“محاولات في حب رجل” لسمر العدوان.. رواية عن خبايا العنف الأسري

عمّان- متابعة أوبرا مصر
في غوصٍ عميق وموجع داخل النفس البشرية، وفي سرد روائي يجمع بين قسوة الواقع، ومرارة الخذلان، وعبثية الأقدار، تأتي رواية “محاولات في حب رجل” الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن (2026) لتمثل صرخة مدوية في وجه الظلم المجتمعي، والعنف الأسري، واستبداد العقلية الذكورية.
تأخذنا الكاتبة الأردنية سمر سامي العدوان في هذه الرواية -التي تبدو كوثيقة إنسانية حية- في رحلة شاقة عبر صفحات دفتر مذكرات كُتبت بحبر الألم والدموع، لتروي قصة امرأة حُكم عليها بالسجن مرتين؛ مرة في زواج خالٍ من الرحمة، ومرة خلف قضبان زنزانة موحشة بتهمة لم ترتكبها.
تتميز الرواية ببناء سردي ذكي يعتمد على تقنية “الاسترجاع” (الفلاش باك) والمذكرات المكتوبة. تستهل الأحداث من نقطة النهاية المظلمة؛ من داخل حجرة سجن ضيقة، باردة، ومكتظة بالنساء واليأس. هناك، تلتقي بطلة الرواية “أغراب”، المرأة التي أرهقتها الحياة حتى أفقدتها الرغبة في النطق، برفيقة الزنزانة “مُناي”. ومن خلال تسليم “أغراب” دفتر مذكراتها الأسود المهترئ ذي الأوراق الصفراء لـ”مناي”، تُشرع أبواب الماضي، لتبدأ رحلة القارئ في تتبع مسار حياة شابة تحولت أحلامها الوردية إلى كابوس مستمر. تقول البطلة في مطلع بوحها: “حياتي اختزلتها بهذه المذكرات.. كتبتها بقلبي وهو ينزف قهراً، عما فعلته بي الأيام، لعل الوقت يشفيني ويهديني إلى النسيان”.
تعود بنا الرواية إلى عام 1987، حيث تتوقف عقارب الزمن الجميل للبطلة “أغراب”، الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعاً، المفعمة بالحياة والشغوفة بالعلم والطبيعة. بقرار أحادي قاطع من والدتها -التي تمثل هنا السلطة المجتمعية البراغماتية- وتحت وطأة مرض الوالد المفاجئ، تُجبر “أغراب” على التخلي عن دراستها وأحلامها للزواج من “يوسف”، الرجل الثري القادم من بيروت.
تُسلط الرواية الضوء بجرأة على تحويل الفتاة إلى “مشروع استثماري” أو “طوق نجاة مادي” للعائلة، متجاهلة مشاعرها وطموحاتها. وفي هذا السياق، تصف الرواية هذا الزواج بأنه “خطيئة” البدايات، حيث تُساق الفتاة إلى قدرها مغمضة العينين، محملة بوعود كاذبة بإكمال تعليمها، لتجد نفسها سريعاً في مواجهة وحش كاسر يختبئ خلف وسامة مصطنعة وبدلات أنيقة.
بمجرد انتقال “أغراب” إلى بيروت، يتكشف الوجه الحقيقي لـ”يوسف”، وتنتقل الرواية لتوثيق يوميات التعنيف الجسدي والنفسي؛ حيث تُعزل البطلة عن العالم الخارجي، وتُحرم من التواصل مع عائلتها، وتُعامل كقطعة أثاث مهملة أو خادمة تُهان على أتفه الأسباب. تبرز الكاتبة هنا سيكولوجية المعنِّف النرجسي الذي يمارس الإسقاط النفسي، متذرعاً بضغوط العمل ليبرر خياناته المتكررة، بدءاً بعميلات شركته وصولاً إلى إدمانه الكحول.
ورغم محاولات “أغراب” المستميتة لإنقاذ زواجها -وهي المحاولات التي يعكسها عنوان الرواية- إلا أنها كانت تصطدم دائماً بجدار من القسوة واللامبالاة. وفي ذروة ألمها، تلجأ إلى البحر كمتنفس وحيد، حيث تداهمها نوبات هلع قاسية، صُوّرت في الرواية بدقة نفسية عالية، لتُبرز حجم الدمار الداخلي الذي يتركه العنف المنزلي على جسد وروح المرأة.
