كتاب عن اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان من ترجمة الحارثي

عمّان -متابعة أوبرا مصر
يقدم كتاب “اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان: قوةٌ مترنّحة على ساحل الخليج العربي (1622–1650م)” للباحث البرتغالي دانيال فيليبي فيريرا دا كوستا، وترجمة محمد بن عبد الله بن حمد الحارثي، سرداً تاريخيّاً مركّباً عن لحظة تراجع إحدى القوى البحرية الكبرى في الخليج، منذ طُرد البرتغاليون من جزيرة “هرمز” (1622م) وحتى تحرير “مسقط” منهم عام 1650م.
ويقترب الكتاب من تلك المرحلة بوصفها ذروة التوتر والتبدّل في موازين القوى، حيث تقاطعت العمليات العسكرية بالنشاط التجاري، وتداخلت القرارات السياسية بالصعوبات المالية والعلاقات المتوترة، وذلك في إطار محاولةٍ لفهم كيف تصرّفت النخبة في الدولة الاستعمارية البرتغالية في “غوا” والمسؤولون البرتغاليون في المنطقة خلال تلك العقود الثلاثة.
يضم الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن تمهيداً ومقدمة للمترجم وملخصاً، ثم يتوزع على فصول تبدأ بمقدمة عن السياق التاريخي وتنظيم البحث والمادة والمصادر، مروراً بالجغرافيا والموارد، ثم طرد البرتغاليين من “هرمز” عام 1622م، ثم “التقهقر إلى مسقط”، ثم الاستعمار البرتغالي لبعض نواحي عُمان، ثم التقهقر ونهاية الهيمنة البرتغالية، وأخيراً مرحلة ما بعد الاندحار.
في الفصل الأول، يضع المؤلف الإطار العام لفكرته الرئيسية موضحاً نطاق بحثه بعبارة مباشرة: “ستُحلّلُ هذه الأُطروحةُ الوجودَ البُرتغالي في الساحل العُماني بين عامَي 1622م و1650م”. ويشير ضمناً إلى أن هذه الفترة ليست مجرد سنوات متقطعة في تاريخ البرتغاليين بالمنطقة، بل هي لحظة انتقال القاعدة الاستعمارية ومركز الثقل من “هرمز” إلى «”مسقط” مع تصاعد التنافس الأوروبي وولادة كيان عربي موحّد في الداخل.
أما الفصل الثاني الذي يشتغل على “الجغرافيا والموارد”، فيقدّم خلفية تأسيسية حول “هرمز” بوصفها “الجوهرة” التي شغلت اهتمام البرتغاليين مبكراً لا بسبب مواردها الطبيعية، بل بسبب موقعها الاستراتيجي.
يقول المؤلف في ذلك: “على الرغم من أنّ (الخليج) قد بقي رهن تدابير المجتمعات المحلية الصغيرة، فإنّ ذلك لم يُقلّل من أهميّته الاستراتيجية، إنّها (هرمز). ولم تكن أهميتها هذه بسبب مواردها الطبيعية، بل بفضل موقعها، ومع مطلع القرن السادس عشر للميلاد أصبحت دُرَّة التاج المُبتغاة”. ثم يضيف مؤكّداً معنى التحكم بالممرات والمسافات: “ويمكننا أن نفهم بسهولة أهمية السيطرة على جزيرةٍ تبعد نحو 60 كيلومتراً فحسب عن الساحل العربي”.
ويصل المؤلف لاحقاً إلى تفصيل ذي قيمة عالية في تفسير سبب تمسّك البرتغاليين بمسقط بوصفها “الحصن العربي” الذي عوّض خسارتهم لـ”هرمز”، لكنه يكشف في الوقت ذاته هشاشة هذا التمركز، ففي سياق وصف التحصينات وما تلا سقوط “هرمز” يكتب: “وفي العام 1625م… بنى البرتغاليون السورَ الخارجي مع أبراجٍ دفاعية، وأصبحت البلدةُ حيّزاً مُغلقاً بالكامل، حيث تحرس كُلَّ ممرٍّ قطعةٌ مدفعيّة”. ثم يوضح عناصر القوة الاقتصادية للمدينة: “واتّسمت مسقط بأهمية خاصة لكونها المُنتج الحصري تقريباً لألياف طبيعية تُستخدَم في صنع حبَال السفن، وكانت هذه الألياف، إلى جانب وفرة المياه العذبة، المَوردَين الأكثر أهمية للمدينة”، فضلاً عن دورها كمركز للاستيراد وإعادة التصدير وتزويد المدن الجبلية بالأرز والتوابل.
