش التجربة متجاوبا مع موضوعها وشخوصها. الوظيفة التفسيرية: هي حالة من الغوص يتعمق فيها الكاتب في الجانب النفسي للشخصيات مبررا انفعالاتها، شارحا لدوافعها، ملقيا الضوء على نقاط مغيبة في العالم الداخلي، تحمل تلك النقاط جوهر الشخصية التي يعالجها البناء السردي.
أعتقد – وعن يقين- أن “عروس السراديب” – بوصفها بناءً سرديا أدت وظائفها الفنية والإنسانية على حد السواء: حيث قامت بتسريد الحكاية مع اختلاف الأزمنة في بنيتها، ولم تغفل الجانب التواصلي بين القارئ والرواية، كما مارست الإيهام، ونعني به مخاتلة القارئ وإيهامه بواقعية المتخيل، وقد حاولت “عروس السراديب” أن تفسّر لنا العالم والذوات الإنسانية من حولنا، كما مارست التعليق على الأحداث بشكل متخاف، فقد اتخذت الروائية من “كاميليا” ستارا تعلق من خلفه على انكسارات الذات الأنثوية في المجتمع الذكوري عبر المونولوجات النفسية لــ “كاميليا”. أمّا عن المتعة الأدبية فقد حققت “عروس السراديب” اللذة لدى القارئ، وتلك اللذة/المتعة غاية الفنون الأدبية قاطبة.
المصادر والمراجع:
– إبراهيم أحمد ملحم، الأنثوية في الأدب، عالم الكتاب الحديث، ط1، الأردن، 2016.
– أمبرتكو إيكو، تأملات في السرد الروائي، ت: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط2، المغرب، 2015.
– بلحيا الطاهر، الرواية العربية الجديدة -من الميثولوجيا إلى ما بعد الحداثة-، دار روافد الثقافية، ط1، بيروت، 2017.
– جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ت: جمال شحيد، المركز العربي للأبحاث، ط1، بيروت، 2017.
– زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة -العيش في زمن اللايقين، ت: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث، ط1، بيروت، 2017.
– عبير العطار، عروس السراديب، بتانة للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2025.
– فؤاد إسحق الخوري، أيديولوجيا الجسد رموزية الطهارة والنجاسة، دار الساقي، ط1، بيروت، 1997.
– محمد مصطفى، الرمزية عند محيي الدين ابن عربي، مج1، الهيئة المصرية العامة لدار الكتب والوثائق القومية، ط2، القاهرة، 2020.