تصل المأساة إلى ذروتها مع تجربة الأمومة. فبدلاً من أن يكون الحمل مصدر فرح، يطالبها “يوسف” بإجهاض طفليها بأنانية مفرطة، ولكن تقرر “أغراب” التمرد والاحتفاظ بتوأمها، لتنجب “حياة” و”أمل”. تتلقى البطلة صفعة قدرية جديدة بوفاة الرضيعة “أمل” بمتلازمة الموت المفاجئ، لتسقط في براثن اكتئاب ما بعد الولادة، في ظل غياب تام لدعم الزوج الذي يكتفي بتوجيه اللوم لها والتهديد بسحب ابنتها المتبقية “حياة” منها.

تصبح “حياة” هي طوق النجاة الوحيد لـ”أغراب”، وتنشأ بينهما علاقة تضامن استثنائية. عبر شخصية “حياة”، تناقش الرواية الأثر النفسي العميق الذي يتركه الأب المعنِّف على أبنائه، وكيف تتوارث الأجيال صدمات العنف، وهو ما تشرحه الأخصائية الاجتماعية “د. لارا” في الرواية، مؤكدة أن العنف دائرة مفرغة لا تُكسر إلا بالمواجهة والبوح وتفريغ الصدمات المكبوتة.
لم تكتفِ الرواية بعرض خذلان الزوج والأسرة، بل توغلت في ألم “الخيانة المزدوجة”. تتلقى “أغراب” طعنتها الكبرى من صديقة طفولتها ومخبأ أسرارها “ميادة”، التي تتسلل إلى حياة “يوسف”، وتتزوجه سراً، وتستولي على أمواله وممتلكاته بمساعدة شقيقها المحامي الفاسد “سلطان”.
ترسم الرواية ببراعة شديدة كيف يتحول الأصدقاء إلى أعداء طامعين، وكيف يستغل “سلطان” شقيقة البطلة “سراب” ويوقعها في شباك الحب الزائف ليمرر مخططاته الدنيئة بالسيطرة على ثروة يوسف الذي يرقد في غيبوبة بعد حادث سير مروع. هنا، تتجلى مقولة الرواية القاسية: “الجروح المفاجئة تردينا قتلى مفجوعين بمن طعنونا وأذاقونا كأس الخداع”.
في الفصول الأخيرة، تتسارع وتيرة الأحداث في قالب أقرب إلى الإثارة البوليسية. يستيقظ “يوسف” من غيبوبته ليمارس قسوته الأخيرة حتى وهو على فراش الموت، موصياً بكل ثروته لعشيقته “ميادة” وحارماً ابنته وزوجته الشرعية من كل شيء، ليفارق الحياة دون ذرة ندم أو اعتذار.
تُحبك المؤامرة ببراعة لتوريط “أغراب” في جريمة قتل مُدبرة، وتُزج في السجن. لكن الحبكة تصل إلى ذروتها الدرامية عندما تتدخل الأم -التي باعت ابنتها في البداية- لتكفّر عن ذنبها التاريخي. تدخل الأم في عراك مميت مع “ميادة” دفاعاً عن النفس وحماية لعائلتها، ما يؤدي إلى مقتل “ميادة”، وتسليم الأم نفسها للعدالة مع تسجيلات صوتية تفضح المؤامرة، لتكون هذه التضحية بمثابة غسل لذنوب الماضي، وسبباً في براءة “أغراب”.
وبفضل جهود المحامي والمثقف العاشق للموسيقى الكلاسيكية وأغاني أم كلثوم “العم كمال”، تُثبت براءة “أغراب”، ويُحكم على “سلطان” بالسجن الطويل، وتخرج الأم بحكم مخفف نتيجة الدفاع عن النفس.
تُختتم رواية “محاولات في حب رجل” بمشهد رمزي عميق؛ حيث تسترد “أغراب” دفتر مذكراتها من رفيقتها “مناي” بعد خروجهما إلى الحرية، وتكتب بيديها على غلافه السطر الأخير: “محاولات في حب رجل، جميعها باءت بالفشل”.
وأخيرا يُيعد هذا العمل الأدبي ليس مجرد سرد لمعاناة امرأة، بل هو تشريح دقيق للعلاقات الإنسانية المعقدة، ودرس في كيفية النهوض من تحت الركام. تؤكد الرواية أن التسامح مع الذات وطي صفحة الماضي هما الحرية الحقيقية، وأن المرأة قادرة على أن تتجاوز محنها وتستمر في الصعود مهما تكالبت عليها الظروف. كتاب يستحق القراءة، ويترك في النفس أثراً لا يُمحى، وأسئلة لا تنتهي عن العدالة، الحب، وثمن الخلاص.