وفي المقابل يضيء الكتاب على رموز الانحسار البرتغالي في الخليج بعد تراجع السيطرة إلى نقاط محدودة، ومن ذلك ما يورده عما حدث في “كُنغ” بوصفه علامة على الانحدار: “بقي المصنعُ في (كُنغ) رمزاً لاندحار الإمبراطورية البرتغالية في (الخليج)، وكجسمٍ غريبٍ حتى القرن الثامن عشر، ليتم التخلّي عنه أخيراً في العام 1721م”. ثم يؤكد أن قراءة القرن السابع عشر لا تكتمل دون استحضار القوى الإقليمية والقبائل المحلية في الداخل العُماني، لأن التوازن في المنطقة تشكّل بوجود العثمانيين والصفويين والمنافسين الأوروبيين، إضافةً إلى القبائل التي صنعت معادلة جديدة لاحقاً.
هكذا يرسم الكتاب صورة “قوة مترنّحة” تنكمش تدريجيّاً تحت ضغط التنافس الأوروبي، وصعوبات التمويل، وتعقيد الداخل العُماني، إلى أن انتهت الهيمنة بتحرير مسقط من البرتغاليين عام 1650م، في لحظةٍ لم تكن مجرد نهاية وجود استعماري، بل بداية انتقال التاريخ البحري للمنطقة إلى طور جديد تقوده القوى المحلية.
ويضم الكتاب ملحقاً يمكن اعتباره كتاباً ثانياً منفصلاً ضمّه المترجم محمد بن عبدالله الحارثي إليه، هو كتاب “عُمان والعُمانيون (والإباضية) في المصادر البُرتغالية بين عامَي 1500 و1750م”، وهو عملٌ توثيقي أقرب إلى “معجم مصادر” أو “ملحق مرجعي” يرصد حضور عُمان والعُمانيين في الوثائق والنصوص البرتغالية خلال قرنين ونصف القرن تقريباً. لا يروي هذا الكتاب حدثاً واحداً أو مرحلة زمنية محددة كما يفعل الكتاب الأول، بل يشتغل على تتبّع الألفاظ والإشارات والتسميات والتمثلات التي ظهرت في الكتابة البرتغالية حول عُمان: كيف سُمّيت البلاد، وكيف صُوّر أهلها، وكيف فُهمت سلطتها الدينية والسياسية، وكيف عكست المصطلحات المكتوبة آنذاك مستوى المعرفة أو سوء الفهم الذي ساد في الإدراك الاستعماري الأوروبي للمنطقة.
ويضم هذا الكتاب/ الملحق مادةً مُرتبة تُعين الباحث والقارئ على تتبُّع تطور الصورة البرتغالية عن عُمان، وتُظهر تذبذب المصطلحات واختلافها من مصدر إلى آخر ومن حقبة إلى أخرى. ومن بين الدلالات اللافتة التي يض”يء عليها الكتاب أن حضور مصطلحات “الإباضية” و”الإباضي” في الوثائق البرتغالية لم يكن ثابتاً، بل جاء متأخراً أو غائباً في بعض المراحل، وهو ما يكشف عن فجوة معرفية في فهم البنية الدينية والسياسية لعُمان، ويمهد لقراءة مختلفة لطبيعة السياسات التي اتخذها البرتغاليون في الساحل العُماني. وفي السياق نفسه، يوضح الكتاب كيف استُخدم مصطلح “الإمام” في بعض الكتابات بوصفه توصيفاً للسلطة المحلية، أو كيف أُحيل على العُمانيين بتسميات أوسع مثل “العرب، بما يعكس اختلاف زاوية الرؤية بين الداخل والخارج.
وإذا كان الكتاب الأول يشرح مسار التقهقر العسكري والسياسي والاقتصادي للوجود البرتغالي حتى تحرير مسقط، فإن الكتاب الثاني يمنح القارئ “عدّة قراءة” للمصادر البرتغالية نفسها: كيف كُتبت الوقائع؟ وكيف تم توصيف القوى المحلية؟ وكيف تسرّبت الأحكام المسبقة أو محدودية المعرفة إلى مفردات التاريخ؟ وبذلك يتكامل العملان معاً: كتابٌ يحلل مرحلة الذروة والانهيار في ثلاثين عاماً مفصلية، وكتابٌ يوثق الصورة البرتغالية لعُمان عبر قرنين ونصف القرن، ليتاح للباحث إمكانية الربط بين الحدث وبين اللغة التي كُتب بها الحدث.
وفي المحصلة، فإن “اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان.. ثلاثون عاماً من التقهقر على ساحل الخليج العربي (1622–1650م)”، و”عُمان والعُمانيون (والإباضية) في المصادر البُرتغالية بين عامَي 1500 و1750م” كتابان وضعهما المترجم محمد بن عبدالله الحارثي في إطار واحد من الترجمة، ليقدّم للقارئ العربي مادّة تاريخية وتحليلية وتوثيقية تُضيء مرحلة من تاريخ عُمان البحري والسياسي، وتفتح في الوقت نفسه نافذة على “لغة المصادر” التي صاغت صورة عُمان في الذاكرة البرتغالية.



